العنوان الجرّاحُون وهواة التجريح
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009
مشاهدات 47
نشر في العدد 1872
نشر في الصفحة 35
السبت 10-أكتوبر-2009
طب لا يحتاج للدراسة والتجربة والتدريب والبحث وحتى استخدام العلاج، ولا يحتاج لعناء التشخيص الحقيقي والمختبرات المتطورة، أو دراسة السيرة الصحية، فكلها في نظرهم زوائد مبتدعة في علم الطب لا معنى لها، توفيرًا للمال والوقت والجهد، وكل ما يحتاج إليه هو مشرط أو بلطة حادة جدًا، وكل من رآه الطبيب الجراح وهو يتجول في الشوارع أو يصغي لأحاديث الجارات عن شخص ما فيجب إجراء عملية جراحية له «بالبلطة»، احتياطًا ليريح الناس بموته، ويوفر على نفسه عناء البحث، ويوفر المال على أهله وورثته.
أرأيتم هذا الطبيب العظيم الجراح؟! فوالله إن بعض المنتسبين إلى الثقافة والسياسة وعلم الشريعة والإصلاح لهم أشد جهالة من الصورة التي رسمناها للقصاب الأنف الذكر.
إن رياح السموم هذه، تهب في كل مناسبة ومن دون مناسبة، لا يحدها وقت ولا هيئة ولا فئة فلها مثيروها، كل ينفخ فيها بطريقته، وإن كانت النتائج والأهداف البعيدة تبعدهم جميعًا عن الجادة.
وهؤلاء ينتطحون لكرام الناس وخيارهم ولرجال العلم والإصلاح ولبؤر التأثير الحية في المجتمعات الإسلامية لنهشها وهدمها، ولنزع ثقة الناس منها على الأقل، وما علموا أن سهامهم طائشة، ومشاريعهم تبوء بالفشل في النهاية، والعاقبة للمتقين، وقديما قالوا:
وإذا أراد الله نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
هؤلاء العيَابون القصابون الوسواسون الخناسون يترقبون الفرص، ويركبون ظهور مصالح من هم أقوى منهم، لكسب ثقتهم ونصرهم وحمايتهم، حتى إذا زالت مقومات «الطحْلبة»، واهتزت الشجرة المتسلق عليها سقطوا وخنسوا يترقبون الغفلة مرة أخرى.
ولعل رائحة هؤلاء أزكمت أنوف الأصحاء مما يضطرهم الإغماد خناجرهم مكرهين للبحث عن فرصة أفضل.
وغني عن القول، أن ما يقوم به هؤلاء شيء وما يظهر من الناقدين المخالفين لوجهات النظر المطروحة مهما كان الخلاف معهم شيء آخر، فالنقد يُثري ويغني ويصوب المسيرة، ويكشف مواطن الخلل، و«رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي».
أما هؤلاء الذين يسيؤون لأنفسهم أولًا، ويرتكبون حماقاتهم باسم الغيرة على الأمة والوطن والدين فهم أعجب من «القصاب الطبيب»، وقاكمُ الله من طبه. وما رأيت أصدق من هذا الوصف مما نطق به البشر بعد النبي صلى الله عليه وسلم مما قاله أحد العلماء المستبصرين الذي عايش فئة منهم عن قرب، ورأيت وصفه ينطبق تمامًا على فئات أخرى تحمل «بلطات» من نوع آخر، وهو قول الدكتور عبد الرزاق الشايجي عنهم:
«هؤلاء الذين اتخذوا التجريح دينًا، وجمع مثالب الصالحين منهجًا، فهم مع الدعاة إلى الله خوارج يكفرونهم بالخطأ، ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، يستحلون دماءهم، ويوجبون قتلهم وقتالهم.
وأما مع الجماعات الإسلامية فقد انتهجوا منهج الرافضة مع الصحابة، فإن الرافضة جمعوا ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام، ورموهم جميعًا بها، وجمعوا زلات أهل السنة واتهموا الجميع بها.
وهم مع الكفار «قدرية جبرية» يرون أنه لا مفر من تسلطهم، ولا حيلة للمسلمين في دفعهم.. ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام.
فواعجبًا كيف استطاعوا أن يكيلوا في كل قضية بمكيالين؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله». انتهى.
وأقول: فواعجبًا من هؤلاء جميعًا الذين لا يجدون بابًا يخدمون فيه أوطانهم إلا إثارة الفتن والأحقاد، وإيقاد نيران الخلاف وحرق الدعاة، وشطبهم بجرة قلم لو استطاعوا.
وما وجد بعضهم إلا اجترار اتهامات وافتراءات عفا عليها الزمان، وفندها الباحثون المخلصون من علماء المسلمين على اختلاف اجتهاداتهم، فضربوا سهامهم نحو أبرز الشخصيات الفكرية المجاهدة المصابرة الذي لقي الله تعالى شهيدًا في سجون الطغاة؛ لأنه أصر على نصرة الحق وطهارة القلم.
وقد استشهد ابن تيمية وسيد قطب يرفعان راية القرآن الكريم كما يعرف كل مسلم في الأرض اليوم، قبل أن يولد الخطيب اللبيب الذي استدرج عروض الأوراق المطبوعة والمؤلفة زورًا وبهتانًا من جهات معلومة.
وما ضر ابن تيمية والذهبي والنووي رحمهم الله جميعًا غبار الشائعات، وليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم عصمة وكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم عليه الصلاة والسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل