العنوان الجزائر.. في «قلب» خريطة المغرب العربي الأمريكي!
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1698
نشر في الصفحة 22
السبت 22-أبريل-2006
إستراتيجية واشنطن في المنطقة زحزحة النفوذ الفرنسي وتقويض أي محاولة روسية للسيطرة.
واشنطن أضحت أهم شريك تجاري للجزائر بأكثر من ٨٫٥ مليار دولار.
البيئة السياسية في عمومها لا تعرف سكونًا ولا هدوءًا، فهي تفاعلية بطبيعتها وقد يجد طرف من أطراف اللعبة السياسية نفسه موضع اهتمام بعد طول نسيان أو تجاهل، وقد تفقد أخرى أهميتها ورونقها وتصدرها لحين من الدهر، وفي كل الأحوال قد تكون الأسباب وراء هذه الحالة أو تلك معلومة ظاهرة، وقد يكون بها شيء من الغموض تارة أخرى.
العلاقات التي تجمع الولايات المتحدة بالمغرب العربي والجزائر على الخصوص ربما تبدو قريبة من هذا الإطار، فقد ظلت هذه البلاد في لوحة الشطرنج الأوروبية والفرنسية على وجه التحديد، ولم تدس الولايات المتحدة أو غيرها أنفها فيها إلا فيما ندر إلا أن البرودة السياسية التي أصابت تلك العلاقات فيما يبدو ستشهد فصلًا ساخنًا يذيب ما تراكم طوال الفترة الماضية.
ومن الملاحظ أن زيارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد جاءت قبل أيام قليلة من الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الجزائر التي سبقها الحديث عن توقيع الجزائر على صفقات شراء أسلحة روسية متطورة، خاصة في المجال الجوي بنحو ملياري دولار.
ومن اللافت كذلك أنه في نفس موعد زيارة رامسفيلد كانت هناك زيارة موازية، وصفت أنها استطلاعية لنتائج مسار المباحثات الأمنية والعسكرية بين المغرب والولايات المتحدة، قام بها وزير الداخليةالفرنسي نيكولا ساركوزي، وجاءت بعد أيام من زيارة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت موللر!
صيغ مشتركة: ولا يغيب عن الذهن دومًا محاولة الولايات المتحدة أن تربط المجموعات الإقليمية العربية بإستراتيجيتها وأهدافها الخاصة (مشروع ندوة المستقبل في الرباط) لقطع الطريق والأمل في أية محاولة من قبل أي تجمع إقليمي لإيجاد أهداف وصيغ مشتركة بعيدة عن الهيمنة الأمريكية، قد تكون مدعاة لتجربتها في أطر أخرى؛ ومن ثم ينفرط العقد من يدها.
إذًا يمكن القول إن الولايات المتحدة في مسعاها ناحية المغرب العربي تحدوها عدة أهداف سياسية وعسكرية وأمنية منها:
- زحزحة النفوذ الفرنسي عن موقعه، وإضعاف تأثيره في تلك البلدان مثلما عليه الحال في سورية ولبنان.
- تفويض أية محاولة قد يجدها الدب الروسي مناسبة لإحياء رغبته في استعادة دوره في المنطقة.
- فرض الهيمنة الأمريكية واحتواء تلك الدول ودمجها في إطار المخططات الأمريكية في المنطقة، ربما لخدمة أهدافقد تبدو قريبة.
ومازال هاجس تنظيم القاعدة يشغل البال الأمريكي، فرغم كل المحاولات التي قامت بها الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي انتظمت في إطار الحرب الأمريكية على ما يسمى بـ الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١، إلا أن الشواهد تؤكد على أن التنظيم مازال يحتفظ بحيويته وقادر على إخراج مخططاته إلى حيز التنفيذ!
ومن هنا كانت الأهمية التي أولتها الولايات المتحدة للمغرب العربي، فقد استقبلت الجزائر وحدها خمسة وفود أمريكية منذ مطلع العام، وشكل تطوير التنسيق الأمني لمكافحة ما يسمى بـالإرهاب السمت الأبرز لها.
والوفد الذي زار موريتانيا بقيادة نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية روبرت باتمان ناقش كذلك مع المسؤولين الموريتانيين تعزيز التعاون الأمني والعسكري، وذكرت مصادر صحافية حينها أن الهدف هو التنسيق مع الموريتانيين حول مكافحة الإرهاب، وبناء قاعدة عسكرية للتجسس لكن موريتانيا رفضت.
وفي تونس تسارعت وتيرة التنسيق الاستخباراتي والعسكري في السنتين الأخيرتين، إذ ضمت وزارتا الدفاع والخارجية الأمريكيتان تونس عام ٢٠٠٤ إلى برنامج تعاون عسكري يرمي لإدماجها في الحلف الأطلسي.
كما تعزز التعاون الأمني والعسكري مع المغرب الذي توجته زيارة موللر ومحادثاته مع الملك محمد السادس، ثم زيارة رامسفيلد بعد ذلك، وهي الزيارة المشروع كما يقول علماء الإستراتيجية.
سباق الزمن
وتعرف العلاقات الجزائرية الأمريكية تقدمًا ملحوظًا بل متسارعًا، حيث أصبحت الخارجية والدفاع الأمريكيتان تسابقان الزمن من أجل حجز موقع متميز في شمال القارة الأفريقية.
ومن جهة أخرى تحاول الجزائر تلميع صورتها في العالم وعلى الخصوص لدى الفاعل السياسي الدولي، فقد أشار دافيد كيين رئيس اتحاد المحافظين الأمريكيين وأحد أعضاء مكتب كارمن جروب في مواقع خاصة بالمكتب وأخرى متصلة بالكونجرس الأمريكي مثل تاونهول أنه عهدت إليه مهمة تغيير صورة الجزائر في الولايات المتحدة، والتحضير لتشكيل لوبي مساند للجزائر داخل الهيئات الرسمية الأمريكية، لاسيما الكونجرس!
ويعد دافيد كيين من بين أبرز المستشارين في الحملة الرئاسية للرئيس الجمهوري جورج بوش، ويتكفل حاليًّا بتسييرالمكتب الأمريكي المتخصص في مجال جماعات الضغط، إذ أسندت له بمقتضى العقد الموقع بين الجزائر والمكتب الأمريكي في منتصف فبراير المنصرم بواشنطن مهمة تشکیل مجموعات ضغط ولوبي جزائري يدعم المواقف الجزائرية داخل غرفتي النواب والشيوخ، على غرار تلك التي اعتمدتها العديد من الدول من بينها المغرب منذ عدة سنوات، خاصة منذ ١٩٩٨ مع العهدة الممنوحة من قبل المغرب لمكتب «كاسيدي وشركائه»، لدعم اللوبي المساند للمغرب داخل الكونجرس مقابل قيمة ١.2 مليون دولار، وركز العقد على تشكيل اللوبي الجزائري داخل الكونجرس الأمريكي، ويقوم كيين باتصالات دورية مع السفارة الجزائرية بواشنطن، كما يسافر أيضًا إلى الجزائر لذات الأمر، وقد قدر العقد الأولي بـ ٣٠٠ ألف دولار لتغيير صورة الدولة الشمال أفريقية المسلمة، حسب تعبير كيين!
أهم شريك
ولا تعد هذه المبادرة هي الأولى من نوعها التي قامت بها الجزائر في سياق محاولة توظيف إحدى أهم القنوات السياسية والآليات المعتمدة في النظام السياسي الأمريكي، أي «اللوبيينج»، إذ كانت أولى محاولات تشكيل لوبي جزائري بالولايات المتحدة يعود لسنة ١٩٧٦م مع الرئيس هواري بومدين، وقد لعبت شخصيات أخرى مثل بيتر هانا فورد الذي عمل في العلاقات العامة مع الرئيس رونالد ريجان دورًا لفترة في مجال اللوبيينج لصالح الجزائر أيضًا.
وعلى الرغم من تواضع الجالية الجزائرية بالولايات المتحدة المقدرة إلى غاية نهاية ٢٠٠٥ بحوالي ٧٠ ألف شخص، إلا أن التطور الذي عرفته العلاقات الثنائية أتاح هوامش حركة أكبر، فواشنطن أضحت منذ ٢٠٠٤ أهم شريك تجاري للجزائر بأكثر من ٨.5 مليار دولار، كما أنها حتى الآن أهم مستثمر في قطاع المحروقات بأكثر من 5 مليارات دولار، مع توقع أن ترتفع في ۲۰۱۰ إلى ما يفوق ٨ مليارات دولار، فيما ستمثل حصة إنتاج الشركات الأمريكية وعلى رأسها أناداركو قرابة ثلث إنتاج النفط الجزائري، وبالإمكان توظيف تحسن العلاقات الثنائية ووجود تواصل بين شخصيات مؤثرة منخرطة في اللوبي النفطي بالخصوص، مثل ديك تشيني الذي لا يزال يرتبط بعلاقات مع كل من هاليبرتون و براون اند روت كوندور، وكا بي آر التي قامت بإنجاز مقر وزارة الطاقة الجديد، فضلًا عن شخصيات جزائرية مؤثرة مثل البروفيسور إلياس زرهوني لتشكيل عناصر تقارب، في وقت سجلت فيه العلاقات على محور الجزائر واشنطن تطورًا نوعيًّا على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.
الضاحية الشرقية
من جهة أخرى اختتم مؤخرًا اجتماع أمني أمريكي أفريقي، في العاصمة الجزائرية، باعتماد خطة لمكافحة ما يسمى ب الإرهاب في منطقة المغرب العربي والساحل الأفريقي. وفي الوقت نفسه وصلت إلى ميناء الجزائر في نهاية شهر فبراير وحدة عسكرية بحرية تابعة لحلف شمال الأطلسي في إطار مهمة تجري خلالها تمارين عسكرية خارج المياه الإقليمية الجزائرية.
وبحث خبراء من الاستخبارات الأمريكية مع نظرائهم من المغرب العربي والساحل الأفريقي في الاجتماعات التي عقدوها في الضاحية الشرقية للعاصمة لمدة أربعة أيام وسائل تعزيز مراقبة الحدود البرية والمنافذ البحري.
وعقد الاجتماع في سرية كبيرة، لكن معلومات مستقاة من وفود أمنية مشاركة، أفادت أن المجتمعين اتفقوا على خطة أمنية تتضمن تكثيف التنسيق بين أجهزة أمن البلدان المعنية، وهي الولايات المتحدة والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا والسنغال وتشاد والنيجر ومالي، بغرض محاربة القاعدة في المنطقة.