; الجالية المسلمة في أمريكا اللاتينية | مجلة المجتمع

العنوان الجالية المسلمة في أمريكا اللاتينية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987

مشاهدات 64

نشر في العدد 799

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 06-يناير-1987

  • الشباب المسلم في أمريكا اللاتينية برزت فيه روح جديدة تشده إلى أصوله الحضارية وتبعث فيه الهمة للبحث عن هويته الحقيقية التي طمست

تعريف ديموغرافي:

يطلق اسم أمريكا اللاتينية على دول وسط وجنوب أمريكا أي من الولايات الجنوبية للولايات المتحدة والمكسيك والجزر القريبة منها حتى القطب الجنوبي من الأرجنتين. 

هذه الدول جميعها كانت تخضع في القرن السادس عشر للاستعمار الإسباني والبرتغالي «إثر اكتشاف أمريكا الشمالية «الولايات المتحدة وكندا» وفرنسا «قسم من كندا وبعض الجزر الصغرى في المحيط الهادي». 

وسكان البلاد الأصليون هم الهنود الحمر كما هو معروف ثم المستوطنون الجدد إسبان، طليان ثم عرب حسب التسلسل العددي.

 اللغة السائدة هي اللغة الإسبانية «عدا الولايات المتحدة وكندا وبعض الجزر الصغيرة مثل ترینیداد أكوادا لوبيه.. إلخ فاللغة الرسمية فيها هي الإنجليزية أو الفرنسية وكذلك جزر صغيرة جدا تتكلم الهولندية» فإذا استثنينا البرازيل الناطقة باللغة البرتغالية تبقى اللغة الإسبانية هي اللغة الوحيدة لكافة الدول من المكسيك وكوبا وبنما حتى الساحل الجنوبي للأرجنتين وتشيلي مرورًا بالإكوادور وبراغواي وأورغواي، وكولومبيا، والسلفادور، وهندوراس.. إلخ، بل إن ميامي وكالفورنيا وما حولها من الولايات المتحدة يقطن بها ما لا يقل عن ١٥ مليونًا من أصل إسباني.

هذه الشعوب تنتمي جميعًا من الناحية الاقتصادية لدول العالم الثالث، ويحكمها بشكل عام حكومات عسكرية وهي مناطق نفوذ للولايات المتحدة باستثناء كوبا ونيكاراغوا.

الحياة الاقتصادية:

تعتمد بالدرجة الأولى على الزراعة وقد كانت في السابق قوة اقتصادية ضخمة ثم ما لبثت الانقلابات العسكرية والفساد الاقتصادي يعبثان بها حتى أصبحت في مؤخرة دول العالم، غير أن هذا الوضع غير الطبيعي لا يعتبر قاعدة اقتصادية، بل هو واقع قابل للتغيير إذا ما أطلق عنان البناء والاستثمار فيها... من هذا نريد القول إن هذه الدول خاصة الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا ستكون لها كلمة مسموعة في المجال الاقتصادي في غضون العشر سنوات القادمة، وهذا ما يفسر التوجه اليهودي الحالي إلى هذه البلدان وشراء الأراضي التي تدنت أسعارها الحالية إلى مستويات جعلتها في متناول الجميع.

الحياة الاجتماعية:

في هذه البلدان لها صلة وثيقة بالحالة الاقتصادية والوضع الأمني والاستقرار السياسي ولهذا فلا يمكن إجمال هذه الدول تحت مظلة اجتماعية واحدة، فبينما نرى انعدام الأمن وتفسخ الحالة الاجتماعية في البرازيل نلاحظ أن جارتها الأرجنتين لا تزال تتمتع بوضع مقبول نسبيًا رغم الحكومات العسكرية المتعاقبة على هذه الدول في السنين الماضية.

المعتقدات الدينية والسياسية:

سبق القول إن هذه الدول تعتبر مناطق نفوذ للمعسكر الغربي عامة والولايات المتحدة بشكل خاص «عدا كوبا ونيكاراغوا» من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، وهذا يعني أنها بلاد تسودها الفوضى السياسية والاقتصادية مما يشكل مرتعًا خصبًا للأفكار اليسارية كرد فعل طبيعي للهيمنة الأمريكية، وما كانت الثورة الكوبية والساندينية في نيكاراغوا إلا صورة لرد الفعل هذا وكذلك ما رأيناه من وصول حزب شيوعي لأول مرة في التاريخ لحكم بلد مثل تشيلي أيام سلفادور اليندي الذي أطاح به انقلاب عسكري أمريكي بقيادة بينوتشي الحاكم الحالي.. وقد نجحت الأفكار اليسارية باستقطاب عدد لا بأس به من المتطرفين وذوي الثقافات المحدودة، إلا أنها كانت تصطدم دائمًا بالقبضة الحديدية للولايات المتحدة تساعدها في ذلك الكنيسة الكاثوليكية، وهذا ما حدا بالكثير من أهل الفكر للبحث عن بدائل أيدلوجية جديدة أو اعتزال الحياة السياسية والانصراف إلى اهتمامات رياضية أو فنية أو غيرها.

وقد تنبهت الكنيسة في الفترة الأخيرة إلى انصراف الجماهير عنها، فأخذت تحاول اللحاق بركب هذه التيارات السياسية الشعبية بالانضمام إليها تارة «كما حدث في السلفادور» أو مساندة البعض الآخر أو التوسط بينها وبين الحكومات القائمة، كما طلبت من البابا زيارة هذه المناطق لإثبات قوة الكنيسة وفاعليتها. ويعتقد بأنها محاولات يائسة من الكنيسة لإنقاذ ماء الوجه أمام هذه الشعوب إذ كانت دومًا عونًا للحكام عليهم، فإذا ما عادت الأمور إلى وضعها الطبيعي فلن يكون مصير الكنيسة بأحسن مما آلت إليه في إسبانيا والبرتغال.

أما اليهودية فلا تشكل من الناحية العددية وجودًا يذكر، وهي تتركز بصورة رئيسية في الأرجنتين إذ كانت لهم أحلام سابقة بإقامة دولة يهودية في تلك البلاد قبل استقرارها في فلسطين أما من الناحية الاقتصادية فإن اليهود يتحكمون في كثير من مقدرات البلاد بمساعدة الولايات المتحدة وهذا ما تحسه شعوب تلك البلاد ومثقفوها إلا أنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن الوقوف في وجه اليهودية العالمية.

وبالنسبة للإسلام، فلقد كان لاكتشاف أمريكا في نفس العام الذي رحل فيه بنو الأحمر من غرناطة أثر سيئ على المسلمين الذين وصلوا إلى هذه البلاد في السنين اللاحقة، إذ حملت الكنيسة معها كل أحقادها وكراهيتها للإسلام إلى البلاد الجديدة وعاملتهم بروح محاكم التفتيش فأجبرت سكان البلاد الأصليين على الدخول في الكاثوليكية وبثت كل ما هو سيبئ عن الإسلام والمسلمين. 

وقد بدأت هجرة المسلمين إلى هذه البلاد منذ منتصف الثامن عشر الميلادي بحكم الضغط الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وخاصة سورية ولبنان وفلسطين، حيث هاجرت اليد العاملة كسبًا للرزق والعودة إلى بلادها، وكانت الهجرات الأولى تتميز بكونها عناصر شابة غير مثقفة عمومًا وأمية أحيانًا تعتمد على العمل اليدوي والتجارة المتنقلة ولم تكن يومًا لتفكر بالاستقرار هناك، مما أدى إلى عدم اعتنائهم بإقامة المراكز الدينية والتربوية العربية.. ثم لحقتهم هجرات أخرى في بداية هذا القرن كان لها حظ أوفر من الثقافة العربية وكان بينهم الكثير ممن يدين بالمسيحية أصلًا فكان لهم مراكز الريادة على الجالية المسلمة العربية في تلك البلاد. 

ومع الزمن استقرت الجالية العربية والمسلمة في مناطق متعددة من أمريكا اللاتينية متخذة من البرازيل والأرجنتين منطلقًا وتجمعًا، ثم ما لبث أفرادها أن اندمجوا بالمجتمع الجديد وتباعدت بينهم المسافات وفقدت الصلة مع الكثير منهم. 

والجالية المسلمة اليوم لا تحصيها تقديرات علمية وكل ما يقال أن هناك قرابة ١٥ مليون مسلم في تلك البلاد انقرض الجيل الأول منهم ثم تلاه الجيل الثاني الذي كان أوفر حظًا من الناحية الاقتصادية والثقافية ولكنه أقل ارتباطًا بالإسلام والعربية ثم الجيل الثالث الذي لا يعرف من العربية والإسلام إلا النزر اليسير، ويتخذ انتماءه العرقي أو الديني أداة تجمع عاطفي تقليدًا لما للجاليات الأخرى من مراكز ثقافية ورياضية وغيرها.

واليوم وبحكم الأوضاع الثقافية والسياسية التي أسلفنا عنها برزت لدى الشباب المسلم روح جديدة تشده إلى أصوله الحضارية وتبعث فيه الهمة للبحث عن هويته الحقيقية التي طمست أو تكاد... وأصبح الناس يتطلعون لمن يثقفهم في أمور دينهم ويعرفهم بالإسلام ويساعدهم على ممارسته.. هذا التطلع له مخاطر وأمامه عقبات وله آفاق إذا ما وضعت قيد الاعتبارات الواقعية واستثمرت لصالح تأسيس هذه الدعوة فإن المستقبل مشرق إن شاء الله.

أ - المخاطر:

1 - الحماس والعاطفة: هذان العنصران هما القاعدة الوحيدة التي يقوم عليها العمل للإسلام بين الجالية، ومخاطرة توجيه الطاقة للأمور الثانوية والبدع والخرافات كالاعتناء ببناء القبور والنوادي على الطريقة الغربية واعتبار الغناء والفرق الفنية بكل أشكالها جزءا من حياة المسلم والمجتمع الإسلامي، بل إنهم يجمعون أحيانًا وفي ذات المكان بين الصلاة والرقص الشعبي... إلخ. 

2- بالنظر لانعدام الفكرة الإسلامية، فإنهم عرضة للابتزاز الديني والسياسي معا باسم الإسلام، إذ يستطيع أي رجل أو هيئة إدخال أي فكرة باسم الإسلام وجعل المسلمين يتبنونها وهذا ما تفعله بعض السفارات والهيئات المشبوهة.

3 - التشرذم إلى طوائف... فهناك الجمعية الإسلامية الدرزية والعلوية والنصيرية والشيعة والسنية مما يشكل أرضًا خصبة لنقل الخلافات الطائفية إلى الأجيال المتلاحقة.

٤ - الاستغلال السياسي.. فكل سفارة تتبنى طائفة وتحرضها على الأخرى بل وتربطها سياسيًا بتنظيمات بلادها.

من هنا نفرغ إلى القول إن هذه السنين تضع الجالية المسلمة على مفترق طرق فإما أن تجد لها من يرشدها وإما ستكون فريسة للتيارات المتصارعة القادرة على إجهاض الريح الطيبة التي هبت على مسلمي أمريكا الجنوبية ومن ثم ذوبانها إلى الأبد في المجتمع المحيط كما حدث لمسلمي الأندلس.

(ب) العقبات:

1 - عدم معرفة العربية.. وهذا ما يجعل أي كتاب بالإسبانية مصدرًا من مصادر ثقافتهم دون تمحيص.

٢ - عدم وجود الكتب الإسلامية باللغة العربية.. إلا القليل من الترجمات الحديثة الواردة إليها من المركز الإسلامي في إسبانيا وبعض الكتب القليلة الأخرى.

3- عدم وجود موجهين يتقنون اللغة الإسبانية وعلى إطلاع كاف على الإسلام.

٤ - اختلاط المفاهيم الغربية وتحولها إلى جزء من حياتهم اليومية كالاختلاط وغيره. وهذا الوضع يجب أخذه بعين الاعتبار والتدرج فيه حتى لا يصطدم المسلم بحقائق وسلوكيات لم يألفها سابقًا.

5 - انعدام الإحصاءات الرسمية وتوزع المسلمين على المناطق الجغرافية.

٦ - الوضع الاقتصادي السيء ليس من بين المسلمين فقط بل بين عامة الشعوب اللاتينية.

الرابط المختصر :