; الجهاد الشيشاني ضد الغزو القيصري والبلشفي: بيان لينين الموجه للمسلمين عام 1917 | مجلة المجتمع

العنوان الجهاد الشيشاني ضد الغزو القيصري والبلشفي: بيان لينين الموجه للمسلمين عام 1917

الكاتب شمس الدين عثمان طاش

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 939

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 31-أكتوبر-1989

حكام موسكو لا يزالون يدعون إلى اليوم بأن الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفييتي شعوب روسية!

نص البيان الأول لزعيم الإلحاد والكفر والطغيان لينين والذي وجهه في 22/11/1917 إلى مسلمي روسيا - كما سماهم لينين - والشرق..

يا مسلمي روسيا.. يا مسلمي الشرق أيها الرفاق.. أيها الإخوة... إن أحداثًا عظيمة تحدث الآن في روسيا إن العهد الدموي (الحرب العالمية الأولى) الذي بدأ بسبب أطماع الاستعماريين والإمبرياليين في أرضكم قد قارب النهاية.. وتحت ضربات الثورة الروسية فإن النظام الاستعبادي الاستبدادي يتقوض بناؤه الآن.. وإن حكم الطغاة والمستبدين ومصاصي دماء الشعوب يقترب من أيامه الأخيرة الآن، وإن عالمًا جديدًا يولد الآن، عالم العمال والأحرار وعلى رأس ثورة الفلاحين والعمال يقوم مجلس الشعب الممثل بالقوميسار الروسي.. إن عهد الرأسماليين والإمبرياليين يتداعى وإن الأرض تميد من تحت أرجلهم وتشتعل الثورة من تحت أقدامهم.. وفي خِضَم هذه الأحداث العظام نلتفت إليكم يا مسلمي روسيا والشرق الذين استرقَّكم الاستعمار واستلب أموالكم وأراضيكم.. يا مسلمي روسيا، يا تتار الفولجا والقرم يا أيها القرغيز وسكان سيبيريا والتركستان.. يا سكان القفقاس الأبطال وقبائل الشيشان وسكان الجبال الشداد.. أنتم يا من هُدمت مساجدكم وحُطمت معابدكم ومزق القياصرة الطغاة قرآنكم وحاربوا دينكم وأبادوا ثقافتكم وعاداتكم ولغاتكم.. ثوروا من أجل دينكم وقرآنكم وحريتكم في العبادة.. إننا هنا نعلن احترامنا لدينكم ومساجدكم وإن عاداتكم وتقاليدكم حرة لا يمكن المساس بها.. ابنوا حياتكم الحرة الكريمة المستقلة دون أي معوقات.. لكم كل الحق في ذلك... واعلموا أن جميع حقوقكم الدينية والمدنية مصونة بقوة الثورة... ورجالها والعمال والفلاحين والجنود وممثليهم... لهذا نطلب منكم تأييد الثورة ومساندتها لأنها تقوم من أجلكم، ومن أجل حريتكم الدينية والمدنية... يا مسلمي الشرق يا مسلمي إيران وتركيا وبلاد العرب والهند... أنتم يا من تاجر مصاصو الدماء الأوروبيون المستعمرون بحياتكم وأوطانكم وحرياتكم لعدة قرون من الزمان... أنتم يا من يتآمر عليكم هؤلاء اللصوص الذين يتقاسمون أرضكم ويشعلون نار الحرب لتكونوا أتونها ثم يستلبون بعد ذلك أرضكم، أما نحن فنعلن بأعلى صوتنا أن الاتفاقيات السريَّة بين روسيا القيصرية وبين فرنسا وبريطانيا الاستعماريتين والتي بموجبها اقتسموا أراضيكم أيها المسلمون واستلبوا ثرواتكم ونهبوا خيراتكم، نعلن إنها باطلة، ونعلن أن خطط القيصر المخلوع وحكومته التي أزاحها الشعب للاستيلاء على القسطنطينية عاصمة الخلافة الإسلامية باطلة ولاغية..

إن جمهورية روسيا الثورية ومجلس الشعب الأعلى فيها يعلنون أنهم ضد احتلال أراضي الغير بالقوة ونعلن أن القسطنطينية ينبغي أن تبقى بيد المسلمين... كما نعلن أن الاتفاقية السريَّة بين بريطانيا وروسيا القيصرية لاقتسام إيران بينهما لاغية وباطلة... ونعلن أننا سنسحب قواتنا من إيران بمجرد انتهاء العمليات العسكرية.. ونضمن استقلال إيران الكامل وإننا نعلن أيضًا أننا ضد تقسيم تركيا واقتطاع أرمينية منها وأن هذه الاتفاقيات السريَّة باطلة ولاغية.......

ليس من روسيا أيها المسلمون سيأتي استعبادكم، بل من الدول الأوروبية المستعمرة... من هؤلاء اللصوص مصاصي الدماء الذين استعمروا أرضكم واستلبوا ثرواتكم وزجُّوا بأبنائكم في أتون حرب لا يأتيكم منها إلا الدمار وفي مقابل ذلك كله يقتسمون ما بقي من أرضكم وثرواتكم وكأنكم وبلادكم غنائم الحرب المنتظرة...

ثوروا ضد هؤلاء الطغاة الكفرة الذين سرقوا ثروات بلادكم واستعبدوا أوطانكم... نعم ثوروا

الآن في هذا الوقت الذي تشتعل فيه الثورة... وينهدم فيه بنيان الطغيان والاستبداد ويتقوض فيه نظام الاستعمار... ثوروا فإن أي شرارة الآن ستكون حريقًا يلتهم بنيان الطغيان والاستبداد والاستعمار إن الهنود المسلمين الذين ذاقوا الذل والاستعباد لقرون طويلة يثورون الآن ضد بريطانيا العظمى... ويرفضون أن يبقوا حول أعناقهم الأغلال التي غلتهم بها بريطانيا لعدة قرون من الزمان... اليوم لا يمكن السكوت على هذا الظلم وعلى هذا الاستعباد... إنه وقت الثورة ضد المستعمرين الإنجليز الغاصبين لأوطانكم المحاربين لدينكم المستبيحين لمقدساتكم الناهبين لثرواتكم ... الآن أيها الرفاق والأخوة هو الوقت المناسب للثورة ولصنع مستقبلكم الحرِّ الباسم بأيديكم...

تقدموا أيها المسلمون لتحرير أوطانكم وارفعوا أعلام ثورتكم فإن أعلامنا وبنودنا قد رُفعت من أجل حرية المستعبدين والمظلومين... يا مسلمي روسيا... ويا مسلمي الشرق هلمُّوا إلينا.. إلى طريق الحرية والعدالة لنبني هذا العالم من جديد على أسس الحق والخير والعدل...

(من كتاب المسلمون في الاتحاد السوفييتي عبر التاريخ للدكتور محمد علي البار)

وقد وقع على هذا البيان الضالان المضلان السفاحان فلاديمير لينين وجوزيف ستالين...

 

قراءة في البيان:

وأنا هنا لا يضيرني أن يقال عني بأنني متحامل على الروس بدافع من عاطفتي القومية الشيشانية.. أجل لا يضيرني ولا يزعجني ذلك... ولكنني أرفض وبشدة أن يقال عني أنني متحامل متجنٍّ... ولكي أثبت بأنني لست كذلك فإنني أدعو القارئ الكريم لكي نعود سويًا لقراءة بعض المقاطع من هذا البيان الأول الموقع من سفاحي الثورة لينين وستالين ومن ثم البحث والتحري من خلال هذه القراءة عن مدى تقيدهما بما جاء في بيانهما من وعود وخاصة تلك الوعود التي دغدغوا بها نفوس المسلمين خاصة.

ولتكن هذه القراءة بدءًا من الكلمة والجملة التي استهل بها البيان والتي تقول (يا مسلمي روسيا... يا مسلمي الشرق) إن هاتين الجملتين هما خميرة الاستعمار الروسي الأحمر خليفة الاستعمار الروسي الأبيض...

صيغة هذا النداء هو ادِّعاء مبطن بأن المناطق الإسلامية في القفقاس وآسيا الوسطى إنما هي مناطق من أراضٍ روسية عندما يقول البيان (يا مسلمي روسيا يا مسلمي الشرق)... وهذا الاعتقاد ومع الأسف الشديد يكاد يؤمن به معظم الناس ويعتقدون أن كل ما يقع من الأراضي والشعوب تحت قبضة ما يسمى بـ (الاتحاد السوفييتي) هو روسي الأصل... مع أن الحقيقة غير ذلك.. ولم تكن هذه الشعوب في يوم من الأيام من أصول روسية ولا تربطهم بالروس أية رابطة عِرقية ولا دينية ولا لغة ولا عادات ولا تقاليد ولم يكن بينها وبين الروس أي تقارب صداقة أو ثقافة سوى ما فرضه الروس عليها بالقوة العسكرية والبوليسية... وهكذا وبكل هذه الوقاحة يأتي هذان السفاحان ويقرران أن هذه الشعوب شعوب روسية مسلمة ولا يزال الروس حتى يومنا هذا يحاولون تثبيت وتجسيد هذا الادِّعاء بكل الوسائل...

ثم لنعد إلى قراءة هذا المقطع من البيان الذي يقول (وعلى رأس ثورة الفلاحين والعمال يقوم مجلس الشعب الممثل بالقوميسار الروسي) ...

وهذا اعتراف بأن مجلس الشعب هو عبارة عن القوميسار الروسي الذي عيَّنه هذان السفاحان ليكون سيف القتل والإبادة لإخضاع تلك الشعوب للإرادة الروسية، ويا لبشاعة المظالم التي ارتكبها القوميسار الروسي بحق تلك الشعوب...

ولنقرأ أيضًا المقطع التالي من ذلك البيان... (يا من هُدمت مساجدكم وحُطمت معابدكم ومزق القياصرة الطغاة قرآنكم وحاربوا دينكم وأبادوا ثقافاتكم وعاداتكم ولغاتكم.. ثوروا...)...

قال الشاعر العربي..

إن تنه عن خلق وتأتِ مثله *** عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

ولكن الحديث يقول «فإذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» وقد أخذ الروس الحُمر بهذا المثل وقاموا بهدم عشرات الآلاف من المساجد والمدارس الدينية وصادروا كل الكتب الدينية وأحرقوها... وفي بعض المناطق الإسلامية وخاصة في القفقاس كان القيام بالمشاعر الإسلامية جريمة عقابها القتل إذ مُنعت الصلاة وكذلك الصوم أما الحج فحدث ولا حرج... أما ما نراه منذ بضع سنوات من تراجع في تشددهم ضد الحرية الدينية وسماحهم ببناء المساجد في بعض المواقع فإنه أمر أُرغموا عليه من جراء حملات التشهير التي انطلقت بعد أن اضطر الروس لفتح باب التزاور بين مسلمي القفقاس وأقربائهم في الخارج...

ويملؤني الفخر بأن والدي عثمان طاشا كان أول زائر اخترق الستار الحديدي في عام 1965 ...

 

تناقضات صريحة:

وإذا ما حاولنا تحليل هذا البيان بصورة عامة ومقارنة بعض مقاطعه بالبعض الآخر فإننا سنرى أن البيان لا يتعدى عن كونه مجموعة من التناقضات الصريحة التي تعمد اليهود الذين صاغوه أن يحققوا من خلالها أطماعهم في فلسطين...

ولننظر إلى اللعبة الصهيونية الخبيثة من خلال الولاء المصطنع المزدوج للحلفاء من جهة وللثورة الروسية من جهة أخرى ولكي يتبين لنا ذلك بكل وضوح دعونا نستعرض المقطع التالي من البيان..

أما نحن فنعلن بأعلى أصواتنا أن الاتفاقيات السريَّة التي أُبرمت بين روسيا القيصرية وبين فرنسا وبريطانيا الاستعماريتين والتي بموجبها اقتسموا أراضيكم أيها المسلمون واستلبوا ثرواتكم ونهبوا خيراتكم، نعلن أنها باطلة، ونعلن أن خطط القيصر المخلوع وحكومة كرينسكي التي أزاحها الشعب للاستيلاء على القسطنطينية عاصمة الخلافة الإسلامية باطلة ولاغية...

وبدون أدنى شك كان هذا المقطع من البيان هو المقصود إعلانه على الملأ من البيان ككل لإبلاغ الحلفاء بأن قطبي الثورة لينين وستالين وبناء على الاتفاقية السرية بينهما وبين الحلفاء يعترفان ويقرران أن الاتفاقية السريَّة المبرمة بين الحلفاء وروسيا القيصرية باطلة ولاغية.. وهما بذلك يتنازلان عن حصة روسيا في تلك القسمة للحلفاء لقاء سكوتهم عما تنوي زعامة هذه الثورة القيام به في القفقاس وآسيا الوسطى.. وهكذا تنفس الحلفاء

الصعداء لخروج ذلك الشريك المزعج من تلك القسمة...

 

تجاهل مقصود:

وهنا من حق القارئ أن يتساءل طالما أن اليهود هم الذين صاغوا هذا البيان فأين ما يتعلق بهم فيه وهم لم يرد لهم ذكر فيه؟ سؤال قد يبدو للوهلة الأولى معقولًا... ولكن اليهود يتجاهلون الإشارة إلى قضية فلسطين بأية إشارة وخلو البيان من التعرض للنزاع العربي والإسلامي من جهة واليهودي من جهة أخرى إنما انتزعوا اعترافًا ضمنيًا من قادة الثورة بموافقتهم على وعد بلفور الذي صدر قبل عشرين يومًا من تاريخ صدور هذا البيان لأن البيان صدر في 22/11/1917 ووعد بلفور أُعلن في 2/11/1917 وإذا كان قادة الثورة يهمهم أمر المسلمين على تلك الصورة التي حاولوا أن يظهروها في البيان فلماذا لم يتعرضوا لقضيتهم الأولى قضية فلسطين وبيت المقدس...

وهكذا ضمن اليهود سكوت الروس بل وحصلوا على اعترافهم بوعد بلفور...

ودعونا نقرأ هذا المقطع من البيان الذي جاء فيه (أن حكومة جمهورية روسيا الثورية ومجلس الشعب الأعلى فيها يعلنون أنهم ضد احتلال أراضي الغير بالقوة ونعلن أن القسطنطينية ينبغي أن تبقى بيد المسلمين) إذا كانوا كما يدعون ضد احتلال أراضي الغير بالقوة فلماذا احتلوا كافة أراضي القفقاس وآسيا الوسطى بأبشع أنواع القوة والقسوة؟ متى كانت هذه الأراضي من أراضي الروس؟ ومتى كانت شعوبها شعوبًا روسية؟ وهي لا صلة ولا علاقة لها بالروس لا من ناحية دينية أو لغوية ولا تشابه في العادات والتقاليد حتى القوميات القفقاسية التي تدين بالمسيحية على خلاف مع مسيحية الروس من حيث العقيدة والطقوس الكنسية... وكذلك ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا أليست أراضي الغير واحتلها الروس بالقوة...

وحدث ولا حرج عن تلك الدول الأوروبية تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا اللتين نكَّل الروس بشعبهما أشد تنكيل عندما طالبتا بانسحاب الغير - الذين هم الروس - من بلديهما.

وكذلك بولندا التي تعاني من الاحتلال الروسي العسكري الهائل المتواجد على أرضها وقس على ذلك يوغوسلافيا ورومانيا وبلغاريا وما أطلقوا عليه اسم ألمانيا الشرقية... كل تلك الأراضي هي أراضي الغير بالنسبة للروس وخلافًا للأكاذيب التي أوردها قادة الثورة في بيان الثورة الأول ثم احتُلت بالقوة وهذه هي عادة الروس منذ وجودهم، وحتى اليوم أعمالهم تتناقض دائمًا مع وعودهم وبياناتهم... وبالإضافة إلى كل ذلك فإن البيان كله مغالطات وتناقضات مع ما قام به زبانية الثورة من أعمال إجرامية تقف الأقلام عاجزة عن وصفها... ولنعد إلى قراءة المقطع الذي دغدغ به هذا البيان أحلام الشيشان وآمالهم عندما يقول [... يا سكان القفقاس الأبطال وقبائل الشيشان وسكان الجبال الشداد.. أنتم يا من هُدمت مساجدكم و... و..., ابنوا حياتكم الحرة الكريمة المستقلة دون أي معوقات ولكم كل الحق في ذلك، واعلموا أن جميع حقوقكم الدينية والمدنية مصونة بقوة الثورة...] وانطلت على أولئك الذين قاوموا الغزو الروسي القيصري مئات السنين... وظنوا أن نهاية عذابهم وآلامهم قد حانت، وأن عهد الظلم قد ولَّى بزوال الحكم القيصري الأبيض ومجيء حكم البلاشفة الحُمر... ولكن الأمور سارت عكس ما توقعوه.... فما أن رأى جلادو الثورة أن جيوش القياصرة قد تم إخضاعها ونزع سلاحها في المناطق التي كانت تتواجد فيها، وأن شعوب القفقاس أخذت في تشكيل الحكومات المحلية، أجل ما أن رأى قادة الثورة ذلك حتى كشفوا عن حقيقة نواياهم الخبيثة ووجهوا مدافعهم إلى هذه الشعوب وشنُّوا عليها حربًا تدميرية بصورة جنونية... وهنا أيضًا شعرت تلك الشعوب أنه قد غُرِّر بها وأنها تواجه عدوًّا جديدًا ملحدًا لا يؤمن بأية عقيدة دينية ويكفر بكل معاني الإنسانية... ومن واجب الدفاع عن الدين والعقيدة والأرض قد تكونت في منطقة الشيشان جماعات قتالية على يد تلاميذ العلماء وخاضت عدة معارك ناجحة بصورة محدودة ولكن، ولكن لم يُكتب لها الاستمرار لأن هذه الجماعات كانت تقوم بعمليات استشهادية، مما أدى إلى استشهاد وأسر معظم أفرادها وقادتها من العلماء.... ولقد كتب عن هذه المرحلة الدكتور محمد علي البار في كتابه «المسلمون في الاتحاد السوفييتي عبر التاريخ» وذلك في نهاية الجزء الأول أوضح فيه وبصورة تفصيلية ذلك الجهاد المرير الذي خاضه الشعب الشيشاني.

 

الرابط المختصر :