; الثورة الإرتيرية... بين الأمس واليوم- الحلقة الأولى | مجلة المجتمع

العنوان الثورة الإرتيرية... بين الأمس واليوم- الحلقة الأولى

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1975

مشاهدات 106

نشر في العدد 278

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 09-ديسمبر-1975

العمل الوطني في إرتيريا بدأ بقيام حزب -الرابطة الإسلامية- في إرتيريا، وقد تحمل هذا الحزب عبء النضال الوطني وفق رؤية وطنية واضحة تعتبر أن الكيان الإرتيري ذو طابع عربي إسلامي راسخ ومنتم إلى العالم العربي الإسلامي الذي يتألف من شعوب الأمة الإسلامية ذات الدين الواحد والتاريخ الواحد والحضارة المشتركة.

وبذلك تبلورت فكرة الاستقلال عن أثيوبيا التي يتسلط عليها نظام صليبي حاقد وطامع في إذلال المسلمين واغتصاب أرضهم وخيراتها، وتغلغل الكفاح الإرتري عبر هذه الرؤية الواضحة إلى أعماق الإرتريين أفرادًا وشعبًا في المدن والريف؛ لأنه عبّر عن حقائق تجري في دمائهم على الرغم من بساطتهم وبدائيتهم كما لم تتغلغل أي ثورة شبيهة في العالم كله.

فالثورة الإرترية لم تكن يوما جمعية صفوة عقائدية تلوك أفكارًا غريبة عن مجتمعها ولكنها ثورة الإنسان الإرتري المسلم البسيط الذي يلمس الخطر الصليبي الماثل أمامه والمحدق بكيانه الإسلامي دينًا ونفسًا وأرضًا.

بعد المؤامرة المجرمة وضم الكيان الإرتري نهائيا لسلطة هيلاسيلاسي الكنسية الصليبية تحرك الضمير الإسلامي الإرتري متمثلاً في جهود الشباب الغيارى من خريجي الأزهر والمعاهد الدينية والمثقفين المسلمين من المواطنين الإرتريين وأبناء حزب الرابطة الإسلامية ولجأوا إلى الجهاد المسلح في جبال الريف الإرتري.

إن التاريخ لن يكتب أبدًا أن الشهيد عبد القادر كبيرى والزعيم إبراهيم سلطان مؤسس الكفاح الوطني وقادة «الرابطة الإسلامي» كانوا يساريين أو شيوعيين أو منتمين لأي من دكاكين اليسار التي فتحت مؤخرًا على هامش الثورة وفي واجهات المزينة. ولا إدريس آدم رئيس البرلمان الإرتري قبل الاحتلال وهو رئيس الجبهة منذ قيامها وحتى تاريخ طرده من رئاستها قبل شهرين فقط بواسطة القيادة -الراديكالية- الجديدة ولا حامد إدريس عراقي مفجر الكفاح المسلح ومطلق أول رصاصة إرترية على جيش الاحتلال الأثيوبي والقائد العسكري المؤسس.

ولا الرعيل الأول من الشهداء الأزهريين الذين رووا الوديان بدمائهم وفتحوا طريق الجهاد والثورة لأبناء الشعب الإرتري المجاهدين.

نخلص من هذه المقدمة التاريخية إلى طبيعة الصراع المؤسف الذي انتهت إليه الثورة مؤخرًا بفضل وفود ثوار اللحظة الأخيرة، لحفلة النصر والتكوين وسرقة تضحيات الآخرين.

هؤلاء جاءوا ليعطوا الثورة طابعًا جديدًا... أنها ثورة الكادحين ضد النظام الإقطاعي في أثيوبيا، وأنها ثورة يسارية ضد الإمبريالية والمعسكر الأميركي، وأنها في خندق واحد مع حركات الثورة العالمية هنا وهناك. ولكن القدر لم يمهل المزيفين ليكملوا تزويرهم حتى النهاية.. فقد قامت -الثورة- في أثيوبيا وسقط النظام الإقطاعي وجاء -الرفاق الحمر- فوزعوا الأرض على الفلاحين وأقاموا العلاقات مع أم الثورة العالمية موسكو ومع بكين والعالم الشيوعي. فإلی أین انتهت القضية الإرترية وما هي الرؤية الجديدة التي يمكن أن يقدمها هؤلاء ليفسروا لنا طبيعة الصراع الدائر وليقنعوا العالم بعدالة القضية؟؟

  • هل هي ثورة اشتراكية ضد النظام الإقطاعي الأثيوبي؟

لقد ماتت هذه الدعوى في أفواههم.. فالنظام الأثيوبي أصبح أكثر اشتراكية وتقدمية ويسارية منهم، وقد أدارت السفارات الشيوعية ظهرها -نهائيًّا- للثورة وطالبوها بالتعاون والوحدة مع النظام الاشتراكي الجديد- أقول نهائيًّا لأن هذه الجهات الشيوعية لم تقف يوما مع الثورة، وستعود إلى ذلك-.

  • هل يقولون إن الشعب الإرتري متميز عرقيًّا عن الشعوب الحبشية؟ هذه مسألة لیست موضع نزاع بيزنطي؛ لأن حقائق البيئة وعلم الأجناس ستحسمها دون تردد لغير صالح المدعين.
  • هل يتحدثون عن الانفصال التاريخي؟؟ وأنى لهم ذلك إذا ما تجاهلوا التاريخ الإسلامي لإرتريا؟ هل يتحدثون عن فترة الاحتلال الإيطالي العارضة ليدللوا على الاستقلال السياسي تاريخيًّا؟؟ فإن أثيوبيا نفسها حكومة من كيانات سياسية لها استقلال تاريخي دام منذ أن خلقت وإلى أن وحدها الإمبراطور منليك جد هيلاسلاسي بمساعدة الأوروبيين في التاريخ الحديث، ومن بينها كيانات إسلامية صرفة. وهل في التاريخ الإرتري كيانات أكثر استقلالا من سلطنة هرر وسلطنة القالا وسلطنة جما وسلطنة أوسا وغيرها وغيرها من الممالك الإسلامية، بل حتى الممالك المسيحية كانت كيانات تاريخية مستقلة موغلة في القدم فسلطنة الأمهرة في غوندار غير سلطنة التغراي في جنوب شرق إرتريا وشمال شرق أثيوبيا... وما زال التغراي حتى اليوم يناضلون أثيوبيين و إرتريين للاستقلال عن أثيوبيا الأمهرية وهم نصارى مثلهم... تماما كما يفعل رجال جبهة تحرير إرتريا.

إن المبرر الوحيد لقيام الكيان الإرتيري المستقل شعبًا ووطنًا هو الانتماء العربي الإسلامي، وهو الهوية الثقافية والحضارية الإسلامية التي تميزه عن النظام الأثيوبي كنسيًّا كان -كما هو الحال أيام هيلاسلاسي أو شيوعيًّا- كما هو الحال اليوم. وإن أي تنازل عن هذه الهوية وهذا الانتماء سيجعل إريتريا و الإرتريين تلقائيًّا جزءًا لا يتجزأ من أثيوبيا بكل العوامل العرقية والجغرافية المتعارف عليها… ولن يكون هنالك أي مبرر منطقي للانفصال أو أساس قوي للقضية الإرترية.

ولم تعد الهوية اليسارية مجدية بعد التطورات الأخيرة في أثيوبيا وقيام السلطة اليسارية والنظام الاشتراكي فيها، بل أصبحت الدعوى اليسارية إدانة للثورة من داخلها لانفصالها عن الكيان الاشتراكي الإثيوبي.

إننا نراقب بأسف شديد وألم بالغ ما يجري الآن من تزوير لطبيعة القضية وتزييف لإرادة الأمة الإرتيرية المسلمة… فالإرادة الخارجية الشيوعية دخلت مع الوعد بالمساعدات، وشبح هيلاسلاسي انبعث في داخل الثورة باسم النصرانية الإرترية، والهوية الإصلاحية للأمة الإرترية خنقت بين فكي هذه الكماشة.

لقد رفضت موسكو حتى وقت قريب ومعها دولها الشيوعية أن تساند الثورة؛ لأنها لم تكن ثورة شيوعية ولأن رجالها من المجاهدين المسلمين، وكان الحزب الشيوعي السوداني يدعم المنشقين في حركة تحرير إرتريا التي رفضت الثورة المسلحة وعملت على وضع العراقيل أمامها.. وحتى مجاملتهم المتأخرة للثورة لم تستمر كثيرًا بعد أن سقط هيلاسلاسي وجاء العسكر اليساريون. ولقد كان الثوار ينظرون في ألم إلى عبد الناصر وهو يعانق هيلاسلاسي مؤكدًا على الصداقة التاريخية بين مصر والإمبراطور القادم من الإمبراطورية التي حمت المهاجرين المسلمين في أيام الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي يزج بطلابهم في السجون بحجة الانتماء للإخوان المسلمين.

في ذلك الوقت كان السند الوحيد للثورة هي العناصر الإسلامية في السودان والسعودية والكويت وغيرها بل كان العنصر الإسلامي في الشعب الإرتيري ذاته الذي ترعرعت الثورة في ضميره وغذاها بدمه واحتضنها من كل قلبه فجوزي جزاء سنمار وسلمت ثمرة تضحياته إلى عملاء الكنيسة وربائب المخابرات الشيوعية وشبه الشيوعية..

يتبع.

الرابط المختصر :