العنوان الجنوب.. صعدة.. التوريث.. ألغام في طريق الوحدة اليمنية!
الكاتب عادل أمين
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2008
مشاهدات 52
نشر في العدد 1810
نشر في الصفحة 28
السبت 12-يوليو-2008
- الوحدة اليمنية تواجه تحديات وأخطارًا ما زال النظام الحاكم يرفض الاعتراف بها كأزمات ومشكلات تستوجب البحث عن حلول.
- الديمقراطية اليمنية لم تكن نتاج تراكم طبيعي بقدر ما كانت مخرجًا لأزمة الحكم الشمولي في شطري البلاد قبل الوحدة.
- التحولات في المعسكر الشرقي والأزمات الداخلية والصراعات السياسية ساعدت على تهيئة المناخ الملائم لإعلان الوحدة بين الشطرين.
- حزب المؤتمر الحاكم قام بتعطيل كل مؤسسات الدولة وبخاصة المؤسسة التشريعية وجعل منها إحدى دوائر لجنته العامة!.
- رغم إجراء ست عمليات انتخابية في ظل الوحدة إلا أنها لم تنجح في تكريس مبادئ الديمقراطية وتحويل مبدأ التداول السلمي للسلطة إلى واقع ملموس
بالرغم من نشوب حربين متتاليتين بين شطري اليمن عامي ۱۹۷۲، ۱۹۷۹م، بالإضافة إلى دخولهما في مناوشات وأعمال تخريب مطلع الثمانينيات «حرب المناطق الوسطى في الشمال» إلا أن تلك الصراعات كانت أحد الأسباب التي ساهمت في التقريب بين الجانبين، وتهيئة الأوضاع السياسية للدفع بمشروع الوحدة نحو الأمام.. فقد أرست اتفاقية القاهرة في أكتوبر ۱۹۷۲م أسس مسيرة الوحدة، فيما أكدت اتفاقية الكويت عام ۱۹۷۹م على تلك الأسس ودفعت باتجاه إعداد مشروع دستور دولة الوحدة.
وفي النصف الثاني من عقد الثمانينيات طرأت تحولات مهمة على الساحتين الدولية والمحلية عكست نفسها على الوضع الداخلي لليمن منها: سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، إضافة إلى أحداث ١٣ يناير ١٩٨٦م الدامية التي هزت المجتمع اليمني، ليس فقط في جنوب الوطن ولكن على مستوى علاقاته الخارجية أيضًا، ويمكن القول بأن التحولات في المعسكر الشرقي إلى جانب الأزمات الداخلية والصراعات السياسية في كلا الشطرين ساعدت على تهيئة المناخ الملائم للتسريع بعملية إعلان الوحدة بين الشطرين، فالوحدة كانت أفضل المخارج المتاحة للخروج من الاحتقان الذي عانى منه النظامان الحاكمان، حيث تأكلت شرعية النظام السياسي، وضعفت مؤسسات الدولة، وزاد تدخل المؤسسة العسكرية في صنع القرار السياسي، إلى جانب نمو النفوذ القبلي، فضلًا عن عجز النظامين عن تفهم وتوصيف مشكلات التخلف والمديونية والبطالة والتضخم وتردي الأوضاع المعيشية للمواطنين.
- مكاسب الوحدة
يحسب للأمين العام السابق للحزب الاشتراكي اليمني «علي سالم البيض» فضله في تعجيل تحقيق وحدة الشطرين الاندماجية بشكل كامل، في الوقت الذي كان الطرح المقترح آنذاك وحدة تدريجية، ويُحسب له أيضًا تنازله في سبيل الوحدة من رئاسة الدولة كقائد أول إلى قائد ثان «نائب رئيس»، وقبوله تحويل مدينة «عدن» إلى عاصمة ثانية بعد أن كانت عاصمة دولة مستقلة معترف بها دوليًا.
وبفضل الوحدة تحقق عدد من المكاسب أهمها: ارتباط الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية بها، وتأكد دستوريًّا مبدأ «حق التداول السلمي للسلطة»، كما مكنت اليمن من حل جميع نزاعاته الحدودية مع جيرانه، وصار له حضور إقليمي مقبول في المنطقة، لاسيما في القرن الإفريقي من خلال تجمع دول صنعاء، وأهم من ذلك أنه صار بإمكان اليمن طرق أبواب مجلس التعاون الخليجي للانضمام إلى هذه المنظومة الإقليمية التي بدأت تنفيذ مشروع تأهيل اليمن اقتصاديًّا وتحملت أعباء مالية ضخمة في سبيل ردم الهوة الساحقة التي ما زالت تفصل بين الجانبين.
إخفاقات: ويرى بعض الباحثين والمراقبين السياسيين أن تجربة الوحدة اليمنية، وبالأخص في فترتها الانتقالية (۱۹۹۰-۱۹۹۳م) والتي استمرت عامين ونصف العام، قد أخفقت في عدد من القضايا، أهمها:
-نقل مبدأ التوازن السياسي من المستوى المجتمعي العام إلى قمته وأجهزته التنفيذية العليا.
-تطبيق أفضل ما في تجربة الشطرين وتعميمه.
-مواجهة الأزمة الاقتصادية، وتراكم الأعباء على الشريحة العظمى من المواطنين.
-فشل شركاء الوحدة في تخطي هواجسهما ضد بعضهما، وإزالة مخاوفهما، والعمل المشترك لبناء دولة الوحدة، فيما بقي دور الأحزاب السياسية الأخرى هامشيًا، ولم تستطع تشكيل قوة ضغط سياسية فاعلة، وظل أغلبها يدور في فلك الحزيين الحاكمين([1])
كما لاحظ البعض أن إجراءات إنجاز الوحدة اليمنية، وما رافقها من عمليات تقاسم بين الحزبين الحاكمين في الشطرين قاد إلى ثلاث نتائج رئيسة هي:
أولًا: الوحدة لم يرافقها برنامج سياسي يحدد المهام المختلفة المطلوب أداؤها .
ثانيًا: الربط العضوي بين الوحدة والديمقراطية لم يكن مستندًا على وثائق منظمة للحياة السياسية.
ثالثًا: الدور المحوري لحزبي «المؤتمر» و«الاشتراكي» قاد إلى تغييب المشاركة المباشرة والفاعلة للأحزاب والقوى السياسية الأخرى التي اقتصر دورها على
- المشاركة السلبية([2])
تحديات
يذهب بعض الباحثين السياسيين([3]) إلى أن أهم التحديات التي تواجهها دولة الوحدة هي:
-التحدي الديمقراطي.
-التحدي الاقتصادي والاجتماعي.
- تحدي إقامة دولة المؤسسات والقانون.
فالديمقراطية التي جاءت مصاحبة لميلاد الجمهورية اليمنية لم تكن نتاج تطور تراكمي طبيعي في البنية السياسية بقدر ما كانت مخرجًا لأزمة نظم الحكم الشمولية في شطري اليمن قبل الوحدة، كما برزت ظاهرة انتفاء وجود تقاليد للحوار وللعلاقات الديمقراطية داخل إطار كل حزب، أو فيما بين الأحزاب السياسية([5])
وبالرغم من إجراء ست عمليات انتخابية في ظل الوحدة، إلا أنها لم تنجح في تكريس مبادئ الديمقراطية وتحويل مبدأ التداول السلمي للسلطة إلى واقع ملموس، بل إنها كرست هيمنة الحزب الواحد، وأوجدت ديمقراطية شكلية تعيد إنتاج نفسها في صورة واحدة استعصت على التغيير، ونتيجة لذلك فقد ظلت السلطة محتكرة من قبل الحزب الحاكم «المؤتمر» الذي تمكن من إقصاء جميع شركائه، وانشغل في كيفية تحجيم دورهم السياسي.
وفيما يتعلق بالتحدي الاقتصادي والاجتماعي فقد فشل النظام القائم بعد استفراده بالحكم في توظيف الإمكانات الهائلة للبلد، وإنعاشه اقتصاديًّا، وتحقيق الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للمواطنين وتوفير فرص العمل لهم، والحد من ظاهرتي الفقر والبطالة المتصاعدتين، كما لم يتمكن من معالجة القضايا الاجتماعية وتطبيق مبدأ المواطنة المتساوية بين جميع أفراد الشعب.. وهو ما ظهرت آثاره في شكل حركة احتجاجية متنامية في الشارع الجنوبي خلال الفترة الأخيرة.
أما بشأن إقامة دولة المؤسسات والقانون فقد سعى الحزب الحاكم إلى تعطيل كل مؤسسات الدولة، وبخاصة المؤسسة التشريعية التي جعل منها إحدى دوائر اللجنة العامة للمؤتمر، والشيء ذاته ينسحب على مؤسسة الجيش والأمن ورئاسة الوزراء والقضاء.
- ألغام في طريق الوحدة
الوحدة اليمنية تواجه الكثير من التحديات والأخطار التي ما زال النظام الحاكم يستخف بها ويرفض الاعتراف بها كأزمات ومشكلات تستوجب البحث عن حلول تلك الأزمات على وشك أن تنفجر في وجه النظام، والبعض منها انفجر بالفعل «حرب صعدة مثالًا»، ورغم ذلك يحاول النظام الهروب من مواجهتها وحلها بروح وطنية، ويلقي بتبعاتها على أحزاب المعارضة، فيما هو المتسبب الأول في وقوعها.
أما أهم تلك الأزمات التي تعترض طريق الوحدة فهي:
- القضية الجنوبية:
وبدأت بالدعوة إلى إصلاح مسار الوحدة واستيعاب المسرحين من وظائفهم العسكرية والمدنية بعد حرب صيف ١٩٩٤م، لكن الحزب الحاكم رفض التجاوب مع هذه المطالب الاجتماعية، فتحولت إلى مطالب سياسية، فأخذت تدعو إلى حق تقرير المصير والاستفتاء على الوحدة، وهكذا صرنا اليوم أمام نزعة انفصالية داخلية تغذيها أطراف خارجية، فيما فشل النظام في احتواء هذه الأزمة من بدايتها، وعوضًا عن البحث عن حلول وطنية للمشكلة ذهب النظام يعالجها بمزيد من القوة والعنف ضد المحتجين سلميًّا، رافعًا شعار الوحدة أو الموت كــ «قميص عثمان» في وجه مطالب حركة الاحتجاجات الشعبية الجنوبية، وتحولت الوحدة ذاتها «بالنسبة للنظام» إلى أداة يجلد بها خصومه، ويزايد بها عليهم، ويحاكمهم إليها، ويسجنهم باسمها، وليس هذا فحسب بل باسم الوحدة نهبت الأراضي وثروات الوطن وتحولت إلى غنيمة بيد الحزب الحاكم يهبها لمن يشاء، ويمنعها عمن يشاء.. ونتيجة لذلك تصاعدت حدة الاحتجاجات والمطالب الشعبية، وأصبحت -حسب بعض التقارير الدولية -مصدر خطر يتهدد مستقبل النظام.
- ملف «صعدة»
منذ الانتهاء من الانتخابات الرئاسية في سبتمبر ٢٠٠٦م تفجرت حرب «صعدة» مرتين: الأولى في ٢٧ يناير ٢٠٠٧م، والثانية بدأت في الاشتعال بشكل جدي مطلع مايو الماضي ۲۰۰۸م، لتكون الحرب الخامسة في «صعدة» منذ ١٨ يونيو ٢٠٠٤م، ولم يتمكن النظام طيلة خمس سنوات مضت من إيجاد حلول ناجعة لهذه المشكلة، برغم دخول الوساطة القطرية على خط الأزمة.
- قضية التوريث:
جاء على لسان أحد قيادات حزب المؤتمر الحاكم أن اليمنيين يفضلون بطبعهم وجود حاكم كالإمام يحكمهم، جاء هذا في سياق تبريره لصيغة النظام الرئاسي المقترح من الرئيس «علي عبد الله صالح» في مبادرته السياسية الأخيرة، ولا يخفي أركان النظام رغبتهم في توريث السلطة، واستعدادهم للعمل من أجل ذلك، وبعضهم ذهب يبحث منذ الآن عن مكان له في النظام السياسي القادم «نظام ما بعد الرئيس صالح».
والحقيقة أن الديمقراطية اليمنية لم تؤسس لتقاليد راسخة من العمل السياسي الذي يحترم مبدأ التداول السلمي للسلطة بقدر ما كرست هيمنة وسلطة الفرد واستحواذه على كل شيء، لكن إذا حاول النظام العمل في اتجاه التوريث فإنه بذلك سيكون قد أعطى المبرر للمناوئين للوحدة في أن يبحثوا لهم عن مشاريع صغيرة خارج الإجماع الوطني، وهو ما يضع الوحدة على شفا الخطر!◘
- هوامش
[1] «الوحدة اليمنية» د. حسن أبو طالب.
[2] المصدر السابق.
[3] «الوحدة اليمنية والنظام الإقليمي»، سمير العبدلي.
[4] المصدر السابق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل