العنوان الجدل حول الدولة الواحدة في فلسطين يفضح أسطورة اليسار الصهيوني
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012
مشاهدات 50
نشر في العدد 1989
نشر في الصفحة 34
الجمعة 17-فبراير-2012
·
اليمين الصهيوني يعيد التفكير في مواقفه التاريخية.. واليسار لا يزال
منشغلاً بالفصل العنصري وبناء الجدار العازل.
·
البعض من اليمين وحتى في أوساط المستوطنين يُظهرون بعض القبول لفكرة
تقاسم الدولة مع الفلسطينيين.. واليسار يعارض بشدة.
·
انفصال الفلسطينيين لا يعني فقط التخلي عن أحلام «إسرائيل الكبرى»..
ولكن جعل غزة «المقاومة» نموذجًا ومثلًا للضفة الغربية.
جدل محتدم
يشمل التيارات السياسية الرئيسة في «إسرائيل»، بعد أن كان من المحرمات أو «التابوهات»
التي لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها في الماضي، وحتى وقت قريب: إقامة دولة
واحدة لشعبين لإيجاد حل للصراع دولة واحدة لليهود والفلسطينيين، يعيش فيها الجميع
مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، والمثير للدهشة أن هذه الدعوة لمثل هذا الحل
تجد لها صدى أكبر وأعمق عند اليمين السياسي الصهيوني.
هذه المناقشة
التي تتحدى العقيدة الحالية لإقامة الدولتين تفجر وبسرعة هائلة المفاهيم التقليدية
حول اليمين واليسار الصهيوني التقليدي.
والواقع أن
معظم المراقبين -بما في ذلك سلسلة من مسؤولي الإدارات الأمريكية-يفترضون أن صناع
السلام والمطالبين به في «إسرائيل» لا يمكن إلا أن يكونوا على وجه الحصر من اليسار
الصهيوني، مع افتراضهم رفض اليمين الصهيوني الدائم والجازم للحقوق الفلسطينية.
وتماشيًا مع
هذا الافتراض، حاول الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، حتى وقت قريب تهميش رئيس
الوزراء الصهيوني اليميني «بنيامين نتنياهو»، ودعم بدلًا منه «إيهود باراك» وزير
الدفاع من حزب «العمل» اليساري، وزعيمة المعارضة «تسيبي ليفني» من حزب «كاديما».
ولكن الأمر،
كما يلاحظ اليمين في كثير من الأحيان، أن من يفترض أن القوى «المؤيدة للسلام» هي
من اليسار والوسط فحسب فهو مخطئ، لأن هذه الأطراف لديها سجلات طويلة ومخزية حين
كانت في السلطة بعدم الدفع إلى إقامة دولة فلسطينية، حتى في عملية «أوسلو» ذاتها..
وعلى سبيل المثال، نما عدد المستوطنين كما يزعم اليمين بحق بشكل أسرع خلال مدة
رئاسة الوزراء القصيرة له إيهود باراك قبل عقد من الزمن.
والجديد الذي
تبديه قوى اليمين لمناقشة الدولة الواحدة لشعبين هو أن البعض من اليمين -وحتى في
أوساط المستوطنين- يظهرون بعض القبول الآن لفكرة تقاسم الدولة مع الفلسطينيين، أما
قوى اليسار فلا تزال تعارض بشدة مثل هذه النتيجة.
فقد صرح يوسي
بيلين في ملحق لصحيفة «هاآرتس» الليبرالية الأكثر اهتمامًا بهذه القضية، ويوسي بيلين
نفسه من القادة السابقين لحزب «ميريتس» اليساري المتطرف و مهندس «أوسلو»، تحدث
لليسار الصهيوني قائلًا: إن حل الدولة الواحدة للشعبين الفلسطيني واليهودي «كلام
فارغ»، وأضاف باشمئزاز: «إنني لست معنيًا ولا مهتمًا بالحياة في دولة غير يهودية».
اليسار لا
يزال يتمسك بحزم بهدف استراتيجي كان «باراك» قد تبناه في محادثات «كامب ديفيد»
الفاشلة في عام ٢٠٠٠م، وهذا الهدف يتمثل في ضم معظم المستوطنات في الضفة الغربية
وكل القدس الشرقية إلى «إسرائيل»، وهناك إجماع للآراء في اليسار أن الجدار الفاصل
هو من بنات أفكار «باراك»، وفي الجدار ضمان بقاء نصف مليون مستوطن تقريبًا في
الوقت الذي يحشر أغلب السكان الفلسطينيين الغاضبين في سلسلة من المعازل «الجيتوهات»
الفقيرة التي تسمى كذبًا وزورًا دولة فلسطينية، والغرض من هذا الفصل كما يقول
اليسار، هو حماية يهودية «إسرائيل» من تعدي الأغلبية الفلسطينية إذا لم يتم تقسيم
الأراضي.
فشل أخلاقي
عند اليسار
لقد لخصت «تسيبي
هو توفلي»، وهي مشرعة وقانونية كبيرة من حزب «الليكود» كانت قد أعلنت مؤخرًا عن
دعمها لإقامة دولة واحدة لخصت مشكلة الحل عند اليسار قائلة: «هناك فشل أخلاقي عند
اليسار الذي يقدم الحل الذي يديم الصراع، ويحولنا من محتلين إلى جزارين، ونقولها
بصراحة: «إن اليسار الذي جعلنا الأمة الأكثر قسوة يعرض الآن أمننا للخطر».
لقد بدأ
اليمين يفهم أن الإنفصال لا يعني فقط التخلي عن أحلام «إسرائيل الكبرى»، ولكن جعل
غزة «المقاومة» هي النموذج والمثل للضفة الغربية، إستبعاد ومحاصرة الفلسطينيين سوف
يحتاج إلى ضربات «إجهاض وتهدئة» من خلال الإعتداءات العسكرية العادية مثلما وقع
على قطاع غزة في شتاء ۲۰۰۸م، وجلب الخزي والعار الدولي على «إسرائيل». وبعض
اليمينيين الآن يعتقدون أن «إسرائيل» لن تتمكن من البقاء على قيد الحياة فترة
طويلة بسبب الغضب الدولي الذي تجره مثل تلك الاعتداءات على «إسرائيل».
ولكن إذا كان
اليمين قد بدأ يعيد التفكير في مواقفه التاريخية، فإن اليسار ما زال منشغلًا في
قضاياه القديمة التقليدية مثل قضايا الفصل العنصري وبناء الجدار.
وكان منظرو ما
قبل قيام الدولة الصهيونية من اليساريين يدافعون عن الفصل العنصري تحت شعارات «العمل
العبري»، و«خلاص الأرض»، وبعد ذلك اعتمدوا سياسة التهجير القسرى! ومؤسسو حزب
«العمل» في الدولة اليهودية هم الذين نفذوا عمليات طرد الفلسطينيين بالجملة تحت
غطاء حرب عام ١٩٤٨م.
الكأس لم تعد
مقدسة
ولا يعتبر
اليمين أن إنشاء دولة «يهودية نقية»، كأس مقدسة ففي وقت مبكر، قبل اليمينُ نفسُه،
ودعا إلى تقاسم الأرض، وحتى «الجدار الحديدي» هو فكر وعقيدة «فلاديمير جابوتنسكي»،
الذي هو الأب الفكري لحزب «الليكود»، وقد ابتُكر كبديل السياسات العزل والطرد التي
تبناها حزب «العمل» الصهيوني فقد توقع العيش مع الفلسطينيين، لكنه فضل الخضوع
الكامل من الفلسطينيين من خلال جدار حديدي معنوي قوي.
وقد تصارع
خلفاء «جابوتنسكي» مع المعضلات نفسها، فمعظم اليمين مثل «نتنياهو» ما زالوا يؤمنون
أن «إسرائيل»، يجب أن تتوسع وتعمل على السيطرة «الإسرائيلية» الكاملة على
الفلسطينيين عن طريق شراء ولائهم من خلال تقليل نقاط التفتيش وقليل من الحوافز
الاقتصادية، لكن عدداً متزايداً من قادة حزب «الليكود» يعترف بأن الفلسطينيين لن
يقبلوا هذا النموذج من نظام الفصل العنصري إلى الأبد.
و «موشيه
أرينز»، وهو وزير دفاع سابق ومفكر ومرشد ليكودي بارز، كتب مؤخرًا أن فكرة منح
الجنسية لعدد كبير من الفلسطينيين تحت الاحتلال «تستحق دراسة جدية» واعترف «روفين
ريفلين»، رئيس البرلمان، «أن أهون الشرور هو دولة واحدة توجد فيها المساواة في
الحقوق بين جميع المواطنين».
لا ينبغي لنا
أن نبالغ في الحديث عن تحول «الليكود» الفكري! إنهم لا يتحدثون عن «دولة الجميع
مواطنيها».. وهذا ما تطالب به مجموعة صغيرة من يهود «إسرائيل» غير الصهاينة،
فمعظمهم يطالب الفلسطينيين بالموافقة على الحياة في دولة يهيمن عليها اليهود.. فـــ
«أرينز» -على سبيل المثال- يرغب في طرد مليون ونصف المليون من الفلسطينيين من قطاع
غزة وحرمانهم من المواطنة لتتمكن الأغلبية اليهودية من العيش في سلام لبضعة عقود،
ولا يبدو أن يمينيًا واحدًا يفكر في الاعتراف بحق العودة لملايين اللاجئين
الفلسطينيين، وجميعهم تقريبًا يتوقع أن تكون المواطنة مشروطة بالولاء من قبل
الفلسطينيين للدولة اليهودية التي تعاني فيها الأقلية الفلسطينية الحالية من الظلم
والعنصرية.
ومع ذلك، فإن
اليمين يبدو أنه أكثر استعداداً لإعادة تحديد وإعادة التفكير في نماذجه ومسلماته
من اليسار الصهيوني.. وفي النهاية فإن هذا قد يحيّر ويُربك واشنطن عن طريق إثبات
أنه أي اليمين الصهيوني، أكثر قدرة على صنع السلام من مهندسي «أوسلو»!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل