; الجزائر والبربر والمخلفات الاستعمارية | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر والبربر والمخلفات الاستعمارية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 478

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-أبريل-1980

● الفتن الانشقاقية إنما هي بذور الاستعمار وبرعايته

● الإسلام يحارب النزعات الانفصالية والعنصرية والعصبية

● العرب والبربر أمة واحدة في الأصل وبالإسلام...

النزعات التفريقية

منذ أن ابتليت بلاد الإسلام بالبعد عن تعاليم الدين الحنيف، وهي تنكب كل يوم بفتنة أو مصيبة، تفقد الأمن وتنشر الرعب والخراب أو تعوق التقدم والرخاء، ولقد كان للنزعات القبلية والعصبيات العشائرية والنعرات القومية المنغلقة أسوء الأثر في تشويه الحياة الإسلامية، وإضعاف الدولة الإسلامية على مدى العصور، ولذلك سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوات العصبية بالجاهلية، ونفى من دائرة الإسلام والمسلمين كل ما يمت إلى العصبية على اختلاف أنواعها ومدلولاتها من الدين.

وطالما شجع أعداء الإسلام -وعلى رأسهم اليهود- قديمًا والاستعمار الكافر حديثًا والحكومات الفعلية المتسلطة على بعض الدول الإسلامية كل أشكال التفرقة ليثيروا الفتن ويزرعوا الشقاق، ويقتلوا روح الأمة وكيانها بالتقزم حول العصبيات والنعرات، والتشرذم وراء النزاعات الهامشية والتقاليد البدائية والحمية الجاهلية، ليبعدوهم عن روح الدين الإسلامي وجامعته التوحيدية الكبرى.

ولذلك شجع الاستعمار المذاهب الانشقاقية في أطراف العالم الإسلامي، وزاد من حدة الصراع القبلي، وأبعد الناس عن القرآن واللغة العربية ليلتفتوا إلى العاميات المحلية والآداب الجاهلية الوثنية، وبذلك يسهل التسلط عليهم طالمًا أن بعضهم يحارب بعضًا ويكره جزء منهم الآخر، وهذا ما نشاهده حاليًا في لبنان وسورية وأجزاء من الشمال الأفريقي وأطراف أخرى من العالم الإسلامي وغير الإسلامي.

وما كان لهذه السياسات الاستعمارية الخبيثة أن تنجح لولا بعد المسلمين عن قيم دينهم ومبادئه، ذلك أن الإسلام يوحد الصفوف ويؤاخي بين المسلمين، ويحرم كل دواعي الفرقة والفساد، وعلى رأسها العصبيات الهدامة والانحيازات العنصرية المخربة.

السياسات الفرنسية في الجزائر

ولقد كان أحد الأهداف الرئيسية للاستعمار الفرنسي للجزائر، منذ بدء غزو هذا القطر العربي الإسلامي عام 1830م محو الخصائص القومية الإسلامية لسكان هذا القطر، وفصله عن الأمة العربية المسلمة، تمهيدًا لإدماجه نهائيًا في الوطن الفرنسي، وظلت هذه السياسة مسيطرة لدى حكومة باريس ولدى المقيمين المخربين الفرنسيين حتى برهنت حرب التحرير الجزائرية على فشل تلك السياسة.

ولقد كان من مظاهر محاربة الفرنسيين للثقافة الإسلامية في شمال أفريقيا والجزائر خاصة، القضاء على المراكز الثقافية المزدهرة في الجزائر من القرنين الرابع عشر والخامس عشر/ وكانت مدينة تلمسان وقسنطينة من أشهر هذه المراكز، وكذلك أغلقت نحوا من ألف مدرسة ابتدائية وثانوية وعالية، كانت موجودة في الجزائر عام 1830، وكانت لا تسمح بفتح المدارس القرآنية وتغلق ما هو موجود منها، وأحلت محلها مدارس الإرساليات التبشيرية التي كان لها برامج مدروسة، تهدف لتمجيد فرنسا وتاريخها وقوادها والعناية باللغة الفرنسية وأمجادها، مع الحرص على الحط من الحضارة العربية الإسلامية...

واستعان الفرنسيون في تنفيذ هذه الخطة اللعينة بحرب الإبادة وحرق المزارع وتدمير القرى وقطع الأشجار والتخطيط للمجاعات الرهيبة «كما حدث عام 1867».

وأقدمت السلطات الفرنسية سنة 1874 على إغلاق المحاكم الإسلامية في منطقة القبائل، لتستعيض عنها بمحاكم أخرى تلتزم بالعرف لا بالدين.. وحولت المساجد إلى كنائس، واستخدمت أموال المسلمين لمحاربتهم وتنصيرهم.

وفي ذلك يقول الكاردينال «لافيجري» عام 1930: «علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدًا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور مدنية نابعة من الإنجيل».

وعمدت السلطة الاستعمارية الفرنسية إلى خطة قذرة تعتمد على التفريق العنصري وإذكاء التفرقة بين العرب والبربر، ولم تبخل في سبيل ذلك ببذل كافة الجهود حتى أنها استعانت ببعض الدارسين، الذين ادعوا استنادًا إلى بعض الادعاءات المورفولوجية «علم المقومات الإنسانية» أن البربر ينحدرون من أصل اسكندينا في غير عربي.

البربر وأصولهم

والحقيقة أن البربر ينحدرون من أصول عربية، ولكنهم تغيرت لغتهم بسبب سكناهم الجبال وانعزالهم عن غيرهم، ولعل اسم «البربر» أطلق عليهم، بسبب لغتهم التي تغيرت عن أصولها العربية، فأصبح غيرهم لا يفهمها حتى قيل لهم -كما تشير إلى ذلك بعض المصادر القديمة-: «ما أكثر بربرتكم» فسموا بالبربر، ولو رجعنا إلى القاموس المحيط للفيروز أبادي لوجدناه يقول: «البربرة صوت الماعز، وكثرة الكلام والجلبة والصياح ودلو بربار: لها صوت، و بربر جيل، والجمع برابرة، وهم بالمغرب وأمة أخرى بين الحبوش والزنج وكلهم من ولد قيس عيلان».

وهكذا نرى أن اشتقاق كلمة «بربر» عربي، ويفسر هذه التسمية تغير لغتهم عن أصلها العربي بسبب البعد والعزلة، وما زالت اللغة البربرية تكتب بحروف عربية، ويتكلم بها أكثر من عشرة ملايين متفرقين في شمال أفريقيا، وغالبيتهم في الجزائر وأكثرهم يتقنون العربية، ويتكلمون بها ما عدا الطوارق، وهم بربر الصحراء البدو وكثير منهم يتعلم الفرنسية والإسبانية أيضًا، وتتمركز غالبيتهم في جبال الأطلسي ولهم مدن وقرى كثيرة، وكثير منهم مزارعون ورعاة، والبربر مسلمون سنيون على المذهب المالكي، ما عدا بربر جربا في تونس ومناطق أخرى في ليبيا فهم من الخوارج.

وأما كلمة «البربرية» الذي طالما أسيء للبربر بسبب ما تدل عليه من الإثم والتوحش فهي كلمة مشتقة من الإغريقية «barbaros»، وهو الاسم الذي كان الإغريق يطلقونه على كل الأجانب حتى الرومان، وصار الاسم مقترنًا بالهمجية التي كان اليونانيون يصمون بها أعداءهم، واقتبسها الرومان وأطلقوها على غيرهم ، وعلى الشعوب التي لم تخضع لتأثيراتهم وحضاراتهم والتبعية لهم.

وهكذا نرى أن كلمة «بربرية» ليست عربية الأصل، وليست نسبة إلى كلمة «البربر» عربية الأصل، بل هي اصطلاح مقتبس حرفيًا من اليونانية، ويستعمله البعض دون فهم ويصمون به البربر، أو يعتبرونهم بهذا الإطلاق الأهوج أصل الإثم والهمجية...

والبربر قوم أشداء طالما قاوموا الغزاة من الرومان وغيرهم، ولكنهم استجابوا للفتح الإسلامي ودخلوا في الدين أفواجًا، حتى أصبحوا حماة الدين وحملة راية الحضارة العربية الإسلامية في الشمال الأفريقي، وإلى الأندلس وأوروبا أيضًا، ولقد امتزج العرب الفاتحون والبربر امتزاجًا كليًا بالعقيدة والتعامل، والتزاوج، حتى أصبح من المستحيل التفريق بينهم.

ولقد كان للبرير دور كبير في مقاومة الاستعمار الفرنسي، سواء في الجزائر أو المغرب، ولقد انطلقت الشرارة الأولى لحرب التحرير التي دعا إليها مؤسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- من ذرى الأوراس الأشم ،وفي قمم الجبال وبين البربر الذين لا يقلون حماسة للإسلام والعربية، وكرها للاستعمار الكافر عن غيرهم، فقد كان تلاميذ الشيخ -رحمه الله- يتحدثون معه عن كيفية خلاص الجزائر من قبضة الاستعمار، فكان يشير إلى الجبال قائلًا: «هناك سيكون الخلاص»…

الجزائر والبربر....

المسألة البربرية:

والحقيقة أن ما يعرف اليوم باسم «المسألة البربرية» في الجزائر، إنما هو اختراع فرنسي ملفق جاء في سياق السياسة الاستعمارية التقليدية أيام الاحتلال، والمبنية على سياسة «فرق تسد»، فقد كان الفرنسيون يسعون كثيرا إلى تشجيع الفصل بين البربر وغيرهم، والتركيز على عاداتهم ولغتهم القديمة، وجعلهم متميزين عن باقي الشعب لغرس الخلاف والتفرقة، ففي سنة 1930 وضعت قوات الاحتلال قانونًا ينظم سياسة تربوية خاصة بالسكان البربر في الجزائر، لمنعهم من دراسة اللغة العربية ، ولتوجههم نحو المدارس الفرنسية، بل صدر قانون آخر يحظر على أعضاء جمعية العلماء دخول المناطق التي يسكنها غالبية من البربر.

ولكن السياسة الفرنسية باءت بالفشل بجهود المخلصين من أبناء البربر، الذين حاربوا السياسة الاستعمارية التقسيمية، وبجهود جمعية العلماء والسياسيين المخلصين ، الذين كان يمثلهم المرحوم محمد خيضر الذي رفع شعار: «أنا مسلم ثم عربي ثم جزائري»، وكذلك كان لاستمرار حركة التعريب- بعد الاستقلال- أثرها الكبير في وحدة الصف والشعب، ولكن الفرنسيين أفلحوا في تربية بعض الأذناب الذين لا يتكلمون غير الفرنسية، وينادون بالعنصرية والانفصال والتمايز البربري، ويتمثل هذا الاتجاه بحسين آية أحمد الذي حاول عام 1964 وبعد 3 سنوات من الاستقلال أن يقوم بثورة في بلاد القبائل ضد الرئيس «بن بيلا» ولكن الثورة سحقت بمساعدة البربر أنفسهم.

ولجأ حسين آية إلى الخارج، حيث أسس «جبهة القوى الاشتراكية» البربرية، حيث ما زال يمارس دور التآمر كذنب لسياسة الاستعمار الفرنسي الزائلة...

المؤامرات الاستعمارية

يقوم بعض المستشرقين اليهود والشيوعيين بتشجيع الطلبة المسلمين على إعداد رسائل جامعية في اللهجات المحلية، ويركزون على البربرية، مما له أبعاد خطيرة- لا يدركها هؤلاء الطلبة- كما قال دافيد كوهين في إحدى مناقشاته الجامعية، كما أن في باريس ناديا خاصا يرعى اللغة البربرية، والاتجاه البربري في شمال أفريقيا، وذلك من أجل تمزيق المغرب الإسلامي الكبير، والإجهاز عليه بعد إنهاكه في حرب الحدود، ولعل بعض الحكام الخونة يحظون بتقدير عند هؤلاء، لما يقومون به من دور مهم في بث الهرطقة والحقد والكراهية ورعاية الحركات الانفصالية بين شعوب العالم الإسلامي...

