العنوان الجذور «العلمانية» لحركة تحرير المرأة العربية
الكاتب نهى قاطرجي
تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1614
نشر في الصفحة 40
الجمعة 20-أغسطس-2004
• منذ النشأة الأولى كان هناك حرص على فصل قضية تحرير المرأة عن الإسلام وعن قضية تحرير الوطن المسلم من الاستعمار.
• تزامن توقيت خلع حجاب هدى شعراوي في مصر وعنبره سلام في لبنان بعد العودة من لندن عام ۱۹۲۸.
• احتضن الغرب بكتابه ومفكريه وساسته الحركة وحولها إلى سهام مسمومة ضد الإسلام
حرصت ما تسمى بـ «حركة تحرير المرأة العربية» منذ نشأتها على فصل قضية تحرير المرأة عن الدين والوطن وربطها بقضية تحرير المرأة في العالم، فربطت بذلك بين قضية المرأة المسلمة وقضايا المرأة النصرانية والمرأة اليهودية والمرأة المشركة والملحدة، وذلك في محاولة لفصل قضية المرأة عن قضية الوطن والأمة، والأهم من ذلك فصل قضية تحرير المرأة المسلمة عن قضية تحرير الوطن المسلم، وفصل قضية الظلم الواقع عليها عن قضية الظلم الواقع على الرجل المسلم، وهكذا تتجزأ القضية الواحدة وتتفتت في مسارات متباينة متعارضة، بل متصارعة، ولم يقف الأمر عند هذه التجزئة، بل تعداه إلى جعل المرأة المسلمة تقف خصمًا أمام الرجل المسلم وأمام الوطن المسلم، تقف خصمًا ضد شريعتها، تمتلئ رعبًا وهلعًا كلما قيل لها هناك من يطالب بتطبيق حكم شريعتك، وتنفرج أساريرها فرحة كلما وجهت ضربة إلى الشرع الحنيف عن طريق سن المزيد من القوانين العلمانية المستمدة من قوانين الغرب، وأكبر دليل على علمانية هذه الدعوة ذلك الاهتمام من قبل الخارج بقضية تحرير المرأة المسلمة، والتي تجلت في الهجمة الشرسة المباشرة وغير المباشرة من قبل الغربيين على الشريعة الإسلامية، وتشجيعهم للمرأة على الخروج على تعاليم دينها التي التزمت بها طوال أربعة عشر قرنًا، وقد تجلى هذا التشجيع والدعم في نواح عدة:
١- الدعم الفكري: تجلى في الكتابات الغربية التي تهجمت على وضع المرأة في الإسلام ودافعت عن حقوقها المسلوبة، وأبرز من كتب في هذا المجال هو «الكونت دراكور» الفرنسي الذي كتب في عام ١٨٩٤م. كتابًا تناول فيه نساء مصر، وهاجم الحجاب الإسلامي، وهاجم المثقفين على سكوتهم.
كما تجلى هذا الدعم في الناحية الإعلامية، وخاصة المكتوبة منها، فانبرت الصحف الغربية تدافع عما يسمى بـ «قضية تحرير المرأة المسلمة» وتفتح صفحاتها لدعم المرأة العربية، ومن نماذج هذا الدعم، ما قامت به الصحف البريطانية من ترحيب بـ «درية شفيق» زعيمة حزب بنت النيل وتصويرها بصورة الداعية الكبرى إلى الحركة ما يسمي بتحرير المرأة العربية، ومدحهم الدائم لنشاط الجمعيات النسائية في الشرق، وكان البعض يأتي مباشرة إلى مصر للتهنئة بنشاط الحركة، والبعض الآخر تحرير المرأة المصرية من أغلال الإسلام وتقاليده.
٢- الدعم المعنوي في تشجيع الدوائر الغربية كان يكتفي بإرسال بطاقات تهنئة، ومن نماذج هذا النوع من الدعم:
الدعم المعنوي الذي تلقته هدى شعراوي لدى حضورها المؤتمر الدولي الأول للمرأة في روما عام ١٩٢٣م، وذلك إثر اللقاء بموسوليني الذي أخبرها باهتمامه بحركات التحرير في مصر، وقد كان من نتائج هذا المؤتمر العملية تأسيس هدى شعراوي الاتحاد النسائي المصري سنة ١٩٢٣م، مباشرة بعد عودتها من المؤتمر، وقد كان من أهم أهدافه تعديل قوانين الطلاق، ومنع تعدد الزوجات، علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسية المزعومة، التي وصلت أخيرًا إلى حد المطالبة بالمساواة في الميراث.
حضور الدكتورة (ريد) رئيسة الاتحاد النسائي الدولي إلى مصر لتدرس عن كثب تطور الحركة النسائية.
ج - إرسال حرم الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية برقية تأييد للمؤتمر النسائي عام١٩٤٤م.
د - وصول برقية جمعية سان جيمس الإنجليزية إلى زعيمة حزب بنت النيل تهنئها على نجاحها الجديد في القيام بمظاهرات للمطالبة بحقوق المرأة.
٣- الدعم المادي في الأموال التي كانت ترسلها بعض الدول الغربية إلى الجمعيات العربية، وقد فضح كثير من هذه الممارسات على العلن، ومنها فضيحة أخذ حزب النيل الأموال من الدول الغربية، التي انكشفت حين قدمت إحدى عضوات مجلس إدارة الحزب استقالة مسببة، ما لبثت أن قبلتها الرئيسة دون عرضها على مجلس الإدارة، وكم كانت الدهشة كبيرة حين علم أنه قد حيل بين كثير من الصحف وبين نشر سبب الاستقالة حتى فوجئ الشعب المصري بأن السبب هو أن السفارة الإنجليزية والسفارة الأمريكية تمدان الحزب بألفين من الجنيهات سنويًا، عدا الورق المصقول وغيره، فضلًا عن تقديم المشورة والتوجيه.
• مطالب الحركة النسائية العربية: لم تختلف مطالب الحركة النسائية في مراحلها الأولى عما هي عليه الآن، فمن خلال قراءة أهداف المؤتمرات النسائية التي عقدت في تلك الفترة يتبين بأنها ركزت على تعليم المرأة بشكل عام، ويمكن حصر أهم مطالب الحركة النسائية العربية في الأمور التالية:
1- الدعوة إلى السفور: ترافقت الدعوة إلى السفور التي شهدها القرن التاسع عشر مع الدعوات الفكرية والتصرفات العملية، فإضافة إلى دعوات «قاسم أمين» ورفاقه عرفت الساحة الفكرية اللبنانية كتابين أثارا ضجة كبيرة؛ كون كاتبتهما امرأة هي نظيرة زين الدين مؤلفة كتابي «السفور والحجاب» ۱۹۲۸م. و«الفتاة والشيوخ» ۱۹۲۹م، الذي ألفته ردًا على مهاجمي الكتاب الأول، وعلى رأسهم الشيخ مصطفى الغلاييني، وتدعي نظيرة زين الدين في كتابها الأول أن الحجاب ليس من تعاليم الإسلام، وفي كتابها الثاني الفتاة والشيوخ تدافع عن السفور وإظهار حسناته، بل ضرورته، وتخطو في مطالبتها بالسفور خطوة أبعد، إذ تدعو إلى اختلاط الجنسين، أما التصرفات العملية لخلع الحجاب فإضافة إلى مسرحية خلع الحجاب التي قامت بها هدى شعراوي في مصر، خلعت عنبرة سلام في لبنان حجابها بعد رحلة لها لمدة سنتين إلى لندن سنة ۱۹۲۸م، وإلقائها المحاضرات في الأماكن العامة، ويضاف إلى ذلك الدور الذي لعبته نظيرة جنبلاط لا سيما بعد وفاة زوجها.
٢ - الدعوة إلى التعليم: بدأت قضية التعليم تطرح نفسها بعد أن رأت المرأة أن العلم هو السبيل الوحيد للدفاع عن الذات واستعادة الحقوق المهضومة، وذهب بعض النسوة إلى حد اعتبار أنفسهن في معركة مع الرجل يرون العلم سلاحهن فيها، هذا وقد تصدى كثير من المفكرين والمفكرات لقضية تعليم المرأة، وأوضحوا ضرورة التفريق بين العلوم الدينية والعلوم الغربية.
وكانت باحثة البادية أول امرأة تطرح خطورة مدارس الراهبات والمدارس التنصيرية فانتقدت أسلوب ومناهج التعليم في تلك المدارس التي اعتبرتها تقوم بدور تنصيري في مجتمع اعتبرته هي أشد ما يجب أن يكون محافظًا على الإسلام وتعاليمه، وقد حذر محمد رشيد رضا من تربية المرأة المسلمة على الطريقة الغربية، مؤكدًا أن لا تربية إلا بالدين وآدابه وفضائله، لأن المرأة لا تبلغ كمالها إلا بالتربية الإسلامية؛ أي بما جاء به الإسلام، لا بما هو عليه حال المسلمين لاندهاشهم بالحضارة الأوروبية، وتلقنهم كل شيء عربي بلا تمييز بين ما يلائم طبائعهم ويوافق معتقداتهم أو ما يخالف ذلك.
٣- الدعوة إلى خروج المرأة إلى العمل: بدأت الدعوة إلى خروج المرأة إلى العمل مع هدى شعراوي التي رأت أن العلم غير المقرون بالعمل يذهب هباء، فإذا لم تتلقفه مؤسسات المجتمع يتحول إلى عبء، وأن عدم إقبال المرأة على العمل يرجع إلى ما رسخ في أذهاننا من أن الشغل مختص بالرجل.
هذا ويعود تاريخ اشتراك المرأة في العمل إلى عام ۱۹۳۳م، عندما تخرج في جامعة القاهرة أول فوج نسائي وبتوالي الأفواج توسع الزحف على المجالات المختلفة، واشتغلت المرأة بالمحاماة والهندسة والتجارة والاقتصاد السياسي والبحوث العلمية.
٤- الدعوة إلى المشاركة السياسية: شهدت الفترة الممتدة من عام ١٩٢٦م، حتى عام ١٩٥٠م تحركًا ملموسًا من قبل الجمعيات والشخصيات النسائية للضغط بغية كسب الاعتراف بإدخال المرأة في المشاركة السياسية، وكانت النتيجة أن أصبح من حق المرأة اللبنانية الانتخاب والترشح عام ١٩٥٣م، في عهد الرئيسين كميل نمر شمعون والدكتور عبدالله اليافي، ولم تنل المرأة اللبنانية هذا الحق بموجب قانون عادي صادر عن السلطة التشريعية، بل بموجب مرسوم صادر عن السلطة التنفيذية إثر بروز تكتلات سياسية معارضة عطلت الحياة البرلمانية العادية في أواخر عهد الرئيسين بشارة الخوري وسامي الصلح، أما في مصر فقد تم إدخال المرأة المصرية الميدان السياسي عام ١٩٥٦م. وبمقتضى الدستور المؤقت الذي وضع في تلك السنة بات في مقدورها الإدلاء بصوتها في الانتخابات، وأن ترشح نفسها في الانتخابات النيابية.
5 - الدعوة إلى تعديل القوانين: لقد كان من أهم نتائج تحرير المرأة على الصعيد القانوني في الدول العربية، إدراج معظم الدول العربية مبدأ المساواة بين المواطنين كافة نساء ورجالًا في دساتيرها، وأخرجت بالتالي المساواة إلى حيز التنفيذ في مختلف المجالات وعلى مستويات متعددة.
إضافة إلى ذلك بدأت المرأة تتعلم حقوقها في مدارس قانونية، فافتتحت أول مدرسة قانونية وطنية في القاهرة عام ١٩٢٥م، وكان عدد التلميذات فيها بجميع الصفوف لا يزيد على أربعين فتاة، وقع عليهن الاختيار لكونهن يملكن القدرة المالية على تحمل نفقاتها الباهظة، هذا وقد لخصت أمينة السعيد مشكلات المرأة في المجال القانوني في تلك الفترة بالنقاط التالية:
۱. شيوع الجهل في المجموعة النسائية، وما يترتب عليه من عجز المرأة عن استرداد حقوقها.
٢- أثر المنطق الزراعي المتخلف في إعاقتها عن ممارسة الحقوق المعطاة لها.
٣- عدم المساواة بين الجنسين في القانون.
٤- ضعف المفاهيم الدينية وسيطرتها على تشريعات الأسرة.
أخيرًا لا تختلف المراحل الأولى لحركة تحرير المرأة عن المراحل المتقدمة من حيث ولائها للمجتمع الغربي، وما زالت إلى الآن تنفذ توصيات مؤتمرات الأمم المتحدة التي تبناها عدد كبير من الأنظمة العربية والإسلامية، وتأتي في هذا السياق تعديلات قوانين الأحوال الشخصية بدءًا من مصر، ثم مشروع قانون «الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية» كما سمي في المغرب وعدد من الدول، وأخيرًا وليس آخرًا تعديل قانون الأحوال الشخصية في تركيا الذي أنهى سيادة الرجل على الأسرة، وفرض مطالب تحرير المرأة كاملة، وقد بدأ تنفيذه مطلع سنة ٢٠٠٢م حسبما أعلن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل