العنوان الجسد الواحد وصنائع المعروف شفاء
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1749
نشر في الصفحة 43
السبت 28-أبريل-2007
معاني الخير وصنائع المعروف هي التي تهون على المؤمن كل صعب، وتفرج عنه كل كرب، والأخوة في الله هي التي تشد من أزره وترفع من قدره، وتسانده في عزمه، والخلة الطيبة هي التي تقوي ساعده، وتشاركه أفراحه وأتراحه، وتخفف عنه ألمه، وتذيبه في المعالي والمناشط الكريمة، وتفتح عقله، وتزكي روحه، وتقوي زنده وتنصح له، وتحس أوجاعه وتسدد خطوه، وتذوب في روحه وإحساسه، وتستقي من معين رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
وقد كان مما يؤثر عن السلف الصالح أن أحدهم كان يقول: والله إني لأطعم أخي اللقمة فأجد طعمها في حلقي. وصدق من قال:
لَيْسَ ليلي مَنْ يُقَاسِمُنِي هُمُومِي **** وَيَرْمِي بِالْعَدَاوَةِ مَنْ رَمَانِي
قال لي صديقي قولًا، فقلت له: إن معاني الخير وصنائع المعروف لا توجد في الرجال المهازيل، ولا في نفوس الصغار، والشهامة والكرامة لا تشترى بالمال ولا تباع في أسواق النخاسة، وإنما هي طبائع وعزمات يربى عليها الرجال حتى ولو كانوا في الجاهلية وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: يوسف بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا.
فالرجال صفات وعزمات وعقول، وفي الخبر موقوفًا ومرفوعًا: «العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمته، والرفق والده، واللين أمه، والصبر أمير جنوده». وقال سفيان الثوري لأصحابه: تدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد. قال: «أن تضع الأمور في مواضعها؛ الشدة في مواضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه».
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ****** مضر كوضع السيف في موضع الندى
وقيل خاصية الأخوة هي الألفة والأنس في القلوب، يتولاه الإنسان في نفسه ولا يوليه غيره. وهي ارتياح القلوب وانشراح الصدور، ووجد السرور، وفقد الوحشة، وزوال الحشمة. أما الخليل فهو فوق الحبيب، ولا يكون هذا إلا في عاقلين عالمين عارفين مبصرين، على معيار واحد، وطريق واحدة، وهذا أعز موجود وأغرب معهود. والخلة مأخوذة من تخلل الأسرار، ومعها تكون حقيقة الحب والإيثار، والخلة تحتاج إلى فضل عقل ومزيد علم وهمة رجولة، وقوة تمكين، وهذا لا يكون في كل محبوب، فلذلك عز طلبه وجل وصفه، وقال فيه من قال:
ثلاثة من الغرائب «الغول، والعنقاء، والخل الوفي»، ولهذا قيل: الأحزان في الدنيا ثلاثة: خليل فارق خليله، وولد ثكلته أمه، ورجل افتقر بعد غنى.
ودائمًا أبدًا يكون الله مع المتقين. عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما ألقي إبراهيم في النار جارت عامة الخلائق إلى ربها، فقالوا: يا رب خليلك يلقى في النار، فأذن لنا أن نطفئ عنه. قال: هو خليلي، ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا ربه، ليس له رب غيري، فإن استغاثكم فأغيثوه، وإلا فدعوه. فجاء ملك القطر فقال مثل قولهم، فأجيب مثلهم. فلما ألقي إبراهيم في النار دعا ربه، فقال الله -عز وجل-: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب، فلم ينضج لهم طعام ولا كراع. والمؤمنون اليوم ليس لهم إلا الله حسبهم ووكيلهم، ربهم، فهل يضيعون؟! وحسبهم خلة الصالحين وأخوة إخوانهم في المشارق والمغارب ودعاء الصالحين والمتقين في أرجاء المعمورة، فهل يتركون؟ لا أظن، وإنما هو امتحان واختبار، فهل ننجح فيه؟
وخير عاصم في أيامنا هذه هو تقوى الله والتقرب إليه ومخاللة الصالحين من عباد الله والأخوة معهم، والالتحام بهم، فإنهم العز في الدنيا، والفوز في الآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: «من أراد الله به خيرًا رزقه خليلًا صالحًا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه». وفي الأثر: مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وما التقى مؤمنان قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه.
وهذه الحياة التي كثر فيها النفاق والرياء والخداع والانجراف نحو الرذيلة، هل يكون العاصم فيها إلا الصحبة الطيبة والأخوة الحانية التي تزرع الألفة وتطرد الضيق والبؤس والقنوط، وتصل الإنسان بروح أخيه عن قرب أو عن بعد صف واحد وهدف واحد وأمل واحد، وحب كبير؟ وقد ورد: لو أن عبدين تحابا في الله أحدهما في المشرق وآخر في المغرب يجمع الله بينهما يوم القيامة، يقول: هذا الذي كنت تحبه في. وهل تشعر يا أخي ما يردده إخوانك في ورد الرابطة: اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، فإنك نعم المولى ونعم النصير.
وقال الفضيل بن عياض: نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة ... عبادة، والمؤمن كريم يفتح صدره لأخيه ويزيل عنه همومه ويعفو عن زلاته، فكفاه من مقارعة الفساد، والوقوف أمام الباطل فتنة وضيقًا. ولهذا قال القائل:
خذ من خليلك ما صفا *** وذر الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معاتبة *** الخليل على الذي فه الكدر
ولهذا كان الحب في الله كالدواء يذهب البأس ويداوي الجراح ويبرئ العلل ويبهج الصدور.
ومن طريف ما يروى أن الشافعي -رحمه الله- كان يحب محمد بن عبد الحكم المصري ويقربه، ويقول: ما يقيميني في مصر غيره. واعتل محمد فعاده الشافعي -رضي الله عنه- وقال:
مرض الحبيب فعدته *** فمرضت من حذري عليه
فأتى الحبيب يزورني *** فبرئت من نظري إليه
وبعد: فهل يمكن إذا تمكنت الأخوة من القلوب أن يفرقها إنسان أو يعبث بها جبان؟ وهل يمكن أن يحل عقدًا عقده الرحمن ويغيب شمسًا أضاء بها المشرقان، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32) صدق الله العظيم.