العنوان الثورة الفلسطينية.. إلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1979
مشاهدات 71
نشر في العدد 444
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-مايو-1979
بادئ ذي بدء نقرر بأن لنا مفهومًا خاصًا للنصر ومعه وضمنه مفاهيم خاصة للصراع والحرب والخسائر والغنائم، كل ذلك نستله من دستورنا القرآن الكريم:
- ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126)
- ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47).
- ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (يوسف: 110)
- ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ (الأنفال: 26).
- ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)
ونحن عندما ينطق القرآن نسجد لله شاكرين مصدقين وترفع كل الأقلام وتجف كل الصحف هذه واحدة.
- فلسطين ليست للفلسطينيين والقضية ليست فلسطينية كما يحاول أن يحصرها في هذا الإطار أعداء الأمة من اليهود والنصارى، وبالتالي فالحركة لا ينبغي أن توصف بالفلسطينية ففي ذلك محاصرة لقضيتها وتطويق لفعاليتها عبر تاريخنا الإسلامي كانت فلسطين للمسلمين والدفاع عنها مهمة إسلامية وتحرير القدس لم يتم في التاريخ على يد «الطلائع» و«الفصائل» و«فرقة جيفارا»، بقدر ما تم على أيدي المجاهدين المسلمين يقودهم صلاح الدين المسلم أولًا الكردي.
- ثانيًا: إذن فلسطين إسلامية، والحركة لاستعادتها ينبغي أن تنفرج لتستوعب المسلمين وتزج بهم في جهاد مقدس والله بعد ذلك نعم المولى ونعم النصير وهذه ثانية.
- وحيث أن تصورنا للنصر على أنه من الله الأكبر من كل كبير والأقوى من كل قوي والقاهر لكل الجبابرة، وحيث أن القضية بالنسبة إلينا إسلامية والحركة ينبغي أن ترفع راية لا إله إلا الله لذلك نجد في أنفسنا أكثر من دافع للإفصاح عن رأينا في ضرورة تصحيح مسار- الحركة الفلسطينية- ونستعمل اللفظ بصورة مجازية هنا.
- البدايات: منذ البداية كانت العلاقة بين دعاة الإسلام وتحرير فلسطين. منذ أن بدأت القلاقل والاضطرابات في فلسطين قبل ثورة 1936 أخذ دعاة الإسلام- الإمام الشهيد حسن البنا، والمرحوم الدكتور مصطفى السباعي وغيرهم- يمدون المجاهدين من أتباع المجاهد الشيخ عز الدين القسام بما يقع في أيديهم من مال وسلاح حتى كانت ثورة 1936.
ولسنا هنا إلا مذكرين لمتصدري الحركة الفلسطينية اليوم بـ: عبد الرحمن الساعاتي، والصاغ محمود لبيب، وأحمد عبد العزيز، وعبد المنعم عبد الرؤوف، وحسن عبد الغني، وأحمد الترجمان وحسين حجازي وكل الشباب المسلم الذي خاض المعارك ضد اليهود.
ولولا المؤامرة الكبيرة الدولية الخسيسة ضد الحركة الإسلامية لما أغمض جفن لليهود في فلسطين، ولكن حسبنا أن نقول: قدر الله وما شاء فعل.
ورغم كل الذي حصل كان الدعاة إلى الإسلام في بدايات الستينات عندما بدأت فكرة المقاومة المسلحة للصهاينة تتبلور في أذهان عصبة من أبناء هذه الأمة كانوا منذ ذلك الوقت يصرون على أسلوب معين من العمل غير الأسلوب الحالي وعلى فكر واضح غير الاهتداء الفكري السائد فلسطينيًا.
منذ البداية حدد المسلمون الملتزمون موقفهم من الأمة والأنظمة والقوى الدولية والقضية من حيث الأرض والسقف والجدران كل الجدران.
ومنذ البداية كانت الآراء الإسلامية ترد على أصحابها على أنها غير مناسبة في المعترك الدولي والشعبي العربي وبالأخص الفلسطيني- منذ البداية- أن السياسة والتحالف واللعب على الحبال وأن الإسلام لا يسمح بهذا وبالتالي فلينح جانبًا.
ووقعوا ووقعت القضية في شراك التبعية الدولية وصاروا وصارت القضية تبحث في الأروقة الرسمية والنتيجة كما ترون.
- المقاومة والأنظمة:
حاول الذين يتصدرون العمل في المقاومة أن يتلمسوا طريقهم بين طرق الأنظمة المتعددة، فتعددت سبل المقاومة وانتقلت عدوى الأنظمة إلى جسم المقاومة بدل أن تنتشل المقاومة الأنظمة من اهترائها وترهلها، ولأن الأنظمة تجد في القضية مجالًا رحبًا للمزايدات وللاستقطابات حرصت أن تكون لها اليد القوية في مسار المقاومة. لذلك نجد في المقاومة «تكايا» تنظيمية للأنظمة وأخذ كل نظام ينشئ «المنظمة» أو «الجبهة» التي تأتمر بأمره وأخذ «زلم» الأنظمة ينطقون باسم القضية والمقاومة ومستقبلها مع أن الكل يعرف كيف وصلت إلى ما وصلت إليه.
ولأن الأنظمة العربية بذاتها تدور في أفلاك دولية أوسع بدأت القوى الدولية تتحكم بالمقاومة عبرها.
هكذا وجدت المقاومة نفسها في شبكة مخيفة ورهيبة من العلاقات أدت في النهاية إلى تلاشي فعاليتها الجهادية.
ولا بد في رأينا أن تتحرر المقاومة من الأنظمة جميع الأنظمة- بشتى راياتها ومسمياتها وأن تنتمي فقط لغاياتها ومسوغات وجودها.
- المقاومة والأمة:
من المؤسف جدًا أن علاقة المقاومة بالأمة أضعف من علاقتها بالأنظمة هذا يحدث بالرغم من أن البحر الحقيقي المستمر الذي إمكان المقاومة أن تسبح فيه هو الأمة لا الأنظمة، بالأنظمة تنقلب وتتعدل وتصحح لكن الأمة هي هي واستعداداتها الجهادية هي هي لا تتغير.
لذلك ولأن علاقة المقاومة بالأنظمة صارت أقوى من علاقتها بالأمة- نجد المقاومة لا تصارح الأمة جرد الأوراق.
نتج عن ذلك علاقة بين المقاومة والأمة مشوبة بالحذر والاحتراز. هذا بحد ذاته جعل المقاومة في عين الأمة على أنها مجموعة من «السياسيين» لا مجموعة من الثوار أو أصحاب حق ولذلك نلاحظ أن الذين يتصدرون العمل في المقاومة لا يتمتعون لدى الأمة بقسط وافر من المصداقية.
ونعتقد أنه آن الأوان لمراجعة هذه الوضعية الشاذة في علاقة المقاومة بالأمة ولا بد من التأكيد هنا بأن الرصيد الباقي والمستمر عبر كل التقلبات للمقاومة لن يكون إلا في الأمة ومن الأمة وأن الأنظمة- بشتى راياتها ومسمياتها- ما زالت تعتبر القضية «علكة سياسية، تغطي من خلالها الإرهاب الذي تمارسه ضد شعوبها والقمع الذي عليه ترتكز في وجودها والاستلاب الذي تعمقه في سجون عواصمها.
- المقاومة من الداخل:
المقاومة أصبح لها جهاز إداري ومكاتب ومستوصفات ومستشفيات ومدارس ومخيمات ومعسكرات ومخازن وعنابر وعقارات وميزانية ضخمة.
ولا شك أن كل ذلك من ضروب الاستعداد والإعداد. لكن المشكلة تكون كبيرة عندما تتحول كل هذه المؤسسات إلى بيروقراطية تقليدية يسيطر عليها بيروقراطيون تقليديون يؤمنون بـ «إخلاء الطرف» أكثر من الثورة وبـ «الأمر الخطي» أكثر من قتل اليهود والصهاينة.
مؤسف جدًا أن يحصل التنافس بين العاملين في المقاومة على الأعمال المكتبية والإدارات والشقق الفخمة في بيروت حيث السيجار» و«الكونياك»، والأطعمة الرهينة والمراكب الواطئة والأحذية اللامعة.
رأينا ذلك رأي العين وهذا ما لم نكن نريده للمقاومة منذ البداية. يلاحظ كذلك أن كثيرًا من العناصر تضمها المقاومة دون أن تأنس منها التزاما جديًا بالقضية، ولذلك تجد في الصفوف كثير من العناصر الواطئة تفكيرًا وسلوكًا ومنهجًا ولأن المقاومة لا تحسن اختيار عناصرها ولأن العمل في المقاومة صار كالعمل في أي وضع أو ورشة أو جمعية نفع عام، لأن الحال كذلك استطاعت المخابرات الإسرائيلية «الموساد» أن تتغلغل داخل صفوفها وترتب كثيرًا من عمليات التصفية للعناصر «الخطرة» عليها.
المقاومة تحولت إلى مؤسسة مليئة بالموظفين وكنا نريدها شبحًا يقتل الصهاينة ويدمر مستوطناتهم ويخطف قادتهم ويحرق مصانعهم ويقطع كل الأصابع التي توقع معاهدات الخيانة والاستسلام.
- وماذا بعد؟ نكتب هذا ونحن نعتصر بالألم، لكن لا نرى فكاكًا من المصارحة والمكاشفة. نريد مقاومة ذات مضمون عقائدي ينطلق من آيات النصر المحفورة في صدر هذا الكلام.
نريد مقاومة متحررة من الأنظمة، بل حربًا عليها. نريد مقاومة تثق بالأمة لكي تثق الأمة بها، ونريد مقاومة ثورة لا بيروقراطية «ثورية». أن إسرائيل- الكيان الصهيوني الاستعماري اليهودي- يستند إلى أرضية أولى هي إسرائيل الداخلية بتجسداتها جميعًا: الدينية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وأن من يحارب إسرائيل دون زحزحة هذه الأرض وتغييرها ونسفها كمن يحارب وهو واقف في الهواء. فما هي الأرضية الدينية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقف عليها المقاومة في محاربتها لإسرائيل؟
لقد آن الأوان لطرح هذا التساؤل في صفوف المقاومة لكي تفعل أكثر وتتجاوز وتتخطى أكثر.
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104)
صدق الله العظيم