العنوان الجذور الثقافية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه العرب والمسلمين
الكاتب د. مأمون فندي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996
مشاهدات 66
نشر في العدد 1213
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 20-أغسطس-1996
رأي
● الثقافة الأمريكية قائمة على العنصرية، ولما بدأ السود يحصلون على بعض حقوقهم ومنها عدم وصفهم بأنهم زنوج بدأت العنصرية تتحول إلى العرب والمسلمين بدعم إعلامي سياسي.
● النخبة الحاكمة في أمريكا تسعى للهروب من الشر الداخلي في المجتمع الأمريكي بتسليط الضوء على الخارج ووصف المسلمين بالإرهاب.
السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي موضوع يعاني كثيرًا من التعميمات دونما أية محاولة لفهم العوامل الرئيسية التي تتداخل مع بعضها البعض كي يكون الناتج بما هو عليه: نبرة عداء عالية للعالمين: العربي والإسلامي.. فكون العداء هذا غير عقلاني لدرجة أنه قد يضر بمصالح أمريكا ذاتها، ومع هذا فهو مستمر، السؤال إذن هو: لماذا هذا العداء لكل ما هو إسلامي وعربي رغم قصر التجربة الأمريكية مقارنة بأوروبا والعالم القديم، في تعاملها مع العالم العربي- الإسلامي؟
بالطبع هناك عوامل عدة تصب في إطار واحد يمكنها تفسير هذه الظاهرة، بعض العوامل يندرج تحت مسميات عدة، لكنني في هذا المقال سأركز على جانب واحد وهو الجذور الثقافية لهذا العداء، بمعنى البحث في مكونات الثقافة الأمريكية من أجل محاولة الفهم، وأعني بالثقافة الأمريكية التجربة الإنسانية للمجتمع الأمريكي ومجموعة الرموز الحضارية فيه، وكذلك التناقضات الداخلية وصراع تلك الرموز في الداخل الثقافي الأمريكي، وينصب النقاش هنا على مجموعة عوامل أساسية تشغل بال النخبة الحاكمة في أمريكا.. بعض هذه العوامل يخص أمريكاMicro أو واشنطن على مستوى ثقافة النخبة الصغيرة Uacro الثقافي الأكبر.
العنصرية ودورها في المكون الثقافي:
هناك ارتباط وثيق بين تجربة الجنوب الأمريكي العنصرية المعادية للسود تاريخيًّا وتطور النظرة الأمريكية الحديثة تجاه الأقلية الأمريكية من أصل إفريقي «السود» والعداء الأمريكي للعرب، وخصوصًا في ذهنية النخبة الجنوبية مثل الرئيس بيل كلينتون المولود في ولاية «أركنساس» والتي هي حتى الآن ولاية لا يزال يمارس فيها البيض عنصريتهم بشكل ربما غير واضح ولكن مفهوم، فعلى سبيل المثال تجد أن المطاعم الخاصة بالبيض في مدينة فيتفيل بولاية «أركنساس» هي بمثابة أندية لا يأكل فيها إلا الأعضاء، وبالتالي من ليس عضوًا لا يدخل هذا المكان، ولا يقبل صاحب النادي هذا عضوية رجل أو امرأة سوداء، ولكن بما أن هذا ناد خاص فمن حق صاحبه أن يحدد من يدخله، وبذلك تمارس التفرقة العنصرية الآن، وفي نهاية القرن العشرين في ولاية أركنساس بشكل قانوني، ومع ذلك كيف تربط بين هذا المكون الثقافي في عالم الرئيس الأمريكي واحتقاره للعرب والمسلمين؟
يمكننا ذلك إذا ما أدركنا مكونين أساسيين في هذه المعادلة: الأول هو أنه على مستوى الثقافة الأمريكية الكبرى هناك تيار جامح يدعو إلى المساواة الحضارية، ويتطرق ذلك حتى إلى موضوع اللغة أو الطريقة التي يتحدث بها أمريكي عن أمريكي آخر، فلم يعد مقبولًا في الأوساط المثقفة أن تستخدم كلمة «أسود» أو «زنجي» للإشارة إلى فرد أسود، فالتعبير المقبول الآن هو «أمريكي من أصل إفريقي»، هذا التيار الثقافي يسمى به «الكلام المقبول سياسيًّا»، ولكن التغير في اللغة لا يعني التغير في الفكر، فالعداء للسود قائم، والعنصرية قائمة، ولكن بما أن ظهور هذا العداء على مستوى اللغة في مجتمعات النخبة الأمريكية غير مقبول اجتماعيًّا، فلا بد من البحث عن أسود آخر تفرغ فيه النخبة الأمريكية عنصريتها دونما وساطة اجتماعية تذكر، وفي ظل هذا البحث وفي تلك اللحظة التاريخية جاء اللون العربي المائل إلى السمرة، كي يكون بديلًا للأسود، ومع ذلك فلم يكن اللون مقنعًا جدًا بالنسبة للأمريكي العادي، وكان لابد من رسم صورة أفضل يظهر فيها العربي على أنه بديل مناسب يمكن أن يصب فيه الرجل الأبيض عنصريته.
وكان اعتناق عدد كبير من السود للإسلام إضافة جديدة لهذه الصورة تعطيها كثيرًا من التماسك، فجاءت في أدبيات البيض عن حركة أمة الإسلام مقولات تصور للأمريكي العادي أن العنصر الثوري في حركة السود أو الراديكالية ليست صفة عنصرية أو سوداء، ولكنها صفة عقيدة، فالسود المسلمون كـ «مالكولم إكس» أكثر عداوة للبيض من السود المسيحيين المسالمين تحت قيادة «مارتن لوثر كنج»، إذن العنف الثوري الأسود عنف إسلامي، ويتناسى هؤلاء المنظرون طبعًا قيادات راديكالية في الحركة السوداء مثل ماركوس جارفي وهو أول قائد للحركة الراديكالية السوداء، والذي لم يكن مسلمًا، ولكن التركيز على هذه النقطة وبشكل إعلامي جعل حتى الكثيرين من السود أنفسهم يصدقون أن إخوانهم من السود المسلمين هم السبب، ثم جاءت النقلة التاريخية في حركة «أمة الإسلام» لتعطي للسيد لويس فرخان قيادة الحركة، ويستعرض قوته التي أرهبت الكثيرين من البيض في ما يسمى به «مسيرة المليون رجل» ورغم محاولة الإعلام التركيز على بناء صورة لعدو بعيد مشابه، فيه عناصر كافية تبرر للأمريكي الأبيض نقل عنصريته تجاه إنسان آخر بعيد، إلا أن هذه الصورة لم تتماسك بشكل واضح.
عداء الساميين ومحاولة أخرى من أجل خلق عدو خارجي:
كما أن الرجل الأبيض ينظر باحتقار للإنسان الأسود، ويبرر عنفه تجاهه من خلال منظومة ثقافية، والتي معها كان يقتل البيض إخوانهم السود، ويعلقونهم في الأشجار في حفل عنف جماعي، وكانوا يبررون ذلك لأنفسهم من خلال فهمهم لكتابهم المقدس، فاللون الأسود بالنسبة لمسيحي الجنوب هو لون الشيطان، ويكون بذلك قتل الرجل الأسود شيئًا لا يدعو للإحساس بالذنب، كذلك كانت رؤية المسيحي الأمريكي لليهود، فما زال الكثيرون من الأمريكيين يرددون عبارات أن اليهود هم «قتلة المسيح»، كذلك هم «مجموعة قبلية» يهتمون بأنفسهم فقط كذلك يرى الأمريكي المسيحي اليهود على أنهم قوم يحبون المال، ويتآمرون على العالم، تلك الرؤية الثانية كانت أساسية في إبادة هتلر لعدد كبير من اليهود، كان للنازية فروع في أمريكا وكذلك كانت مكونًا أساسيًّا في ثقافة مجتمع ما قبل الحرب العالمية الثانية، ثم بدأت هذه الصورة تتغير بعد معرفة الصفوة الأمريكية فظاعة ما حدث في أوروبا، وقضية هتلر هذه مهمة في إطار الحديث عن العنصرية البيضاء، لأن صورة هتلر كما قبلها العالم- وخصوصًا أساتذة السياسة والسيكولوجية السياسية- خطيرة جدًّا من حيث مدلولاتها، فالفهم السائد لها هو أنها نتيجة طبيعية للأيدلوجية النازية، وبذلك تكون شخصية.
هتلر هي شخصية منحرفة، وهي نمط من أنماط الشخصية التسلطية، هذا الفهم هو فهم أوروبي أمريكي بحت، أما الفهم العالمي للنازية فيسمح لنا بفهم هذا النوع من العنف ضد البشرية
«والذي تعامل مع Aime Cesaire بشكل أوسع، وهذا ما طرحة الكاتب الكاريبي إيمي سيزار» الظاهرة على أنها جزء من البربرية الغربية، يقول سيزار:
«إنها البربرية بعينها، ولكن قبل أن يكونوا ضحيتها كانوا مؤيديها، لقد تسامحوا مع النازية قبل أن تصيبهم ولم يعتبروها ذنبًا، أغمضوا أعينهم عنها، وجعلوها مشروعة، لأنه وحتى تلك الفترة كانت تمارس ضد أناس من أصول غير أوروبية، وبما أنهم زرعوا النازية فهم مسؤولون عنها»[2].
ويضيف الكاتب: «إن الرؤية الأوروبية لهتلر لم تكن كجريمة في حد ذاتها، أو جريمة ضد البشرية واحتقار للإنسان وآدميته، بل رأوها على أنها جريمة ضد الإنسان الأبيض، إن ما أزعجهم هو كون هتلر مارس ضدهم نفس السياسات الاستعمارية التي خصصها الأوروبيون لمواطني المستعمرات كالعرب في الجزائر، والهنود، والسود في إفريقيا»[3].
وحتى يتخلى «الأورو أمريكي» عن رؤيته لهتلر كشخصية منحرفة، ويراها في إطارها الصحيح وهو العنف الأوروبي ضد الآخر، سواء في المستعمرات أو في أوروبا ذاتها، تبقى النازية ظاهرة عنصرية لا تخص ألمانيا وحدها وإنما العالم الأبيض بأسره، إن الرؤية الحقيقية لعنف هتلر هي أننا نراها كجزء لا يتجزأ من سياسات أورو أمريكية بيضاء ضد الآخر المختلف، سواء أكان ذلك في أوروبا أم في خارجها.
ولكن لم يعن ذلك نهاية العداء للساميين في أمريكا، فما زال وحتى الآن هناك صورة «اليهودي المادي المتآمرة» في الذهنية الشعبية، ولكن مثل ذلك مثل قصة «السود» الذين تحولوا من خلال حركة «الكلام المقبول سياسيا» إلى «أمريكيين من أصل إفريقي» كذلك أصبح من غير المقبول الحديث عن اليهود بهذه الصورة، ولكن ما علاقة ذلك بالعداء للعرب؟ هل المفروض أن يتحول العداء لليهود في أمريكا عكسيًّا للعرب والمسلمين؟
الحقيقة هي أنه وخصوصًا بعد المقاطعة البترولية في عام ١٩٧٣م بدأ الإعلام الأمريكي يطرح العربي كبديل لليهودي، فهو المسيطر على الأموال، وهو شيخ البترول الغني، وساهم الكثير من اليهود في خلق هذه الصورة بدافعين: أحدهما الارتباط الكلي بإسرائيل، والثاني محاولة طرح بديل يسقط عليه الأمريكي عداءه للسامية، وبذلك بدأ مصورو الكاريكاتير يرسمون صورة الثري العربي ذي الأنف المقوس قريبة الشبه من صورة اليهودي السابقة، كذلك أسهم كثير من كتاب اليهود في الحديث عن العرب عن أنهم أبناء عمومتهم، ولم يكن الهدف من هذا الحديث هو السلام بقدر توصيل صورة للأمريكي الأبيض المسيحي مفادها «أنك لو أسقطت عداك على هؤلاء فإنك لن تبتعد كثيرًا» فهم ساميون أيضا، كذلك هم، وليس نحن، المسيطرون على أموال العالم والمتآمرون.
لذلك نجد أنه وعندما ظهرت فضيحة بنك الاعتماد والتجارة الـ B.C.C.I جاء الهلال كخلفية لأية صورة تليفزيونية أو خبر عن هذا البنك، وهي محاولة للربط في ذهن القارئ بين الإسلام والمال والبترول، وكذلك عدم الأمانة، والدارس الظاهرة إحلال صورة العربي المسلم محل صورة اليهودي يجد أن صورة اليهودي تنتزع حرفيًّا من الذاكرة الثقافية الأمريكية ويعاد تركيبها لتصبح مناسبة تمامًا لما يجب أن يتخيله الأمريكي عن العربي المسلم.
باختصار شديد، العربي أسود قليلًا، ومسلم، ففيه مكونات السود المكروهة لدى كثير من الأمريكيين البيض، كذلك هو من الجنس السامي ذي الأنف المقوس والذي يصور على أنه مادي، وبذلك يكون فيه الكثير من صفات اليهود، إذن.. وفي إطار النقلة الثقافية الأمريكية التي تجعل الحديث العنصري عن السود واليهود غير مقبول، يأتي العربي بمثابة الاستجابة لمحاولات العنصريين الباحثين عن بديل لتفريغ هذه الشحنة فيه، والنخبة الأمريكية الحاكمة ليست أكثر اختلافًا عن بقية الشعب، فهم أمريكيون في النهاية، فتجد السيناتور داماتو وكذلك الكثير من المسيحيين المتطرفين مثل جيسي هيلمز الذي يعتبر من ألد أعداء العالم العربي والإسلامي، ومن الداعين لحصاره، كذلك الكثير من النواب اليهود، وكذلك الكتاب الأمريكيين الصهاينة يحاولون التركيز وبشدة على رسم صورة للعربي المسلم على أنه إنسان عنيف، مخادع، لا يؤمن جانبه، ليس من منطلق العداء اليهودي- الإسلامي، أو الإسرائيلي- العربي، ولكن خوفًا من تبعات فك هذه الصورة، إن إعادة تصوير العربي على أنه إنسان محب للسلام، والمسلم على أنه إنسان عادي، يعني أن ترتد المواقف الأمريكية إلى أصلها: عنصرية ضد السود، ومعاداة للسامية موجهة لليهود، إذن لابد من الاستمرار في بقاء هذه الصورة حتى لو حدث سلام بين العرب وإسرائيل، أو المسلمين واليهود، ولا يجب تفريغ هذا القالب الذهني من محتواه لأن تفريغ صورة العرب منه يعني إحلال صورة اليهود والسود كلها مرة ثانية.
التعدد العرقي والقلق النخبوي من مجتمع تزداد فيه سيطرة الأقليات:
هناك توقعات تشير إلى أنه وفي عام ۲۰۲٥م سيكون البيض بمثابة أقلية في خضم بحر من التعدد الإثني في المجتمع الأمريكي، خصوصًا من العرق المسمى «بالهستانك أو القادمون من أمريكا اللاتينية، والذين يشكلون قوة كبيرة في ولايات الغرب الأمريكي»، كذلك تزايد المهاجرين من آسيا، ومن ثم فإن سؤال أو معضلة الزيادة الإثنية غير البيضاء في المجتمع الأمريكي سؤال يبحث عن حل في إطار دولة ديمقراطية تدعي أن المواطنة والاجتماع الفكري من خلال الرؤى السياسية هو الأساس، ولكن الحقيقة هي- كما أشرنا من قبل- أن المجتمع الأمريكي في النهاية محاصر ببنية عرقية، أو إن شئت عنصرية، يصعب الإفلات منها، كما أن رؤية بعض ساستها محكومة بذلك ولو بشكل غير مباشر، هنا أسوق مثالين للتوضيح:
أولهما: مثال ودرو ولسون- الرئيس الأمريكي الأسبق- الداعي إلى حركة الحكم الذاتي في العالم، والثاني: مثال الرئيس جيمي كارتر.
لقد حاول العديد من مثقفي أمريكا، وكذلك بعض مثقفي العالم النامي تصوير رؤية ولسون «ولد ١٨٥٦م - ومات ۱۹۲٤م» للعالم بعد الحرب العالمية الأولى على أنها رؤية ليبرالية، لكن الحقيقة هي أن ولسون الجنوبي «ولد في مدينة ستانتون بولاية فرجينيا» هو الذي قسم واشنطن العاصمة عرقيًّا- مناطق خاصة بالسود وأخرى بالبيض- وبشكل قانوني في إطار ما يعرف بقانون جم كرو، وبذلك كان يرى العالم ككل من خلال منظوره الجنوبي، وهو فصل الأجناس عن بعضها البعض في دول على المستوى العالمي أو في مقاطعات على المستوى الأمريكي، فرؤية ولسون للتشيك والسلوفاك على أنهم دول يحق لهم حكم أنفسهم بأنفسهم هي جزء من رؤيته لواشنطن والتي تؤمن بالعزل العنصري.
وحتى الرئيس الأسبق جيمي كارتر، والذي يوصف على أنه رجل سلام، وبالفعل هو يحاول وبشكل جاد أن يتخلص من عنصرية الرجل الجنوبي كي ينتقل إلى رؤية رجل مسيحي متدين، إلا أن جنوبيته غلبت عليه في حملته الانتخابية عام ١٩٧٦م، حيث قال ذات مرة: إنه يود الحفاظ على «النقاء العرقي» للمناطق الأمريكية[4]، «نقلت تلك المقولة عن طريق الإعلام على أنها تعكس رغبة كارتر في بقاء مناطق البيض كما هي»، رغم أنه حاول إعادة تفسير رؤيته، إلا أن عرض هذه العبارة في الإعلام حرك في الأمريكيين غرائزهم العنصرية، وكان مدهشًا لي شخصيًّا أن يرسل كارتر كمبعوث للتفاوض من أجل السلام في البوسنة، وهو الرجل الذي صك مصطلح «النقاء العرقي»، ورغم كل التكهنات كنت أرى أن كارتر ورؤيته الحقيقية قريبة من رؤي زعماء الصرب، وأن مسعاه ربما لا يؤدي إلا إلى مزيد من العزل العرقي.
وتأكدت وجهة نظري هذه عند مطالعتي للمقالة التي كتبها الأستاذ أحمد منصور من سراييفو على حلقتين في المجمع "10/ 1 و17/ 1/ ١٩٩٥م" عددي (۱۱۳۳، و۱۱۳٤)، والتي وضح فيها ومن خلال مقابلاته مع القادة المسلمين في البوسنة مدى تورط كارتر، سواء بقصد أم بغير قصد في الفخ الصربي حين طلع على العالم بمقولة: «إن الأمريكيين لم يسمعوا إلا الجانب المسلم لما حدث في البوسنة»، إن انحياز كارتر للرؤية الصربية ينم عن أن جنوبيته الأمريكية التي ذكرتها من قبل والتي ترى العالم في إطار «النقاء العرقي» لم تنته بعد، رغم كل محاولات الرجل، وهذه النقطة لا تخص كارتر وحده، فالسياسة الأمريكية العامة الآن تتصف بنفس الصفات.
وليس کارتر وويلسون فقط محكومين بالرؤية العرقية، ولكن الإدارة الجديدة والكونجرس الحالي كذلك يحاصر بهذه الرؤية، فالتشريعات الجديدة التي تجعل اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية في الولايات المتحدة هي بمثابة بداية لنزع مكتسبات الأقليات في المجتمع الأمريكي، ثم جاء بعدها النقاش حول ضرورة «دولة الرفاهية» التي تساعد الأقليات من خلال سياسات اجتماعية تهدف إلى رفع مستوى معيشتهم، ويميل عدد كبير من الأمريكيين البيض لإنهاء هذه السياسة، وهذه ضربة أخرى للأقليات ومستقبلهم في المجتمع الأمريكي.
إذن النقطة الأساسية هنا هي أن السؤال العرقي في أمريكا مقلق جدًا للنخبة البيضاء الحاكمة، وبما أن السؤال غير محلول داخليًّا فلا بد من التعامل معه خارجيًّا عن طريق الإسقاطات الأخلاقية، فلسان حال تلك الأزمة يحاول القول: «إن الشر ليس في داخلنا، ولكنه خارجي»، هذه الرؤية هي التي تحكم إصرار الإعلام الأمريكي المستمر على تصوير العربي المسلم على أنه «غير الأخلاقي الشرير»، ومع ذلك فإن استمرارية إحلال الشر الداخلي في المجتمع الأمريكي بآخر خارجي في إيران، والإسلام، والإرهاب... إلى آخر هذه القائمة لن يستمر طويلًا، وعاجلًا أو أجلًا لابد وأن تواجه أمريكا مشكلاتها داخليًّا دونما البحث عن ضحية في الخارج.
في هذا الإطار لتفريغ القوالب الذهنية من محتواها القديم «ضد السامية والعنصرية» وإحلال «العرب والإسلام» محل هذا المحتوى يمكننا فهم القرارات الأمريكية وكذلك الأدبيات السياسية التي ترى العالم في إطار صدام حضاري «الحقيقة هي أن أمريكا كمجتمع لم تنتقل إلى هذه النقطة الحضارية والتي معها تكون علاقة الإنسان بأخيه الإنسان علاقة فكرية»، إن المدقق في الصدام الحضاري الذي يطرحه منتجون من أجل تفكيك هذه الصورة وإعادة بنائها يدرك أن الحضارات المشار إليها ما هي إلا تمويه لعرقيات بعينها الصينيون، والهنود، والعرب ،والسود، والسلوفاك... إلخ هذه القائمة.
الجانب الثاني لهذا الموضوع وباختصار هو الثقافة المحلية لواشنطن كمدينة والتي تتكون من مجموعات عديدة لها مصالح عديدة لا ترتبط بأية قيم أخلاقية، فهناك جماعات المصالح وجماعات الضغط اللوبي التي تعمل الصالح إسرائيل، وليس لصالح إسرائيل فقط وإنما كذلك لإبقاء صورة العربي المسلم على أنها النقيض لإسرائيل، حتى لا ترتد الصورة إلى شكلها التاريخي «المعادي للسامية»، وخصوصًا إذا ما ظهرت حركات تشير بشكل غير مباشر إلى السيطرة الصهيونية على الأموال الأمريكية وعلى الإعلام كما جاء في حملة المرشح اليميني باترك بيوكانن أو في خطابات قائد حركة السود المسماة «أمة الإسلام» لويس فرخان- يهم هذه الجماعة العمل الصالح إسرائيل، ومن ثم خلق صورة همجية للعرب والمسلمين في الإعلام الأمريكي.
ويسهل تلك العملية عدم وجود قوى ضغط مقابلة من العرب والمسلمين، فالسفارات العربية بكاملها هنا لا تحاول ولو عن طريق ملحقيها الإعلاميين والثقافيين المشاركة في تفكيك هذه الصورة الجاهزة عن الإسلام والعرب.
في هذا الإطار الثقافي تصنع السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي ويتحرك في هذا الفضاء الثقافي وينهل منه كل النخبة الأمريكية الحاكمة ابتداء من الرئيس كلينتون حتى دينيس روس- ممثل الإدارة في مفاوضات الشرق الأوسط- هذا العامل الثقافي بالطبع ليس العامل الوحيد الذي يحرك السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، ولكنني أدعي أنه بدون فهم هذا الإطار الثقافي يكون فهمنا للعوامل الأخرى ناقصًا ومبتورًا، فالسياسة كاللغة، لا تفهم الوحدة السياسية إلا في سياقها، بنفس الطريقة التي لا تفهم فيها معاني الكلمات إلا في إطار الجملة الواقعة فيها.
إن فهم هذا الإطار الثقافي أساس لوضع السياسة الخارجية الأمريكية في إطارها، وبناءً عليه يمكننا طرح تصور للتعامل معها عن طريق الحوار الجاد لا التخمين، فالفهم المبني على التخمين لا يقود إلا إلى محاولات: بعضها صحيح، والكثير منها خاطئ، وبما أن الخطأ في هذه القضايا قد يؤدي إلى تدمير دولة بكاملها فإن عواقب التخمين خطيرة ولا حل إلا عن طريق الفهم الجاد للمجتمع الأمريكي الذي تنبع منه هذه السياسات.
[1] - أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون.
[2] - - مطابع الجمعة منسوتا، 1996م.Challenging Boundries -201 متقبس من شابيرو.
[3] - -مطابع الجمعة منسوتا، 1996م.Challenging Boundries -201 متقبس من شابيرو.
[4] - Robert Medow, Politics As Communicalion, Applex, 1980, P. 34.3-.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل