العنوان الجثث مجهولة الهوية في العراق.. مأساة لا نهاية لها
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر الخميس 01-أبريل-2021
مشاهدات 63
نشر في العدد 2154
نشر في الصفحة 36
الخميس 01-أبريل-2021
حالة العالم الإسلامي
- ظاهرة تصفية الأشخاص وقتلهم على الهوية عادت بذريعة محاربة «داعش» فتفاقم عدد المفقودين.
- العراقيون يعيشون بين فكي كماشة «داعش» والجماعات المسلحة التي ساهمت في هزيمة التنظيم.
- سياسي عراقي: ما يحدث جريمة منظمة يتم من خلالها قتل الناس وتسجيلهم على أنهم مجهولو الهوية.
ظاهرة الجثث مجهولة الهوية في العراق رافقت احتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003م، ومنذ ذلك التاريخ لا يكاد يمر شهر دون الإعلان عن العثور على جثث لعراقيين قتلوا غدراً، بعضهم قتل بعد تعرضه لأعمال تعذيب قاسية ومن ثم يتم رميهم في أماكن مختلفة، أو دفنهم في مقابر جماعية.
حققت الفترة التي أعقبت تفجير ضريحي علي الهادي، والحسن العسكري، عام 2005م، في مدينة سامراء شمال العاصمة بغداد أرقاماً قياسية في حالات القتل ورمي الجثث في أماكن متفرقة من البلاد وبمعدل يومي يصل إلى نحو 30 جثة تظهر على غالبيتها آثار تعذيب.
وقد شهدت الظاهرة تراجعاً بعد عام 2010م، إثر انحسار نسبي للخطاب الطائفي التحريضي، ووصل معدل الجثث التي تصل إلى الطب العدلي في عموم البلاد إلى نحو 30 جثة شهرياً.
إلا أن دخول «تنظيم الدولة» (داعش) إلى المشهد العراقي أدى إلى خلط الأوراق على الساحة السياسية والاجتماعية، وأدى عجز المؤسسة العسكرية الرسمية عن الدفاع عن محافظات البلاد المختلفة، واحتلال التنظيم لثلث مساحة العراق، إلى دخول تنظيمات عسكرية غير نظامية على خط المواجهة، بدعوى تحرير البلاد من احتلال «داعش».
هذا التطور الخطير وضع المدنيين العراقيين بين فكي كماشة «داعش» والجماعات المسلحة التي ساهمت في هزيمة التنظيم؛ فالأول أقدم على تصفية كل من عارض وجوده وحكمه بالقول أو العمل، وطارد من ثبت له أو شك بأنه عمل في أي مؤسسة من مؤسسات ودوائر الحكم القائم، وتحت هذه الذريعة تم تصفية عشرات آلاف الأشخاص، دفن معظمهم في مقابر جماعية.
من جهتها، عمدت الجماعات المسلحة بعد التحرير إلى تصفية كل من ثبت عمله أو تعاونه مع «تنظيم الدولة» خلال سنوات حكمه الممتدة بين عامي 2014 و2017م، خارج سلطة القانون ودون محاكمات أصولية، ومن ثم استخدم الانتساب لـ«داعش» ذريعة لتصفية الحسابات السياسية.
إحياء الخطاب الطائفي
وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يعد العراق من البلدان التي تضم أكبر عدد من الأشخاص المفقودين بالعالم، إذ تقدّر اللجنة الدولية للمفقودين، التي تعمل بالشراكة مع الحكومة العراقية للمساعدة في استرداد المفقودين وتحديدهم، أن العدد قد يتراوح منذ عام 2016 إلى 2020م بين 250 ألفاً ومليون شخص.
وبذريعة محاربة «داعش» ومكافحة الإرهاب، تم إحياء النفَس والخطاب الطائفيين في البلاد، فعادت ظاهرة تصفية الأشخاص وقتلهم على الهوية، الأمر الذي فاقم من عدد المغيبين والمفقودين، بحسب الناشط الحقوقي زياد اللهيبي الذي قال، في حديثه لـ«المجتمع»: مناطق التماس الطائفي مثل حزام بغداد، ومحافظة ديالي شرقي العراق، بالإضافة إلى المدن الشمالية والغربية المحررة، شهدت ظهور فصائل مسلحة خارج إطار القانون، تمارس على الأرض أنشطة عسكرية واقتصادية في آن معاً.
واستدرك اللهيبي: جزء من نشاط هذه الفصائل تابع ممن تثار حولهم شبهة الانتماء أو التعاون مع عصابات «داعش» خلال مرحلة سيطرتهم وحكمهم، ويمكن أن يتعرض الأشخاص المشتبه بهم للتصفية أثناء أو بعد التحقيق معهم، وقد يضطر بعضهم للاعتراف بأمور غير حقيقية للخلاص من التعذيب، ولأن القتل يتم خارج إطار القانون، يكون السبيل الوحيد للتخلص من الجثث هو دفنها في مقابر جماعية سرعان ما تكتشف لاحقاً.
وتابع الناشط الحقوقي العراقي: الاحتجاجات الشبابية التي اندلعت في المحافظات الجنوبية، التي جاءت للاحتجاج على تفشي الفساد في البلاد، وطالبت بتنحي النخبة السياسية الحاكمة، كانت سبباً كذلك في عودة ظاهرة الاختطاف والقتل والجثث المجهولة، ولا يزال مصير المئات من الشباب الناشطين الذين اختطفوا منذ أكتوبر 2019م مجهولاً.
جثث مجهولة الهوية
الإعلان عن اكتشاف جثث مجهولة الهوية، ودفنها من قبل السلطات العراقية، رافق العام الجاري منذ بدايته، حيث أعلنت وسائل إعلام عراقية، في يناير الماضي، أن السلطات الصحية في البلاد دفنت نحو 500 جثة مجهولة الهوية خلال عام 2020م، في ظروف غامضة دون الكشف عن مكان العثور على تلك الجثث، أو ملابسات وهوية الضحايا، وهو ما أثار جدلاً حاداً في البلاد، على خلفية تعهدات سابقة لحكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لذوي المختطفين باعتماد برنامج أفضل في التعرف إلى هوية الضحايا وإجراء فحص «دي إن أي»، كما تعهدت الحكومة بأن تعلن عن أسماء وملابسات قتل ضحايا العمليات الإرهابية، ما يوجه أصابع الاتهام مجدداً نحو تورط الجماعات المسلحة بمسلسل العنف المستمر في البلاد.
وفي ذات السياق، كشف تحقيق تلفزيوني عرضه تلفزيون محلي عراقي الشهر الماضي، أن دائرة الطب العدلي التابعة لوزارة الصحة العراقية قامت بدفن 491 جثة مجهولة الهوية، على شكل 9 دفعات متفرقة زمنياً وفي عدة مقابر، وبحسب التحقيق فإن الضحايا عثر عليهم في مناطق نائية وبساتين وأماكن متفرقة، وتمت تصفيتهم بطرق مختلفة.
المحامي ياسر الحيالي، عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق، كشف لـ«المجتمع» أن عدد المقابر الجماعية في عموم العراق للفترة من عام 2014 وحتى 2017م، وهي فترة سيطرة تنظيم «داعش» على عدد من المحافظات العراقية يقدر بـ112 مقبرة، فتح منها 29 حتى الآن.
وأضاف الحيالي أن مجمل عدد الرفات المرفوعة من هذه المقابر بلغ 6393، وهناك الكثير من المواقع غير المكتشفة، حيث تعمل فرق المقابر الجماعية بالتنسيق مع دائرة الطب العدلي بوزارة الصحة، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، للتنقيب في مختلف المواقع للكشف عن مصير المفقودين نتيجة الحروب والإرهاب.
وعن آلية التعرف على أصحاب الرفات الذين يعثر عليهم في هذه المقابر، قال المحامي العراقي: وفقاً للقانون رقم (89) المعمول به لدى السلطات الصحية، يتم تكليف دوائر البلدية وبالتنسيق مع وزارة الداخلية بدفن الجثث بعد مضي 3 أشهر على وجودها في دائرة الطب العدلي، على أن تأخذ مواصفات وتفاصيل كاملة عن الضحية، بما في ذلك تحليل الحمض النووي (دي إن أي) لكي تحفظ لدى وزارة الداخلية، ولغرض تسهيل عملية التعرف على هوياتهم لاحقاً، من خلال مطابقة التحليلات مع ذوي المفقودين.
أما رئيس حزب «الخيار العربي» عبدالكريم عبطان فاعتبر، في تصريح صحفي، هذه الظاهرة جريمة منظمة يتم من خلالها قتل الناس وتسجيلهم على أنهم مجهولو الهوية.
وأضاف عبطان: هذا الموضوع من أخطر القضايا في المرحلة الحالية؛ لأنه يذهب بنا لإثارة شكوك بشأن المغيبين والمختطفين، مطالباً الحكومة العراقية بالتحقيق في الأمر، لتجنيب البلاد شبح العودة إلى مربع العنف الطائفي.
ويأمل مراقبون أن تؤدي الضغوط التي تمارسها المنظمات الدولية والأممية على الحكومة العراقية، للدفع نحو الكشف عمن يقف وراء الظاهرة، لأنهم يعتقدون أن ملف المختطفين والمخفيين قسراً الذين يتم تصفية العديد منهم، ليس مجرّد ملف حقوقي وقضائي وأمني، بل هو أيضاً ملف سياسي، تقف وراء استمراره قوى ضاغطة على السلطة بهدف حماية شخصيات وفصائل مسلحة متهمة بالتورط في جرائم على صلة بذات الملف، وعدم إخضاعها للمحاسبة والعقاب.>
المقابر الجماعية للأسرى الكويتيين
في ذات السياق، تتعاون الحكومتان الكويتية والعراقية للوصول إلى تحديد مصير المدنيين الكويتيين المختطفين أثناء غزو «صدام» الغاشم لدولة الكويت، بعد أن تعززت العلاقات بين البلدين في الأعوام الماضية، إذ استضافت دولة الكويت مؤتمراً دولياً لإعمار العراق عام 2018م، كما زار الرئيس العراقي برهم صالح الكويت، في نوفمبر الماضي، واعتبرت هذه الزيارة إشارة إيجابية على أن العراق سيسعى إلى مضاعفة جهوده للعثور على رفات المفقودين.
وكان مجلس الأمن الدولي رحب، بجلسته المنعقدة في 24 نوفمبر 2020م، بالتعاون بين الكويت والعراق بخصوص هذا الملف، وأثنى المجلس، في بيان صادر بإجماع أعضائه الــ15، على اللجنة الدولية للصليب الأحمر والآلية الثلاثية، لدورهما في تنفيذ القرار (2107)، الذي ينص على حل القضايا العالقة المتعلقة بالمفقودين الكويتيين ورعايا البلدين.
وقضى القرار (2107) الصادر عام 2013م، بإخراج العراق من طائلة «الفصل السابع» لميثاق الأمم المتحدة، الذي فرض عليه في إطار العقوبات الدولية بعد غزوه للكويت، ودعا الحكومة العراقية إلى مواصلة جهودها للتعامل مع الملفات العالقة مع الكويت، ومن ضمنها تلك المتعلقة بالمفقودين الكويتيين والتعويضات.
وشكلت اللجنة الثلاثية؛ ولجنتها الفنية الفرعية عامي 1991 و1994م على التوالي للمساعدة على الكشف عن مصير المفقودين، وتترأس اللجنتين اللجنةُ الدولية للصليب الأحمر.