; الثورة الإرترية بين الأمس.. واليوم | مجلة المجتمع

العنوان الثورة الإرترية بين الأمس.. واليوم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

مشاهدات 63

نشر في العدد 280

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

الحلقة الثانية

ليس التزوير الشيوعي واليساري وحده هو الخطر المتربص بالثورة الإرترية اليوم. وإنما هناك خطر آخر يتمثل في الزحـف الصليبي الذي وجد المجال فسيحًا عبـر التساهل المستمر من جانب ضعاف الإيمان الذين قدموا إسلامهم قربانًا لاسترضــاء العناصر المسيحية.

وقصة المسيحيين مع الثورة بدأت منذ العام الرابع لانطلاقتها. فقبل هذا التاريخ كان النصارى مسقطين من حساب الكفاح الوطني الإرتري لأنهم كانوا طرفًا في المعركة ضد الاستقلال الذي حمل لواءه حــزب الرابطة الإسلامية، فمنذ فجر العمل المسيحيون حزب- الوحدة- الإرهابي في الأربعينات وقادوا حربًا أهلية سوداء ضـد المسلمين بتشجيع من الأحباش والاستعمار مطالبين بالوحدة مع إثيوبيا ومن هنا فقد كانوا خارج حركة الاستقلال الوطني الإرتري تمامًا. وحينما قامت الثورة كانت قوات الكوماندوس والشرطة الإرترية المخصصة لقمعها تتشكل كلية من النصارى الإرتريين فضلًا عن الإداريين المدنيين.

وحينما اشتد ساعد الثورة وقويت شوكتها وبلغت الذروة في عامي 65- 66 وامتدت إلى قمم الهضبة والمرتفعات.. لحق بعض الانتهازيين بموكبها مستغلين حاجة الجبهة لكوادر محاربة من أبناء المرتفعات في محافظة حماسين المسيحية والمحيطة بالعاصمة. في تلك الفترة سلم زمام القيادة في المنطقة الخامسة الى ولدي- النصراني الذي سلم نفسه وزملاءه إلى حكومـة هيلاسلاسي طاعنين الثورة في أعنف حركة خيانية في تاريخها... ولولا شجاعة نائب القائد المسلم وموقفه الحاسم لهلكت القيادة عن آخرهالأنه كان ينوي أيضًا تسليم جميع الأسلحة التابعة للقيــادة الخامسة.

هذه الحادثة أنشأت أزمة ثقة عنيفة بين المسلمين والمسيحيين مضافًا إليها عمليات التجسس والتسليم المستمر من جانب المسيحيين- الثوار- إلى حكومة إثيوبيا.

وفي الحقيقة كان لنصارى أريتريا يشكلون الطبقة المدللة من قبل الإثيوبيين وبيدهم جميع الوظائف والمصالح الاقتصادية وهــم مقتنعون بأن الضمان الوحيد لوضعيتهم هو الوجود الإثيوبي في إرتريا ولذلك لم تكن بينهم وبين إثيوبيا أية مشكلة، بل على العكس. هذا بإضافة للعامل الديني الذي يشدهم إلى كنائس أديس أبابا والفاتيكان.

وبعد أن تأكــد للدوائر الغربيـــة- والأميركية بالذات- أن الثورة الإرترية ثورة لها مبرراتها وعناصر بقائها، أوعزت إلى- تدلا بايرو- زعيم حزب الوحدة ورئيس حكومة إرتريا السابق فأعلن انضمامه بجبهة تحرير إرتريا في مؤتمــر صحفي عقده في دمشق.. وذلك لتضمن وجود الاتجاهات المسيحية والغربية داخل الثورة ومن يومها والنفوذ الأرتري يتزايد داخل صفوف الثورة وكلما تشكك النصارى في نوايا الثورة ولمحوالإسلاميتها تراجع ضعاف الإيمان أمام هذا الاتهام وقدمـوا المزيد من التنازل عن دينهم... ولعلهم قد وجدوا الخـلاص أخيرًا في تبنيالعلمانيـة والعقائد الماركسية والاشتراكية كبديل للإسلام...

وبعد قيام الثورة الإثيوبية ظهر على سطح الأحداث الجنرال أمان عندوم وهو من مسيحي أرتريا الذين تربوا في أحضان الكنائس واختار الموقف الطبيعي لأرترى مسيحي مثله فحارب إلى جانب الإمبراطور ضد الشعب الأرترى طيلة حياته العسكرية وكان محل ثقة الدوائر الإثيوبية للحد الذي بلغ فيه رتبة جنرال في الجيش ثم عين رئيسًا لمجلس الدولة بعد الانقلاب. وقد رأى فيه نصارى التغراى الذين يشكلون في مجموعهم مسيحيي إرتريا وشرق إثيوبيا فيما كان يعرف سابقًا بمملكة تغراىالتاريخية رأوا فيه أحياء لملكهم السابق قبل أن يخضعهم مسيحيو- الأمهرة-‏ نهائيًا لإثيوبيا وبدأ هو يعد نفسه لهذا الدور التاريخي.. ويجمع حولــه الضباط التغراويين من إثيوبيين وأرتريين حتــى أحس الحكام الجدد بطموحه فأطاحوا به وقتلوه على أن مقتله قد خط حدًا فاصلاً بين التغراى والإثيوبيين... فشكـــل الإثيوبيون منهم حركة ثورية بقيادة الرأس- منغشو- أحد أركان النظام الإقطاعي السابق وانضم الأرتريون منهم إلى الثورة الأرترية خصوصًا بعد أحداث فبراير الماضي ولكونهم طبقة متعلمة وسط الحرمان الأرتري ومنهم الطبيب والمهندس والضابط والطيار، فقد احتلوا مناصب رفيعة في صفوف الثورة. وتولوا عملية التوجيــه الثقافي والاتصال الخارجي بالعالم الغربي الذي أصبح يدعم مركزهم عن طريــق البعثات والمعونات ‏والإرساليات... كما أنهم وللمرةالأولى أصبحوا يزاحمون على المراكز العسكرية الحساسة التي فطن المسلمون إلى ضرورة إبعادهم عنها بعد درس خيانة- ولداى-.. ولكنهم الآن بعد هروب كوادر عسكرية رفيعة مــن أسمرة إلى صفوف الثورة في الريف بما فيهم ضباط كبار وطيارون ومختلف رتب الجيش الفنية والعامة.. أصبحوا مـن القدرة بمكان على السيطرة عليها... ويكفي أن نذكر أن المسؤول العسكـري لجناح قوات التحرير الشعبية هو أسياس المسيحي. وعثمان سبى زعيم هذا الجناح يفخر بذلك كثيرًا للتدليل على عدم تمسكه بالإسلام..

إن المسيحية في إرتريا تأخذ- كالعادة- أكبر من حجمها- فالإسلام هو العقيدة الرئيسية هناك يمثلون 90٪ من مجموع الشعب الإرتري... وليس السلــوك الحكيم والسياسة المثلى في تجاهل الإسلام حتى نثبت اعترافنا بالمسيحية الإرترية.

إن أي كفاح في إرتريا ينبغي أن ينضوي تحت لواء قيادة إسلامية تستثمر وتوجهه حتى لا تتكرر تجارب تشاد والسنغال. وفي الحلقة القادمة نتطرق إلى هذا الموضوع.

 

الرابط المختصر :