; الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وتحديات المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وتحديات المستقبل

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992

مشاهدات 71

نشر في العدد 987

نشر في الصفحة 22

الأحد 02-فبراير-1992

تشمل الجمهوريات الإسلامية فيما كان يعرف إلى عهد قريب بالاتحاد السوفياتي مساحة تمتد ما بين بيترجراد في خليج فنلندة إلى فلاديفو ستوك في بحر اليابان وقد قام البلشفيون باحتلال هذه الأراضي الإسلامية الواقعة في وسط آسيا مثلما اغتصبها الجيش الأحمر في العقدين الثاني والثالث لهذا القرن المليء بالاضطرابات وذلك عن طريق خداع قادة هذه الجمهوريات باسم الحكم الشعبي والعمل المشترك والتحول الاقتصادي.

وقد تم كل ذلك طبعًا بمباركة من نيكولا فلاديميرالييش لينين وأتباعه ومن جاءوا بعدهم وقد شاءت الأقدار في تلك الأيام أن قادة هذه المناطق التي كانت تتمتع بحكم ذاتي والتي يقطنها أكثر من ستين مليون مسلم إلى جانب الملايين من مهاجرين روس مسيحيين لم يكونوا موحدين صفوفهم بما فيه الكفاية لتكوين جبهة سياسية قادرة على مواجهة المكائد القيصرية القديمة والتي ترجمتها موسكو إلى غزوات متكررة وعنيفة وساعدها في ذلك وجود خلافات عرقية ولغوية وتعقيدات إدارية بين هذه المناطق مما حولها إلى لقمة سائغة في فم الغزاة السوفيات الذين نهبوا ممتلكات سكانها وهدموا بيوتهم وأزهقوا من الأرواح ما لا يقل عن ستة ملايين مسلم سواء بالإعدام أو النفي إلى سيبيريا.

أثر الجهاد الأفغاني

وقد ظل مسلمو وسط آسيا تحت نير الاستعمار السوفيتي طوال سبعين سنة ذاقوا خلالها ألوان البطش والعذاب إلى أن جاء المجاهدون الأفغان الذين تحدوا الجبروت الروسي ومهدوا طريق الاستقلال لهذه الجمهوريات بعد انهيار النظام الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفيتي. وهكذا استعاد المسلمون هويتهم الإسلامية وشملت النهضة الإسلامية أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان.

الثروة والسكان

وإلى جانب موقعها الاستراتيجي الفريد ومساحتها التي تعادل مساحة الهند فإن الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا تزخر بموارد طبيعية وزراعية وطاقات صناعية تجعلها في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية إذ إنها غنية بالفحم والنفط والغاز والحديد والقصدير والنحاس والرصاص والخارصين والكبريت والباريت والجير والملح والأسمنت والجبس وكميات هائلة من منتجات زراعية قابلة للتصدير كالفواكه والخضار واللحم والدواجن والأرز والقمح والذرة والزبدة والزيت والقطن والسكر وينتشر غالبية المسلمين في أذربيجان «23.436 ميل مربع، 8 ملايين نسمة» وقيرغيزيا «76.642 ميل مربع، 5 ملايين نسمة» وكازاخستان «1.064.092 ميل مربع، 20 مليون نسمة» أوزبكستان «158.068 ميل مربع، 22 مليون نسمة» وطاجيكستان «5.54.019 ميل مربع، 5 ملايين نسمة» وتركمانستان «188.417 ميل مربع، 5 ملايين نسمة».

المسلمون تحت الضغط الروسي والقهر الشيوعي

ولقد تعمقت جذور الإسلام في وسط آسيا منذ القرن الأول من البعثة النبوية ودخلت أفواج من سكان مدن مثل بخارى وسمرقند في الإسلام بينما تأخر البعض الآخر لقرون لاحقة. وقد تعرض هؤلاء المسلمون لضروب التنكيل تحت الاستعمار الروسي الذي بدأ في القرن السادس عشر عندما احتلت قوات إيفان الرهيب مدينة كازان ثم حربية ثم شمال أذربيجان وشمال القوقاز وأخيرًا تركستان.

وبعد أن أحكمت الحكومة الروسية سيطرتها على الشعوب الإسلامية عمدت إلى نهج سياسة اللامبالاة تجاه المسلمين لكن بعض المنصرين الروس انتهزوا هذه الفرصة خلال الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لفرض الديانة المسيحية على مسلمي آسيا الوسطى وإخراجهم من النور إلى الظلمات غير أنه عندما علمت السلطات الروسية بأن هذه الحملة الشعواء قد تحول المنطقة إلى بركان منعت من كل النشاطات التبشيرية.

وكانت الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الروسية الإسلامية طالما لا تتعارض الأحكام مع القوانين الروسية، وقبيل ثورة عام 1917 شهدت المنطقة نهضة إسلامية كبيرة وانتشرت المساجد في كل مكان وبرز على الساحة علماء ضالعون في العلوم الإسلامية.

وكان المسلمون يتطلعون إلى مزيد من الحريات في بداية الثورة نتيجة الوعود الزائفة والمراوغات الرعناء من جانب الثوار ويومها أخطأ المفكرون المسلمون في حساباتهم عندما أيدوا النظام الجديد طمعًا في تحقيق بعض أهدافهم ولم تمض فترة طويلة إلا وتحول المسلمون إلى ضحايا هذا النظام الشيوعي الذي ارتكب مجازر رهيبة في تركستان عام 1923 والتي أعقبتها جرائم ستالين في عام 1928 عندما أقدم على قمع كل أنواع المقاومات الإسلامية فأزهق أرواح المسلمين وزج البعض في غياهب السجون وهدم بعض المساجد وحول بعضها الآخر إلى متاحف ومستودعات أو أماكن اللهو، ولم يقف عند هذا الحد بل استمر في طغيانه فوضع يده على الأوقاف ومنع الحجاب وممارسة الشعائر الدينية.

وقد ظلت الأمور كذلك إلى نشوب الحرب العالمية الثانية عندما انتاب ستالين الذعر إثر الغزو الألماني فلم يجد بدًا من محاولة جذب تأييد الجماهير له في مقاومته ضد الألمان وكان من بين الدروع الواقية تخفيف القوانين الصارمة ضد كل الديانات وكان من نصيب المسلمين أن فتح لهم مراكز دينية خاصة في كازان وطشقند وماخاشكالا وباكو كما عين في كل من المدن الثلاثة الأولى مفتيا يتولى فيها الزعامة الروحية، بالطبع فقد كان الهدف من ذلك تهدئة مشاعر المسلمين وإرضاؤهم ولكن أيضًا محاولة لإحكام السيطرة عليهم عبر قنوات ومؤسسات رسمية تتحمل هذه المهمة.

تهجير المسلمين

وهناك أيضًا حدث آخر وقع أثناء الحرب العالمية الثانية ومازال راسخًا في أذهان الشعوب المسلمة ألا وهو إبعاد قوميات مسلمة بأكملها عن مواطنها، وكان أبرز هذه الحملات إبعاد التتار الكريمين إلى آسيا الوسطى وأربع قوميات أخرى كانت تقطن شمال القوقاز. وهم الشاشان والأنجوش الكاراتشي والبلغار وكذلك المقطين الأتراك وكلهم راحوا ضحية هذه السياسة الرعناء بما في ذلك مسلمو جورجيا الذين طردوا أيضًا من منازلهم.

وعلى الرغم من كثرة الاضطهادات فقد بينت دراسات أجريت ما بين السبعينيات إلى الثمانينيات أن المسلمين أكثر تمسكًا بتعاليم دينهم من غيرهم وأن نسبة المتدينين كبيرة جدًا لدى حاملي الشهادات الجامعية العليا كما أن العادات الإسلامية مازالت موجودة عندهم مثل الختان وغيره.

* يجب أن تحدد الجمهوريات الإسلامية سياستها المستقبلية تجاه جيرانها وتجاه بعضها البعض حتى تصبح قوة ذات تأثير.

العودة للإسلام

وبعد وفاة بريجنيف عام 1985 وتولى غورباتشوف السلطة دخل المسلمون مرحلة البروسترايكا ولم يكن غورباتشوف متعاونًا مع المسلمين في البداية ولكنه سرعان ما غير  المسلمين المنتمين للحزب الشيوعي كما لجأ أيضًا لإيجاد حل للمشاكل الاجتماعية حيث لم يتأخر في إصدار قوانين صارمة ضد التجارة والإدمان بالخمر والمخدرات والكسل والجرائم وما إلى ذلك وتبع ذلك رفع جميع القيود على ممارسة الإسلام فتم فتح المساجد من جديد وأخذ الزعماء المسلمون يظهرون على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد كما تم نشر وترجمة برامج قرآنية باللهجات المحلية وشهد المسلمون نهضة إسلامية كبيرة بعد أن استعادوا حرياتهم المفقودة.

الجمهوريات الإسلامية والمستقبل

بالطبع فإن الأراضي الإسلامية في وسط آسيا تزخر بالموارد الطبيعية مثلما تجود بجميع أنواع الخيرات ويتبقى هناك تحديات جمة تنتظر هذه الجمهوريات بعد نيلها الاستقلال الذي كانت تطمح إليه وتتبلور هذه التحديات في كيفية ترشيد واستغلال هذه الموارد والثروات بما فيها الأسلحة النووية التي ورثتها من الاتحاد القديم بشكل يعود بالنفع على الشعوب الإسلامية هناك، ثم إن هذه الجمهوريات لم ترسم بعد معالم سياسة داخلية أو خارجية واضحة سواء في علاقاتها مع بعضها البعض أو مع الدول المجاورة وغيرها وما أحوجنا إلى هذه الجمهوريات التي جعلت الغرب يتزلف إليها فهل ننتظر إلى أن يفوت الأوان كالعادة؟

الرابط المختصر :