; الجهاد الشيشاني ضد الغزو القيصري والبلشفي | مجلة المجتمع

العنوان الجهاد الشيشاني ضد الغزو القيصري والبلشفي

الكاتب شمس الدين عثمان طاش

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

مشاهدات 117

نشر في العدد 933

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

معظم أبناء الأقطار العربية لم يسمعوا عن تاريخ الشيشان شيئًا، وكثيرون هم أولئك الذين لم يسمعوا حتى باسم الشيشان، باستثناء الأردنيين وبعض العراقيين وبعض السوريين؛ وذلك لوجود جماعات من المهاجرين الشيشان أو بالأحرى أبناء وأحفاد أولئك المهاجرين هناك، فشيشان الأردن وصلوا إلى هنا عام 1903، أما شيشان العراق وسوريا فقد وصلوا قبل ذلك ببضع عشرات من السنين.. ولسنا بصدد البحث عن أصولهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ لأن كتاباتي هذه رأيت حصرها للتحدث عن كفاحهم وحروبهم وجهادهم في سبيل الله ضد عدو الدنيا والدين أولئك الروس الكفرة الملحدين منذ عهد القاصرة وحتى اليوم مرورًا بعهد الملاحدة لينين وستالين وخلفائهم.. ولكن لا بد من التعريف بموطنهم في القفقاس لنتعرف من خلاله على بعض الأمور المتعلقة بذلك الجهاد.

موطن الشيشان:

عن موطن الشيشان يقول المؤرخ الإنجليزي «جون مادللي» في كتابه «احتلال الروس للقفقاس» المطبوع باللغة الإنجليزية عام ١٩٠٨‏ وتم تعريبه في الأردن عام ١٩٨٧‏ للتعريف بموطن الشيشان ما يلي:

أما شيشانيا فكانت الاسم الذي أطلقه الروس على المنطقة التي يحدها شرقًا نهر سولاك، ومن الغرب نهر سوندجا الأعلى، ومن الشمال نهر سوندجا الأسفل ونهر تيرك، ومن الجنوب تلامس حدودها المنطقة الجبلية التي يقطنها الداغستانيون.

جغرافية المنطقة:

أما وصف طبوغرافية ذلك الموقع، فإن أحسن أو أصدق ما قيل وكتب عنه فهو أيضًا ما جاء على لسان جون مادللي أيضًا إذ يقول:

«... وكانت البلاد ولا تزال في معظمها مكسوة بالغابات الكثيفة التي يقطعها عدد من الأنهار الصغيرة العميقة السريعة العديدة، والتي تنبع من الجبال التي ترتفع سلاسلها فوق بعضها آخذة في الارتفاع كلما اتجهنا جنوبًا، وقد سكن الشيشان على ضفاف هذه الأنهار في مزارع منعزلة أو قرى يبلغ عدد الواحدة منها أحيانًا مئات البيوت، وهذه البيوت ذات طابق واحد ومستوية السطوح مبنية من الطوب الذي جففته الشمس والمدعم بالخشب.. والبيوت نظيفة ومرتبة في داخلها وخارجها، وبها بعض الزينات والزخارف ووسائل الراحة كالسجاجيد والحصر والمخدات واللحف والأواني النحاسية والمقالي والأدوات المنزلية الأخرى.. ثم يستطرد المؤلف ويقول: ولكن نظرًا لعدم تحصين القرى فقد كان هناك اهتمام دائم بجعل أحد أطراف القرية ملاصقًا للغابة، حيث تهرب النساء والأطفال وما خف حمله من الأثاث والممتلكات إلى الغابة عند أول إنذار بالخطر، وهذه الغابات المؤلفة تسعة أعشارها من أشجار الزان كانت ملجأهم الأمين وقت الضيق، وحصنهم الرئيسي ضد توغل الروس.. ويدين الشيشان للغابات بكثير من الخصائص التي ميزتهم عن جيرانهم من سكان سهول الكوموك وهضبة الداغستان». ويستطرد المؤلف ويستمر بالقول: «وما دامت الغابات موجودة لم يكن هناك سبيل لقهر الشيشان، ولم يؤثر الروس بشكل دائم عليهم إلا عندما كان الروس يقومون بقطع غابات الزان.. ولذلك يمكن القول دون مبالغة: إن الذي هزم الشيشان في المدى البعيد لم يكن السيف بل البلطة».

وأكتفي بهذا القدر مما أورده ذلك المؤلف لأن في هذا القدر من الوصف ما يعطي القارئ فكرة وصورة عن ذلك الموقع وعن سكانه.. ولا بأس من أن أتدخل بالموضوع وأقول: إن هذا المؤلف قد تجول في تلك المناطق على ظهور الجياد أو سيرًا على الأقدام؛ لأن هناك مناطق يتعذر التجول فيها حتى على ظهور الخيل.. ولقد شاهدت ذلك بنفسي عندما زرت تلك المنطقة في بداية السبعينيات حيث اضطررت أحيانًا للسير على الأقدام للوصول إلى بعض القرى.

بدايات احتكاك الروس بالشيشان

إن أكثر ما يحز في نفسي هو أن أحدًا من أبناء هذه القومية لم يخطر على باله تدوين تاريخ تلك المعارك والحروب؛ مع أنها استمرت مئات السنين.. ولولا ما كتبه بعض كتاب ومؤرخي العدو الروسي وما نقله عنهم بعض الكتاب والمؤرخين الغربيين لما كنا وجدنا لذلك التاريخ الإسلامي أثرًا أو ذكرًا، ومع أن مؤرخي وكتاب العدو يحاولون في معظم الأحيان تشويه صورة عدوهم وهو ما قام به المؤرخون الروس حيث دسوا أحيانًا السم في الدسم، ولكن القارئ الحصيف لا تخفى عليه مثل هذه الأكاذيب والأباطيل.. ولذلك فإنني شخصيًّا أقول لهم: شكرًا.. وما كتبوه مقبول منهم على علاته؛ لأنه لولاهم لما وجدنا مرجعًا نسترشد به، وشكرًا للكتاب الغربيين الذين تجشموا الصعاب وزاروا مواقع المعارك والجهاد وحاولوا التوصل إلى حقائق الأمور على أرض الواقع.

وعن موضوع بدايات احتكاك الروس بالشيشان يقول «جون مادللي»: إن أول احتكاك قتالي كان في شهر تموز عام ١٧٢٢‏ عندما قام بطرس الأكبر بغزو القفقاس، وكان يقود الجيش بنفسه بعد أن فشل قادته العسكريون وقادة أسلافه عن تحقيق أمنية الروس باحتلال القفقاس، ووصل بطرس إلى شواطئ قزوين، وبينما كان محمولًا على أكتاف أربعة من بحارته لينزل إلى البر في المكان المعد لذلك أبلغوه بأن قطعات الفرسان التي خصصت لحماية ميمنة الجيش من الجبليين قد هوجمت من قبل الشيشان عند قرية أنديري وشروت بعد أن لحقت بها خسائر فادحة خلال معركة قصيرة.. فوقع الخبر على القيصر كالصاعقة، أما جنرالاته فمنهم من قال: إنها نكسة، ومنهم من قال: إنها كارثة.

أما المؤرخ الإنجليزي «جون مادللي» فيقول عن هذه المعركة:

وكانت هذه النتيجة نذير شؤم لما كان سيحدث في مناسبات لا حصر لها خلال الـ(130) عامًا التالية، وسنرى أنه في تاريخ احتلال القفقاس أن قتال الغابات ضد الشيشان لعب دورًا لا يفوقه في الأهمية إلا دور حرب الجبال ضد قبائل الداغستان، بل إنها كلفت روسيا ثمنًا أغلى من الدم والمال، وقد أدت إلى كوارث أوسع نطاقًا وأكثر دموية.

خطة القيصر

وربما كان هذا الاحتكاك مخططًا له من قبل القيصر لجس نبض أولئك الجبليين ليرى ما هو صدى قدومه شخصيًّا على رأس الجيش لغزو المنطقة عند أولئك الشيشان الجبليين، ويظهر أنه كان يستبعد أن يتجرأ على مهاجمة قطعات جيشه التي انهزمت أمامها الجيوش العثمانية والإيرانية.. وهنا كان بطرس كمن أفاق من غفوة.. وهذه النكسة جعلته يعيد خططه بالنسبة لهؤلاء الناس وقتالهم بصورة خاصة واحتلال القفقاس بصورة عامة.. وكانت خطته الجديدة أن يترك هؤلاء الجبليين وعدم الاحتكاك بهم إلى أن يتم إحكام الحصار حولهم من كافة الجهات.. ولذلك وجه جيوشه لاحتلال أراضي الشعوب القفقاسية الأخرى الواقعة على الأراضي المنبسطة وسفوح الجبال العارية من الغابات أو شبه العارية.. ولكن هذا الأمر لم يكن أيضًا أمرًا هينًا كما اعتقد القيصر الذي أتى للنزهة كما توهم، ولم يكن يدور في خلده بأنه سيذهب إلى الجحيم هو ومن بعده (11) أحد عشر قيصرًا منذ عام ١٧٢٢‏ وإلى عام ١٩١٧‏، وهذا الحلم لم يتحقق.. حيث كان حفيده أو خلفه الحادي عشر نقولا الثاني يضطر للتنازل عن العرش في 15/ 3 1917‏ منهيًا عهد الروس البيض وجرائمهم ومظالمهم ليواصل الزبانية الجدد الروس الحمر مسلسل الظلم والاحتلال والاستعمار والاستعباد.

ولكن قبل أن نخوض في أحداث الثورة الحمراء اسمًا ولونًا لكثرة الدماء التي أراقها النظام الجديد.. أجل قبل الخوض في ذلك لابد من التعرض للكفاح الشيشاني الذي بلغ ذروته عام ١٨١٦‏.

‏المواجهات الفعلية بين الروس والشيشان

سأقتصر هنا على سرد المواجهات التي جرت بين القوات الروسية والشيشان فقط، ولا يعني ذلك أنني أتعمد تجاهل ذلك الكفاح البطولي الذي خاضته كل الشعوب القفقاسية ضد ذلك الغزو البربري الروسي.. لا.. ولكني أخشى ألا أستطيع أن أفي الموضوع حقه، ومن ثم لا يعجب ذلك أبناء هذه القوميات كما حصل معي عندما قرأت ما كتبه الآخرون عن الشيشان.. فعذرًا عن ذلك.

قبل عام ١٧٢٢‏ كانت المواجهات مع عملاء الروس من المرتزقة القوزاق الذين جاء بهم الروس إلى القفقاس وقدموا لحم المساعدات العسكرية وشيدوا لهم الحصون والقلاع في مواجهة تلك الشعوب، ويقول المؤرخون: إن القوزاق جيء بهم إلى القفقاس عام ١٥٥٢‏ في عهد القيصر إيفان الرابع المسمى بإيفان المرعب أو الرهيب، ولكن هؤلاء القوزاق أصبحوا عبئًا على القوات الروسية إلي أصبحت مهمتها حمايتهم من هجمات الوطنيين الذين استطاعوا في فترة ما من طردهم من تلك المواقع، ثم أعادتهم القوات الروسية فيما بعد، وظلت الأمور هكذا بين مد وجزر ولم يحقق الروس ما كانوا يأملونه من تواجد القوزاق في تلك المواقع.. حتى جاء عام 1722‏ وقام بطرس الأكبر بقيادة جيوشه إلى القوقاز وتأثر كما قلنا من مهاجمة الشيشان لميمنة الجيش وحاول الانتقام منهم، وأرسل عدة حملات لهذه الغاية، وعادت كلها بالخيبة والفشل.

عداء ومقاومة

وفي عام ١٧٢٥‏ ذهب بطرس إلى الجحيم وبئس المصير، وخلفه بطرس الثاني ثم الإمبراطورة آن عام ١٧٣٠‏، ثم إيفان السادس عام ١٧٤٠‏، ثم الإمبراطورة إليزابث عام ١٧٤١‏ وحتى عام ١٧٥١‏، وسار كل هؤلاء القياصرة على غرار من سبقهم من أسلافهم في عدوانهم على الشعوب القفقاسية وكل جيرانهم من الإيرانيين والأتراك.. وفي عهد إليزابث تطورت المقاومة الشيشانية وبعد أن كانت مجرد دفاع عن النفس والوطن أخذت طابع الجهاد المقدس ضد الكفار الروس.. وقد حدث ذلك إثر قيام الشيخ منصور بدعوة المسلمين للجهاد في سبيل الله، ورغم أن المؤرخين الأجانب حاولوا التشكيك في أصل الشيخ منصور حتى ذهب الخيال عند بعضهم للقول بأنه من أصل إيطالي.. ولكن التقارير الروسية تقول إنه من قرية ألدى الشيشانية وأن هذه القرية هي مسقط رأسه، أما ما هو مؤكد فهو ظهوره في قرية ألدى يعظ الناس ويحرضهم على الغزو في سبيل الله، واستطاع أن يستقطب القبائل قبيلة بعد قبيلة.. وكان ذلك عام ١٧٨٦‏ وشعر الكونت بوتمكين قائد الغزو الروسي بخطورة هذا التحول الجديد بإرسال قوة كبيرة للقبض عليه، ولكن هذه القوة وقعت في الفخ الذي كان الشيشان يجيدون نصبه؛ إذ كانوا قد أخلوا القرية التي قامت تلك القوة بقيادة الكولونيل «بيري» بإضرام النار فيها، ولكنهم وأثناء تراجعهم انقض عليهم الموت الزؤام من بين الغابات الشيشانية التي قيل عنها: إنها قاتلة الكفاءات العسكرية، وكانت النتيجة مقتل قائد القوة وسبعة ضباط آخرين وأكثر من «600» قتيل.. وظل الشيخ منصور يهاجم القوات الروسية ويغزوها في مواقع الاحتلال ودمر العديد من القلاع والحصون التي أقاموها، حتى إن الشيخ منصور التجأ أخيرًا إلى الشركس وأحرز بينهم شهرة ومكانة لا تقل عن ما أحرزه بين الشيشان، وبقيادته جدد الشراكسة غاراتهم عبر نهر الكوبان حتى إنهم هددوا رستوف، وهذه الانتصارات الباهرة أغاظت الكونت «بوتمكين» وتخوف جدًّا من نتائج هذه الغارات وخاصة عندما اندلعت الحرب مع تركيا عام ١٧٨٧‏ فأرسل قوات كبيرة جدًّا لمهاجمة الشركس وقائدهم الشيخ منصور، وانتصر الروس في أكثر من اشتباك، ولكن الشيخ منصور تمكن من الهرب، والتجأ إلى الأتراك في «أنابا».

(يتبع)

الرابط المختصر :