العنوان الجهاد الأفغاني في نماذج من الشعر الإسلامي المعاصر
الكاتب يحيى بشير حاج يحيى
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988
مشاهدات 54
نشر في العدد 893
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-نوفمبر-1988
- الشعر الأفغاني واكب مسيرة الجهاد.
الشعر الإسلامي فن من فنون الأدب الإسلامي، سواء منه ما كتب بالعربية أم بغيرها من لغات الشعوب الإسلامية، وهو ما كان منطلقا من الإسلام في تصوره للكون والحياة والإنسان، وما عبر عن مكنونات النفس المسلمة التي استقامت على شرع الله تعالى، واستمدت تصوراتها في تفسير الحياة وحركة الإحياء من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، وكان الصراع بين الخير والشر من سنن الله تعالى في خلقه، كان على المسلم أن يلتزم جانب الحق انسجامًا مع عقيدته ودوره في الحياة، كما كان عليه أن يقف في وجه الباطل، وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن ينتفض العملاق المسلم بعد سيات طويل، وأن تتبلور الصحوة الإسلامية فكرًا وعملًا وجهادًا، وأن يكون الجهاد على أرض أفغانستان معلمًا من معالم هذه الصحوة في وجهها الجهادي - فمنذ انطلاقة الرصاصة الأولى، ومع بزوغ تباشير النصر من خلال الدماء الطاهرة وقف الشعر الإسلامي يرصد حركة الجهاد، ويصف المعارك في ملاحم البطولة، ويحدو في مسيرة الدم والشهادة، ويبرز بطولات المجاهدين يتغنى بفدائيتهم واستهانتهم بالحياة في سبيل العقيدة، فتصطحب القوافي حينًا وتعلو نبرتها في ضجيج المعارك. وترق حينًا، وتذرف الدمع على مجاهد قضى أو مهاجر مضى، أو يتيم وأرملةأمسيا بغير معيل.
فماذا قال الشعر الإسلامي المكتوب بالعربية؟ وماذا قال الشعر الإسلامي المكتوب بالتركية والفارسية ولغة البشتو والأردو من خلال نماذج للتمثيل لا للحصر.
إن من يتتبع ما قيل بالعربية يجد عشرات ومئات القصائد والأناشيد التي صاغها شعراء الصحوة المباركة، ولنستمع إلى أحمد محمد صديق في ديوانه أناشيد للصحوة الإسلامية وهو يؤكد أن انطلاقة هذا الجهاد كانت من الإسلام وللإسلام، فهؤلاء المجاهدون البررة يمتثلون أمر الله تعالى في قتال عدوهم:
وصلينا صلاة الحرب لم تهجع لنا عين
ونحن لغير وجه الله في الميدان لا نعنو
هنا كر هنا فر يعج السهل والحزن
وتبلغ في صراع الكفر ما لا يبلغ الظن (1)
ومن خلال نظرة تشمل العالم الإسلامي يرى الشاعر أن المعارك التي يخوضها المسلمون هي في حقيقتها معركة واحدة، وما الجهاد في أفغانستان سوى صورة من صور هذا الجهاد. فالعدو في مظهره الصليبي أو اليهودي أو الشيوعي هو عدو واحد، والمجاهدون في مختلف ساحاتهم هدفهم واحد.
قريب فجرنا الزاهي يبشرنا بتمكين
فلا الإرزاء تطفئه ولا نفخ الثعابين
دم الأبرار والشهداء يغلي في الشرايين
لهيب الجرح في «أفغان» ينزف في فلسطين
وصوت الحرب في «هارات» يصدي في «الفلبين»
عدو شعوبنا أبدًا عدو الله والدين لنا الحسنى...
وللطاغين عقبى الحري والهون (۲)
هذا الجهاد شهادة وهجرة، وابتلاء ومفارقة للوطن وفقد للأحبة... وللهجرة مشكلاتها، ومن مشكلاتها أن يقصر بعض الأصدقاء والإخوة فلا يقوموا بحق الإخوة كما أوجبه الإسلام، فالمسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله - ومن نتائج التقصير أن تفتح الحاجة الأبواب الموصدة للإرساليات التنصيرية لتعمل عملها في صفوف المهاجرين وأبنائهم، وقد أخلى لها الساحة تقصير الأخ والصديق!!
ولعل قصيدة «رسالة من طفل أفغاني» للشاعر عبد الرحمن صالح العشماوي استطاعت إلى حد كبير تصوير هذه المأساة على لسان طفل مهاجر:
حيث يقول:
أين الأحـبـة- يــا أبـي- أوَ ما دروا
أنا إلى ساح الفناء نقاد؟
أوَ ما لنا في المسلمين أحبة
فيهم من العوز المميت سداد؟!
هذي بساتين الجنان تزينت
للخاطبين، فأين من يرتاد؟
نصحو على أصوات ألف مبشر
عزفوا لنا أوهامهم فأجادوا
جاءوا وسيف الجوع يخلع غمده
فشدوا بألحان الغذاء وجادوا (۳)
وأما الشعر التركي الإسلامي فقد أسهم إسهامًا كبيرًا في التعبير عن حركة الجهاد الأفغاني فعن علاقة الأدب الإسلامي بهذا الجهاد قالت مجلة «ماورا»: «إذا لم تكن أفغانستان قضيتنا نحن فقضية من تكون؟ إننا مسلمون ولا يمكن أن نرضى بالصمت أمام الغدر الذي يتعرض له مسلمون هم قطعة منا» (٤)
وقول الشاعر جاهد ظریف أوغلو:
حبنا للتركماني في أفغانستان نفس حبنا للبشتوني فيها
النساء في أفغانستان احترق أبناؤهن في الحرب
لكنهن حوامل ينتظرن ميلاد أبناء جدد
فهذه الحرب غير كل حرب
والحساب هذه المرة يختلف عن كل حساب (٥)
وأما الشاعر «عاكف إينان» ففي قصيدته التي تحمل عنوان: «تقرير أفغاني» يصف المجاهدين، ويشيد ببطولاتهم وهم يخوضون ملحمة النصر والشهادة فيقول:
بجذوع الأشجار كان إفطارهم
بالتيمم كانت صلاتهم
وبأوامر «ألا تسرفوا في القذائف» كان هجومهم وثبوا على مجموعات المشاة
وتصارعوا مع الدبابات دون مبالاة بالقذائف النازلة فوق رؤوسهم! (٦)
ولعل الشعراء الإسلاميين الأتراك قد سبقوا غيرهم في العديد من القصائد والأناشيد الأفغانية إلى التركية، ومن هذا الشعر المترجم إلى التركية قصيدة للشاعر الأفغاني «شيدا» يقول فيها:
يا وطني، يا وطن الطهر والبطولة والفدا
أيها التاج الذي يسطع على جبين آسيا
أقسم أن اسمك منقوش في قلبي
والدماء في عروقي تحيط بحبي لك
يا وطني يا أفغانستان
فقولوا لهم: إننا قد وصلنا مقام الخلود، فلا رجوع فصبر جميل (۹).
وأما الشعر الأفغاني سواء منه ما كتب بالفارسية أو بالبشتو فقد واكب مسيرة الجهاد يسجل انتصاراتها ويرثي شهداءها، ويحدو لأبطالها الميامين، وقد لمعت أسماء كثير من الشعراء في هذا المضمار من مثل: خليل الله خليلي، والحاج عبد الأحد تارشي وعبد الله غمخور، وجلال فریهخته، وشير محمد وغيرهم.
وجاءت أشعار خليلي صادقة في إبراز صورة الشعب الأفغاني المسلم وبطولات أبنائه، ووعيه لما يحاك حوله من مؤامرات، وفي قصيدة «كندهار أو مدينة الشموس الساطعة يتحدث الشاعر عن اللعبة الدولية، ويدعو إلى التبصر، ويحذر من الألفاظ التي فقدت معانيها:
يتحدثون عن السلاح ونزع السلاح
ولكنهم أحالوا المعمورة إلى خرائب مطمورة
يتبجحون بكرامة الإنسان
ولكنهم أفنوا الملايين بالحديد والنار
يا لسذاجة الذي يأملون رقصة حمائم الحرم المسالمة من هذه العقبان المتناحرة.. (۱۰)
ويتوجه الشاعر خالد نقشبندي إلى العملاء المحليين الذين كانوا يد الاحتلال وعينه المبصرة فيفضح ممارساتهم بحق الشعب المؤمن الأعزل ويدعوهم إلى تدارك الخطأ قبل فوات الأوان في قصيدة كتبت بلغة البشتو، بعنوان «إلى شيوعيي الأفغان» حيث يقول:
هل ارتويتم من دماء شعبكم أيها الظامئون إلى شربه؟!
وهل أطفأ هذا غليلكم أيها المتحمسون للشيوعية الحمراء؟
إن ملاءة الظلم التي نشرتموها على ثرانا الطهور قد انقلبت إلى كفن يلفكم جميعًا أنتم وأسيادكم.
يدور الزمن - يا خالد «وتلك الأيام نداولها بين الناس» أعرف هذا وأوقن به وأريد أن يفهم ذلك الشيوعيون لعلهم يدركون خطأهم ويندمون!!(۱۱) وأما الحديث عن الشهادة والشهداء فقد كان له في الشعر الأفغاني حضور وأي حضور!
فمواكب الشهداء تتتابع، وسيل الدم الزكي لم
لو اجتاحت قطعان الذئاب والثعالب كل الدنيا
فلن تستطيع الظفر بك
لأنها لا تجرؤ على إطلاق نعرة حرب ضد مصحفك (۷)
وغير بعيد يقف الشاعر الإسلامي الذي كتب بالأردو! فوهج المعارك يلفحه، وأنين المعذبين يؤرقه، يقول السيد طفيل أحمد في قصيدته «هكذا أصبح بلدي يصور ما آلت إليه الأمور بعد الاحتلال:
عبثًا تبحث عن حب وكرامة
غاب عنه صدق وشهامة
هكذا أصبح بلدي، يا أسفي
لن تلقى فيه قطرة ماء
تلقى فيه أمواج دماء
وأنامل غرست في قلوب الأبرياء (۸)
ويعبر الشاعر «أنجم نعيم» في قصيدته «سلام من أشلاء الشهداء» عن معاناة الأطفال الذين فقدوا آباءهم وحزنهم، وعن فرحة أولئك الآباءالشهداء بموعود الله عز وجل:
يا أيها الأصدقاء الأحياء الذين لما تصل إليكم
شعلة من مزهرية جندي
نرجو منكم أن تعرجوا على مساكننا... ربما تلقون هناك
أولادًا كالأزهار، وآباء وأمهات كالأشجار في الطريق ينتظرون
يتوقف والأبطال الذين يقضون نحبهم كثيرون وكثيرون ويلاحظ أن عدد القادة الذين سقطوا وهم يقاتلون كان كبيرًا، وقد تابع الشعر هذه النماذج الفريدة في الإيمان والبطولة، فشهيد الإسلام «ذبيح الله» قائد جبهة بلخ على سبيل المثال رثاه أكثر من شاعر وكان منهم خليل الله خليلي وجلال فرهيخته والحاج عبد الأحد تارشي الذي يقول في قصيدة كتبت بالفارسية:
في الأرض التي تزهر بالشهادة
وفي المدينة التي تحب الله
«ذبیح الله» شهید آخر
قدم روحه في سبيل الله
من دمه الذي غرق فيه
أهدى ألوانًا جديدة
الزهرة تفتحت بمائتي لون
في حديقة وطننا الحبيب (۱۲)
وهكذا نجد أن الشعر الإسلامي قد واكب الحركة الجهادية على أرض أفغانستان، وكان مرآة صادقة تعكس معاناة شعبها، وتصور بطولات أهلها.
وتحسب أن هناك شعراء إسلاميين من غير العرب والأتراك والهنود والأفغانيين قد واكبوا هذه المعارك، وكتبوا في هذه الموضوعات، فإن بطولات المجاهدين قد هزت مشاعر المسلمين جميعًا في مختلف ديارهم، ولا نستبعد أن يكون الشعراء في الولايات الإسلامية تحت الحكم السوفياتي قد عبروا عن فرحتهم ببزوغ فجر الجهاد الإسلامي ولعل المستقبل القريب يكشف لنا عن هذه الكتابات لتضاف صفحة جديدة إلى ديوان الجهاد الإسلامي في أفغانستان.
هوامش
(۱) دیوان «أناشيد للصحوة الإسلامية» ص ٥٧ «نشيد الجهاد الأفغاني»
(۲) المرجع السابق ص ٦٠ «نشيد الجهاد الأفغاني».
(۳) المجلة العربية العدد (١١٦) رمضان ١٤٠٧ هـ
(4) مجلة «الأمة» العدد ۱۸ شعبان ١٤٠٦ هـ من مقال «الأدب التركي والجهاد الأفغاني» الدكتور محمد حرب- ص۲۳
(5) المرجع السابق ص ٢٣
(1) المرجع السابق ص ٢٣
(۷) المرجع السابق ص ۲۱ - ۲۲
(8-9) ملحق الرائد «للأدب الإسلامي» العدد 9 محرم ١٤٠٨ هـ ص ١٢
(۱۰) مجلة «الاعتصام» العدد (۸ -۹) جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ ص ٠٢٤
(۱۱) جريدة «شهادت» ۱۹۸۷
(۱۲) مجلة «ميثاق خون» الصادرة بالفرنسية عن المجاهدين الأفغان - العدد ٢٧ ربيع الثاني ١٤٠٧ هـ ص ١٣٤ - ١٣٥
شعر
شريكة الحياة أمينة قطب
في الذكرى السابعة لاستشهاد كمال السنانيري
مهداة إلى الشباب المؤمن الذي يتعقبه الطغاة بالقتل والتشريد
هناك بظلمة الليل *** توارى النجم في الغسق
وعدت أجول في دربي *** يغوص الدمع في حلقي
تدب خطاي في شوك *** وفي تعب وفي رهق
لقد ولى تلاقينا *** كلمح البرق في البصر
كحلم طاف في ليل *** يلبي رغبة العمر!
وما عادت ليالينا *** تعاودنا مدى الدهر
لقد كنا نعاهدنا *** بأن لا شيء يضنينا
ولا صحراء تزعجنا ***ولا أحداث تثنينا
ولا رغبات تضعفنا *** ولا شيطان يغرينا
ولا نأسى على أمل *** هوى في الهم والكرب
ونمضي وفق دعوتنا *** رفيقين على الدرب
ننال بسعينا قربى *** ورضوانًا من الرب
تجاهر كل طاغية *** وجبار وخوان
يحارب كل داعية *** يقول بحكم قرآن
بقتل أو بتعذيب *** وجدران وسجان
لقد بعنا ليالينا *** وكل رغائب القلب
بنعماء تواتينا *** بحب الله في القرب
فالرحمن قد بعنا *** وكم في البيع من كسب
تتبعنا خطى الهادي *** رسول الله من قبل
فسرنا لا يروعنا *** طغاة الكفر والقتل
دم الشهداء يسبقنا *** يبدل ظلمة الليل
نبيع سويعات معجلة *** بخلد دائم النعم
ويمضي كل طاغية *** الخلد دائم الغم
فيا تعسا لسفاك *** يفضل ساحة الحمم!