ويتمثل الاتجاه الانشقاقي العنصري- الذي بدأت تتضح ملامحه منذ عام 1970 -ببعض الكتاب الحاقدين -بشكل لا يوصف- على كل ما هو عربي ومسلم، منهم «كاتب ياسين» الذي مع كونه غير بربري ولا يعرف اللغة البربرية، فإنه ينادي من فرنسا التي يتردد إليها باستمرار بما أسماه بالتيار الثوري، وهو الأخذ باللغات واللهجات المحلية في الجزائر لإحلالها محل العربية الأم، ولكن تياره الثوري ثم اليساري لم يأخذ بيده إلى غير خدمة الانفصالية واللغة الفرنسية متقمصا الدعوة البربرية..

ومن هؤلاء أيضًا مولود معمري الذي يدفعه حقده على الإسلام وتشبعه بالاستعمار الفرنسي إلى تبني الحركة الانفصالية والتنكر للشعب الجزائري وتراثه، ومنذ عام 1952 كان كتب رواية أطلق عليها اسم «النهضة المنسية» اعتبرت دعوة صريحة للتمايز القبلي، وكان في ذلك الوقت قبل اندلاع حرب التحرير بعامين داعية لأماني الاحتلال الفرنسي ذنبًا من أذنابه.. وبقي على تذنبه الفكري حتى انفجار الحوادث الأخيرة التي انطلقت شرارتها عقب منع السلطات الجزائرية لمعمري هذا من إلقاء محاضرة في جامعة «تيزي أوزو» عاصمة منطقة القبائل حول «الشعر البربري القديم»، وأثار الطلاب من أتباع هذا المشبوه اضطرابات ومشاغبات كثيرة اضطرت الحكومة إلى إغلاق الجامعة لوقت محدد، وقامت الجرائد الفرنسية بتضخيم الأخبار والتحدث بشكل مثير عما أسمته «نضال البربر من أجل الاعتراف بتراثهم الثقافي» وخصصت لهذا الموضوع مساحات واسعة، واستوت في هذا الأمر صحف اليمين: «الأورور والفيفارو» مع الصحف الليبرالية «لوموند» مع صحف اليسار «ليبراسيون ولوماتان»، وقد فتحت الصحيفة الأخيرة صدرها «لمولود معمري» هذا ليرد على جريدة «المجاهد» الجزائرية الرسمية، يتحدث فيها عما يسميه «بالقلق القبائلي»، وليس في واقع الأمر غير قلق أسياده من الصحوة الإسلامية في الجزائر، ولذلك يسعون عن طريق أتباعهم لبث الفتن والقلاقل والتشرذم علها تكبت تقدم الدول الإسلامية ونهضتها...

وبعد:

إذا تركنا هؤلاء الأذناب وما يثيرونه من شبهات وضجة فارغة، فإن المواطنين الشرفاء في الجزائر وغيرها من الشمال الأفريقي من البربر وغيرهم يدركون أبعاد المؤامرة، ويقفون سدًا منيعًا في وجهها مدركين أن تلامذة الاستعمار- كآية أحمد- يريدون أن يؤكدوا وجودهم بعمالتهم، وأن هذه التحركات المشبوهة لها أمثلة على الصعيد السياسي والثقافي في مشرق العالم العربي وغربه، وفي أفريقيا كلها وهي تهدف في النهاية إلى تحطيم قوى الشعب، وقتل وحدته وإزهاق روحه الإسلامية.

وإن واجب الحكومات العربية وشعوبها أن يكون لديهم من الوعي والإدراك الكامل لملابسات الوضع الحرج للعالم العربي والإسلامي في وقتنا الحاضر، وشراسة الهجمة الاستعمارية عليه من الخارج والداخل، والتخطيط السليم لإحباط المؤامرات الاستعمارية، والشعب الجزائري البطل الذي أنجب أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي كان لقصيدته التي مطلعها: «شعب الجزائر مسلم، وإلى العروبة ينتسب»، وقع الصاعقة على رؤوس الاستعمار وأذنابه، إضافة إلى جهاده وتنظيمه لحركة العلماء والكفاح المسلح، حتى شاء الله تعالى لأتباع الشيخ وتلاميذه أن يقهروا المستعمر الغاشم... أمثال هذا الشعب لا يضره نقيق الضفادع، وإن كان يزعج أحيانًا ويقطع الهدوء.

الرابط المختصر :