العنوان نزيف الدم في الجزائر.. هل يتوقف قريبًا؟؟
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 79
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
تشهد الجزائر هذه الأيام تطورات خطيرة في المواجهات الدامية بين
الجماعات المسلحة، وقوات الأمن والجيش، بعد أن تحولت أعمال العنف من تصرفات فردية
محدودة إلى استراتيجية حركية منظمة من طرف الجماعات المسلحة، وإلى استراتيجية
«أمنية» من طرف النظام. ويرى المحللون
أن رهان النظام على الحل الأمني لاحتواء الأزمة والقضاء عليها، بدا فاشلاً، أما
توسع فضاءات التوتر، وتزايد أعمال العنف، فضلاً عن موجة التذمر الشعبي العام
الناتجة عما يشبه الحرب الأهلية، حيث أصبح الرعب يهيمن على الجميع، وأصبح الخوف
السمة الطاغية على نفسيات الجميع: خوف الشعب من الشعب، وخوف الشعب على الشعب، وخوف
الشعب من النظام، وخوف النظام من الشعب، وخوف النظام على النظام، وخوف النظام من
النظام!
سيناريوهات الحرب الأهلية والاستقرار
ووسط هذه الحلقة من المعاناة المفزعة: فرض سؤال نفسه على الجميع: إلى أين سينتهي مصير الجزائر؟
محللون وخبراء أجانب لم
يترددوا في اعتبار الوضع الجزائري الحالي مقدمة موضوعية إلى حرب أهلية محتومة،
وحسب رأيهم، فإن الشرارة الأولى لهذه الحرب سيطلقها انقسام الجيش بانقسام قادته
الكبار وجنرالاته أصحاب الوزن الثقيل. وعلى النقيض،
يرى آخرون أن الحرب الأهلية مستبعدة، وأن فرص الاستقرار وعودة الأمن ما تزال قائمة
في ظل حركات سياسية معتدلة، تؤمن بالتعايش السلمي ولا تختلف على أصل المرجعية
العليا للإسلام. ويرى فريق ثالث
أن سياسة الحلول الأمنية التي يراهن عليها النظام بعد التغيير الذي حدث في قيادة
المؤسسة العسكرية ستؤدي في النهاية إلى احتواء الأزمة والقضاء عليها، بعسكرة
القوانين وحكم الاستثناء.
دور الشعب والقوى السياسية
بينما يرى فريق رابع أن الأقدر على قلب الموازين في المعادلة
الجزائرية هو «الشعب» الذي سيقول كلمته بعد التخلص مما خلفته الأزمة السياسية من
آثار سلبية نفسية واجتماعية عليه. غير أن بعضهم يرى أن هذا لن يتم إلا بعد أن يكون
الوطن قد استنزف على جميع المستويات. ويقول
المراقبون في الجزائر إن حسم الصراع السياسي، وتهميش الجماعات المسلحة، بدأت
بوادره مع الدعوة إلى مصالحة وطنية تنهي حالة اضطراب السلطة، وحالة «اللاأمن» التي
يعيشها الشعب في كافة قطاعاته.
عوائق المصالحة الوطنية
غير أن البعض لم يخف تخوفه من فشل مساعي المصالحة لسببين:
1- رفض التجاوب مع هذه الدعوة من طرف «النخبة
العلمانية» المسيطرين على جهاز السلطة والإعلام، والتي عبرت عن رفضها للمصالحة مع
الإسلاميين في كل صورهم المعتدلة أو المتطرفة، وشنت حملة سياسية وإعلامية مكشوفة
على حركة «حماس» ورئيسها الداعي إلى المصالحة مع إشراك الجبهة الإسلامية للإنقاذ
في الحوار الوطني المزمع إجراؤه الأيام المقبلة. ويرى المراقبون أن هذا التطرف
السياسي والفكري لن يقابل إلا بردة فعل متطرفة تذهب معها احتمالات المصالحة
والحوار، ولم يستبعد المراقبون تحرك هذه «النخبة» بلعبة جديدة تقلب لها كل الأوراق
قبل انعقاد الندوة الوطنية التي من المنتظر أن تعقد مع نهاية هذا الشهر لتحديد
المؤسسات التي تتولى تسيير المرحلة المقبلة وتحقق المصالحة الوطنية.
2- لم ير بعض الملاحظين في توجهات المؤسسة العسكرية
بعد التغيير الذي وقع في قيادتها الأشهر الماضية، ما يشجع على ترجيح كفة التوجه
إلى المصالحة وفتح باب الحوار الجاد، خصوصاً بعد تصاعد عمليات اغتيال رجال الأمن
والجيش الذين بلغ عددهم منذ يناير 1992م «370 رجلاً» حسب الإحصائيات الرسمية.
أرقام صعبة في معادلة الصراع
ويضيف آخرون سبباً جوهرياً يمثل الرقم الأصعب في المعادلة وهو رفض
الجماعات المسلحة لكل محاولة حوار أو مصالحة مع النظام بعد اقتناعها بعدم إمكانية
التغيير السلمي، وتقديمها لأكثر من «655» من أنصارها منذ يناير 1992م.
فيما ترى أطراف أخرى أن فتح باب الحوار مع هرم
قيادة جبهة الإنقاذ وخاصة الشيخين «عباس وبلحاج» هو السبيل الأوحد أمام السلطة
القائمة للوصول إلى حل سلمي، وتوقيف العمل المسلح الذي تبنته جماعات كانت منخرطة
في الجبهة، وأعلنته بعد توقيف المسار الانتخابي وحل الجبهة واعتقال قياداتها
وأنصارها، لكن البعض يرى أن هذا الحوار متوقف على مدى الضمانات الفعلية التي
يقدمها كل طرف للآخر بعيداً عن أسلوب المناورة السياسية.
ويشكك الكثيرون في قدرة أي الطرفين على نسيان الماضي وإذابة علاقة
التناقض القائمة بينهما، ويستبعدون بناء على ذلك احتمال التوصل إلى حوار بينهما
وفتح باب المصالحة، ويرون أن البدائل عن هذا وذاك قوة وطنية وديمقراطية وإسلامية
تؤصل مبدأ التعدد وتنمي الإجماع الوطني وتصل بالنهاية إلى إنهاء حالة الصراع.
الشخصيات المرشحة للمرحلة الانتقالية
ورشحت بعض الجهات الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي- وزير الخارجية الأسبق
في عهد بومدين- لقيادة المرحلة الانتقالية، على اعتباره الرجل المقبول من طرف
السلطة الحالية والمعارضة بما فيها جبهة الإنقاذ.
وترشح جهات أخرى الشيخ محفوظ
نحناح رئيس حركة التجمع الإسلامي «حماس» للتوسط بين قيادة جبهة الإنقاذ وبين
السلطة لفتح باب الحوار والوصول إلى صيغة تنهي الصراع، وتحسم سياسة الإقصاء
والتهميش.
وترى أوساط سياسية جزائرية أن وقوف أحزاب سياسية
كبيرة كجبهة التحرير الوطني، وحركة حماس وحركة النهضة وأحزاب أخرى كثيرة على أرضية
ثقافية ذات قواسم مشتركة لا تختلف على أصل المرجعية الإسلامية العليا، ستؤدي إلى
تحالف استراتيجي بين هذه الأحزاب، أو إلى تآلف حزبي يحولها إلى قوة ضاغطة على
الساحة يكون بإمكانها الدخول إلى مواقع القرار والمشاركة في صنعه.
وأشارت مصادر مقربة من هذه الأحزاب «للمجتمع» أن
تحركات جادة تجري بهذا الصدد لقطع الطريق أمام أي محاولة تهدف إلى عرقلة مسيرة
الحوار والمصالحة، وقالت نفس المصادر إن توجهات عسكرية من «الوزن الثقيل» بدأت تصب
في هذا الاتجاه مع بعض التحفظات التي ستزول مع الأيام.
ضغوط دولية ومستقبل مجهول
وأشارت جهات مسؤولة في المعارضة أن ضغوطات خارجية بدأت تمارس ضد
المجلس الأعلى للدولة لفتح حوار حقيقي مع المعارضة والعودة إلى النهج الديمقراطي
لاستيعاب المعارضين والمخالفين ودمجهم في الإجماع، كرصيد إيجابي للخيار الديمقراطي. وفي فضاء هذه التوقعات والتخوفات، يرتسم السؤال
الموضوعي على وجه الحالة الجزائرية: هل ستتغلب سياسة ضبط النفس والاستعداد للتنازل
في سبيل المصلحة الوطنية العليا ومصالحة الشجعان، أم أن المناورة ستسود المواقف
ليسود معها حوار الطرشان؟ الباب مفتوح على كل احتمالات، والأيام حبلى بكل مفاجآت.
انظر أيضا:
العشرية السوداء في الجزائر