; الجزائر: المذابح الإرهابية تسابق التنافس الأجنبي على الاستثمار في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر: المذابح الإرهابية تسابق التنافس الأجنبي على الاستثمار في الجزائر

الكاتب عامر حمدي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1288

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 17-فبراير-1998

  • «حماس» تطلق مبادرة شاملة لوقف العنف... العلمانيون يرفضونها ويفضلون التدخل الدولي:
  • «اعتدال» الخطاب الأمريكي عن مسؤولية السلطات الأمنية وسط صراع أمريكي أوروبي على مشاريع الاستثمار.

أعلنت الحكومة الجزائرية عن ترحيبها بمبادرة حركة مجتمع السلم الجديدة لوقف الأزمة الدموية؛ فقد أبدى رئيس الحكومة أحمد أو يحيي دعمه لهذه المبادرة حين قال بأنه: «يضيف صوت الحكومة لاقتراحات بعض النواب»، معربًا عن أمله في أن يبقى هذا «الانشغال مستمرًا داخل المجلس الشعبي الوطني لتبادل الآراء ولترقية أي تصور»، وقد جاء رد رئيس الحكومة في نهاية النقاش العام حول الوضع الأمني الذي جرى الجمعة 6 فبراير الجاري، ويأتي رد أحمد أويحيى وسط استجابة واسعة لدى بقية أحزاب الائتلاف الحكومي: التجمع الوطني الديمقراطي «حزب الحكم»، وجبهة التحرير الوطني، فيما أبدى الحزب العلماني البربري «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» رفضه لهذه المبادرة، وأكد مسؤول مجموعته البرلمانية أنه لن يشارك إلا في جبهة ضد الإرهاب الأصولي.

في حين يربط نواب بقية الأحزاب في البرلمان الجزائري نجاح هذه المبادرة بحصولها على مباركة وتأييد السلطة، لذلك لم يبد بقية النواب أي دعم في انتظار اتضاح موقف الحكومة، إلا أن نوابًا آخرين- من أحزاب الائتلاف الحكومي ومن حركة النهضة- ذكروا عند انتهاء الجلسة أن هذه المبادرة قد يكتب لها النجاح في الأيام القادمة، إذا أعطي لها الاهتمام اللائق، وأبعدت عن الصراعات الحزبية والحسابات السياسية الضيقة، وإذا لقيت تشجيعًا عمليًا وجادًا من الأطراف الفاعلة في السلطة، وإلا فإنها ستلقى نفس مصير مبادرات أخرى.

 وفي أول نقاش برلماني حر حول الوضع الأمني منذ بداية الأزمة الدموية في الجزائر في يناير ۱۹۹۲م، توجت هذه المناقشات بإعلان حركة مجتمع السلم عن مبادرة «جبهة وطنية لحل الأزمة الأمنية» في الجزائر يكون هدفها اقتراح وثيقة حل نهائي للأزمة تطرح على البرلمان للمصادقة، وتتشكل هذه الجبهة التي أعلن عنها عبد الرزاق مقري- رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم- من ممثلي الشعب من الغرفتين البرلمانيتين «المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة»، ومن شخصيات وطنية يختارها المجلس الشعبي الوطني، ومن ممثلين عن المؤسسات العليا للدولة ومنظمتي «المجاهدين» و«أبناء الشهداء»، وتتمثل أهم صلاحيات هذه الجبهة في الاتصال بكل من في وسعه المساهمة في إيقاف النزيف الدموي، واستعمال كل وسائل الإعلام بكل حرية، والقيام بالتعبئة الشعبية والإعلامية لمعالجة الأزمة، إضافة إلى القيام بتحقيق في القضايا الغامضة، وتجسيد تعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بالتوبة والرحمة. 

وتحدد مبادرة نواب حركة مجتمع السلم عمل هذه الجبهة في أربع نقاط:

  1.  العمل في إطار الدستور والقانون الجزائري.
  2. رفض التدخل الأجنبي تحت أي غطاء كان.
  3. رفض العنف في التعامل السياسي كوسيلة للتعبير وللوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.
  4. التركيز على الحل السياسي للأزمة مع الأطراف المختلفة.

تباين في التقديرات:

كانت المناقشة العامة لملف الوضع الأمني فرصة لمختلف الأحزاب الفاعلة لتحديد مواقفها، و إبراز تصوراتها من الوضع الذي يكتنف الساحة منذ إلغاء المسار الانتخابي في يناير ۱۹۹۲م، وفي هذا الإطار دعا عبد الرزاق مقري- رئيس مجموعة حركة مجتمع السلم- نواب التيار الإسلامي «حماس والنهضة» إلى عدم الدخول في معارك هامشية، وذكر بأن نواب الحركة سيقدمون برنامجًا عمليًا لاحتواء الإرهاب، يضم ثلاثين اقتراحًا، منها تحقيق الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتوسيع قاعدة الحكم لمختلف القوى الوطنية، وتحقيق تكافؤ الفرص، وفتح وسائل الإعلام الوطنية للعلماء والمفكرين، وتسليح الأحياء والقرى المهددة بغير انتقاء، وتوسيع تدابير الرحمة، وعدم لجوء السلطة والطبقة السياسية والمجتمع المدني للتهوين أو التهويل في تقييم الوضع الأمني، وغيرها من الاقتراحات، وطالب نائب آخر من حركة مجتمع السلم الحكومة بتأكيد أو نفي ما أشيع عن إبرام اتفاق بين مؤسسات الدولة والجيش الإسلامي للإنقاذ، أما حركة النهضة فقد ركز مسؤول مجموعتها البرلمانية النائب عبد الوهاب دريال على اختلاف حزبه مع الحكومة فيما يخص معالجة ظاهرة الإرهاب رافضًا «تفسير هذا الاختلاف بدعم للإرهاب»، ودعا إلى تطبيق بعض الإجراءات مثل حياد الإدارة، والفصل بين السلطات، وتفعيل قانون الرحمة، واقتراح تنظيم ندوة وطنية لمعالجة موضوع الإرهاب، والخروج بمبادئ إنهاء الأزمة».

من جانبه سجل الحبيب آدمي من حركة النهضة- والذي يشغل منصب نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني «البرلمان»- فوصف الإرهاب بـ «الإجرام الوحشي»، وعاب على الحكومة عدم استغلالها الأمثل للإمكانات المادية والبشرية لأداء واجبها في حماية الأرواح والممتلكات والتكفل بضحايا هذه المأساة.

وأكد رئيس الكتلة البرلمانية لجبهة التحرير الوطني أن معالجة ظاهرة الإرهاب تأتي من خلال سياسة متكاملة تتضمن التكفل بضحايا الإرهاب، وإحداث حركة تنمية ريفية شاملة، كما طالب بعدالة اجتماعية تقصر من عمر الأزمة، معتبرًا تسريح العمال وغلق المؤسسات يساهمان في دعم الإرهاب، مؤكدًا أن معالجة هذا الوضع هو شأن الجزائريين وحدهم، وهم قادرون على ذلك.

 أما الحزب الحاكم التجمع الوطني الديمقراطي فقد أعلن أحد مسؤوليه عبد العزيز بن مهيدي رفض حزبه لكل تدخل أجنبي تحت أي مبرر كان، وطرح بعدها عدة أسئلة عن تغطية التلفزة لمجازر غليزان غير الكافية والمتأخرة، وتعطيل المساعدات في تلك الولاية، وتخلف البرنامج الإغاثي للمناطق المنكوبة بأكثر من ٤ أشهر، إلى جانب فشل الدبلوماسية الجزائرية في تفادي قدوم الترويكا الأوروبية إلى الجزائر، وأنهى كلمته بقوله إن الجزائر لا زالت تنتظر مما أسماه حكومة التقويم الوطني إجراءات ملموسة، وفي سياق الصراع الداخلي الذي نشب في حزب الحكم أشار عيسى نواصري- ممثل أكبر التنظيمات النقابية في حزب الحكم- إلى عجز الحكومة في محاربة الإرهاب، ومواجهة الأزمة الاقتصادية، وغياب استراتيجيتها، مما أدى إلى الحديث عن التدخل الأجنبي، وانتقد التأخر في أتخاذ إجراءات التكفل بالمواطنين، كما اعتبر تسريح العمال وانحراف السوق وممارسات الإدارة بأنها توفر أرضية لدعم الإرهاب.

وخلافًا لهذه المواقف أكد علي عبد السلام راشدي- مسؤول كتلة جبهة القوى الاشتراكية- أنه لن يطرح أسئلة على رئيس الحكومة، بل سيقدم معاينة للوضع في البلاد الذي وصفه بـ«الكارثة» في النواحي الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وأشار النائب إلى تكرار هذه المجازر رغم تواجد قوات الأمن وبعلمها أحيانًا، وجدد راشدي دعوة جبهة القوى الاشتراكية لتحقيق دولي حول المجازر، مؤكدًا أنه لا يرى في ذلك مساسًا بالسيادة الوطنية، مضيفًا أنه لا يثق في مصداقية التحقيق الوطني، كما تساءل عن هوية الإرهابيين «ومن يقف وراءهم؟ ولماذا يقتلون مواطنين كانوا متعاطفين مع جبهة الإنقاذ، خصوصًا بعد مفاوضات بين السلطة ومجموعة إرهابية؟»، على حد قوله «قاصدًا مجموعة مدني مزراق»، كما انتقد تسليح المواطنين معتبرًا ذلك تخليًا من الدولة عن دورها في حماية المواطن، وأكد أن السلطة وحدها عاجزة عن حل الأزمة، وهو دافع لضغط المجموعة الدولية على السلطة، والوصول إلى حل سياسي، وانتهى إلى اقتراح لجنة خاصة داخل البرلمان تكرس الوفاق بين الأحزاب، تقوم بعمل يتوج بندوة وطنية للسلم والمصالحة.

دعوة أمريكية:

وبالموازاة مع التحرك البرلماني في الداخل للبحث عن حلول للوضعية الأمنية، أكد السفير الأمريكي الجديد في الجزائر كامرون هيوم خلال زيارته لعدد من الصحف المستقلة السبت «۷/۲» أن حكومة الولايات المتحدة تطلب من الحكومة المسارعة في تحديد- وبوضوح- التوجه الحقيقي لاقتصادها؛ حتى يمكن لحكومة بلاده دراسة المساهمة الممكنة لزيادة الاستثمارات، وقد جاء تصريح كامرون هيوم بعد يومين من تصريح آخر للسفير الأمريكي السابق في الجزائر رونالد نيومان، الذي طالب الحكومة الجزائرية بضرورة تدعيم حمايتها للمدنيين ضد الجماعات الإرهابية. 

وطالب نيومان- الذي يشغل حاليًا منصب مساعد وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط- خلال جلسة خاصة من أجل حصر الخيارات السياسية التي يمكن للولايات المتحدة اعتمادها تجاه الجزائر، نظمتها لجنة العلاقات الدولية في الكونجرس يوم 5 فبراير الجاري- الحكومة بالمزيد من الشفافية والانفتاح حول الأحداث التي تعرفها الجزائر، مع «إبراز هذه المصداقية للمجموعات الدولية»، مشيرًا إلى أن حلًا على المدى البعيد «يتطلب إصلاحات سياسية واقتصادية، بمشاركة جميع الجزائريين الذين يرفضون العنف»، وكان رئيس اللجنة الفرعية المكلف بإفريقيا في الكونجرس قد أكد أن الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤولة بالدرجة الأولى عن الأعمال البشعة.

ويبدو واضحًا من خلال القراءة الأولية لتصريح السفير الأمريكي السابق في الجزائر أن حكومة بيل كلينتون تجدد مواقفها عن مسؤولية الجماعة الإسلامية المسلحة في أكبر قدر من الأعمال الإجرامية، مع تسجيل تحفظات حول تورط محتمل لبعض عناصر الأمن في بعض هذه الأحداث من خلال التجاوزات التي حمل بعضها التقرير السنوي الذي أعده المرصد الوطني لحقوق الإنسان.

تحذير فرنسي من الشركات الأمريكية:

 ولم يكن التحرك الأمريكي في الحقيقة إلا كرد فعل على تحرك من بعض الأوساط الاستئصالية في الجزائر، التي نظمت- بالتعاون مع السلطات الفرنسية في باريس- ملتقى لبحث الاستثمارات في الجزائر، وصفته وسائل الإعلام المحلية بـ «اهتمام السلطات الجزائرية بالدور الذي تلعبه فرنسا بخصوص الجزائر»، وخلال الاجتماع الذي نظمته غرفة التجارة والصناعة لباريس حول «الآفاق والحقائق الاقتصادية للجزائر» الأسبوع الماضي بحضور حوالي١٤٠متعاملًا اقتصاديًا فرنسيًا، دعا السفير الجزائري بفرنسا محمد عوالمي الأوساط الاقتصادية الفرنسية إلى «الاستثمار فورًا في الجزائر، وتقدير الفرص والمزايا التي توفرها السوق الوطنية بعيدًا عن التشاؤم»، وأبرز ممثل الدبلوماسية الجزائرية أيضًا أنه «عكس الصورة السائدة في فرنسا، فإن الجزائر تهم كثيرًا أوساط الأعمال في العالم بأسره، وسيكون صعبًا على الذين يوجدون في الهامش تدارك التأخر».

لقاء الأسبوع المنصرم- وإن تم تحت غطاء استعراض طبيعة التشريعات الاقتصادية الجديدة للجزائر، والنتائج التي حققتها عملية التصحيحات الهيكلية إلى نهاية السنة الجارية- فإن محتوى اللقاء الحقيقي كان يرمي إلى تحريك الأرصدة المالية والتجارية الفرنسية للاستثمار في الجزائر في القريب العاجل، وفي هذا الإطار ذكر السفير أن قانون الاستثمار الصادر في أكتوبر ۱۹۹۳م «يعامل الجزائريين والأجانب على حد سواء، ويتضمن عدة مزايا جمركية، ويبسط الإجراء الإداري، ويوسع مجال النشاطات، ويضمن مبادرات الاستثمار».

وتجدر الإشارة إلى أن الإجراءات الجمركية تشكل إحدى نقاط الاختلاف الأساسية في المفاوضات الجارية حول اتفاق الشراكة الجزائري الأوروبي، إذ تسعى الجزائر للحفاظ على أكبر قدر من الحواجز الجمركية التي تسمح لها بحماية الإنتاج المحلي من المنافسة الأجنبية، بينما يحاول الشركاء الأوروبيون الحصول على عقد يسهل الإجراءات الجمركية بالشكل الذي يفتح المجال لتسويق منتوجاتهم في السوق الجزائرية دون حواجز، وحول هذا الاختلاف يحذر المقاول جون فان تي- الذي يترأس شركة «هورتي إنترناشيونال»، والذي يعمل بالجزائر منذ ٢٥سنة- كافة رجال الأعمال الفرنسيين من اعتبار السوق الاقتصادية الجزائرية مجرد فضاء لتسويق منتجات جاهزة للاستهلاك، داعيًا إلى إعداد مشاريع كفيلة بتلبية احتياجات الجزائر الضخمة، «وتأسف خبير صناعي مختص في الصيدلة لاستمرار استقرار الشركات الأمريكية والإيطالية والآسيوية وغيرها في الجزائر، في الوقت الذي تراقب فيه الشركات الفرنسية من بعيد منشغلة بالتجارة لا غير، رغم أنها تعاملت كثيرًا مع هذا البلد في الماضي».

وفي الأخير فإن المتتبعين الاقتصاديين يجمعون على أن الجزائر محكوم عليها بدخول مرحلة جديدة في إطار إعادة تحريك آلتها الاقتصادية في أقرب وقت ممكن، بعدما استغرقت عملية توقيف التدهور أربع سنوات تقريبًا.

الرابط المختصر :