العنوان الجهاد في أفغانستان.. التحول الكبير
الكاتب محمد إدريس أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990
مشاهدات 67
نشر في العدد 965
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 08-مايو-1990
أكتب هذه الكلمات وأنا عائد توًّا من
أرض الجهاد.. أرض العزة والفخار.. أرض المستقبل الإسلامي المنشود.. أرض التحول
الإسلامي الكبير.. وقيام المارد الذي ظل نائمًا لعدة قرون حتى أثخنته الجراح..
فإذا هو ينتفض الآن ويرتقي سلم العصود.. عائدًا من أفغانستان الجهاد.. إن أضخم
معركة على وجه الأرض الآن تجري في أرض أفغانستان.. إنها معركة ضخمة تدور رحاها بين
فئة مسلمة مجاهدة.. وبين أحزاب الكفر التي تنادت وانضم بعضها لبعض للقضاء عل هذه
الفئة المؤمنة المجاهدة.
اجتماع أحزاب الكفر ضد الجهاد
وإن الذي يزور أرض الجهاد هذه
الأيام، ويقترب من الساحة ويراقب الوضع سواء في أرض الجهاد في داخل أفغانستان أو
في أرض المهجر على حدود باكستان، سيلمس ضخامة المعركة وعظم الموقف، ودخول أحزاب
الكفر كلها في معركة المصير والبقاء.. ولماذا أيها السادة تصبح المعركة بهذه
الضخامة؟ ولماذا تجمعت أحزاب الكفر حتى انضم الصليبي إلى الشيوعي والباطني إلى
اليهودي وشكل الجميع أحزاب الكفر والبغي والعدوان ضد هذه الفئة المؤمنة؟
لم هذا التجمع؟
إن الجواب يكاد يكون من البديهيات في
حسن الجهاد الإسلامي، حيث إن الكفر ملة واحدة، وكلهم يجتمعون على حرب الإسلام،
ولكن تكون هناك نقاط معينة يركز عليها هؤلاء الأعداء جميعًا في بعض الأحيان، لما
يستشعرونه من الخطر، ويتوجونه من الخوف.. وأفغانستان تعتبر إحدى هذه النقاط التي
قل أن تجتمع فيها أحزاب الكفر وتنسق فيها أعمالها كما تفعل اليوم.. في أرض الجهاد..
لأنها نقطة ساخنة جدًّا.. ولأنها تشكل نقطة تحول في مسار الأمة الإسلامية كلها..
ولأنها- وهو الأمر الأهم- أصبحت مجددة روح الجهاد الإسلامي الأصيل في الأمة
الإسلامية بعد أن كادت معالمه تضيع في خضم الهزائم والذل والاستسلام وفي خضم تمييع
القضايا الإسلامية وجلوس الأمة فترة من الزمن كالأيتام على مائدة اللئام..
معنى إحياء الجهاد
وإحياء الجهاد معناه إحياء الأمة
الإسلامية القوية التي لا تعرف الخضوع والذل والانهزام في أي شأن من شؤونها
السياسية والفكرية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وإنما تعرف أمة القيادة
والسيادة والريادة، أمة الجهاد والعزة والكرامة.. التي شعارها ﴿وَلِلَّهِ
الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون:8).
وإحياء الجهاد معناه أن تستيقظ تلك
الروح الإسلامية الملتهبة المتوثبة التي يعرفها اليهود والصليبيون وذاق شيئًا منها
البلاشفة الحمر في أفغانستان.. تلك الروح الإسلامية التي تستعصي على البيع والشراء
والانقياد للباطل وأحزاب الكفر، وليس لها في الحياة إلا إحدى الحسنيين إما أن تموت
في سبيل الله.. وإما أن تعيش عزيزة كريمة في ظل حكم إسلامي رشيد.. وليس هناك خيار
ثالث عند النفس المؤمنة التي تنضج في خضم الجهاد.. وأتون المعارك.
من أجل هذا كله كان تركيز جميع أحزاب
الكفر على هذه النقطة الساخنة، التي كان يقول عنها الشيخ الشهيد عبدالله عزام رحمه
الله: «لم أجد نقطة في الأرض أسخن من أفغانستان». وقد صدق رحمه الله فيما قال،
فليس هناك نقطة في الأرض اليوم حسب علمي تبرز فيها المعركة الضخمة بين التجمع
الحاشد لأحزاب الكفر وأذنابهم وبين الفئة المؤمنة من كل جنس ولون أيضًا وإن كانت
قليلة العدد والعتاد أكثر من أرض أفغانستان.. والله أعلم.. والذي يقترب من هموم
الجهاد هذه الأيام يستطيع أن يدرك ذلك بسهولة.
توزيع الأدوار بين أحلاف الكفر
لقد اقتسمت روسيا مع أمريكا
المعركة.. وواجهت كل منها جبهة.. وجندت كل منهما إمكانياتها للقيام على جبهتها..
أما روسيا فأخذت على عاتقها الجبهة العسكرية.. والوقوف خلف النظام الشيوعي
المتهالك في كابل.
وأما أمريكا فأخذت على عاتقها الجبهة
السياسية وما يتصل بها من جبهات فرعية من إعلام، اقتصاد، اجتماع، تعليم... إلخ
ومعها جيوش منظمة من المنافقين والباطنيين، والهيئات والمؤسسات المشبوهة..
والصهيونية ليست غائبة عن الساحة..
وإن كانت تعمل بهدوء وبلا ضجة بواسطة عملائها ومخابراتها في الساحة الأفغانية
وأصابعها ملموسة وواضحة للمراقبين.
أهداف التحالف ووسائله
هذا الجهد الضخم الذي تبذله أحزاب
الكفر، وهذا التحالف النادر، أهدافه الأساسية تتمثل فيما يلي:
1- الحيلولة دون قيام حكومة
إسلامية في کابل.
2- منع وصول القادة
الجهاديين وخاصة من يسميهم- الأصوليين- إلى الحكم المؤثر.
3- محاربة الجهاد من الداخل
بعد أن عجزت القوة العسكرية الخارجية عبر محاولة البلاشفة الحمر الفاشلة على مدى
عشر سنوات.. وهذه الحرب الخفية تتمثل في عدة أوجه:
أ- شراء أفراد معينين وعملاء من داخل
المنظمات الجهادية الرئيسية.
ب- استمالة بعض القيادات الميدانية
أو ذات النفوذ الرسمي أو القبلي وزرع الشبه في نفوسهم وتقديم المساعدات
«الإنسانية» لهم دون محاولة شرائهم، فيكفي أنهم محايدون أو أصدقاء أو على الأقل
يطمئنون ويحسنون الظن بالكافرين.
جـ- تربية جيل أفغاني جديد من خلال
توفير العمل والتعليم وفرص التدريب إلخ، لتعويدهم على نمط الحياة الغربية، وأن
يتعودوا على عدم معاداة الكافرين وحتى يتميع في نفوسهم معنى الولاء والبراء
«الفطري» عند الأفغان، فيستأنس بالغربيين.
د- إحياء النعرات القبلية والحزازات
وزرع الفرقة والخلافات بين المنظمات الجهادية عن طريق المنافقين والعملاء الذين
يخترقون الصفوف وقد يبرزون في بعض الأمور ليكون لهم التأثير..
4- من أهداف التحالف الكفري
أيضًا، تمييع القضية عالميًّا، وإطالة مدتها حتى تصبح من الصراعات المزمنة،
وينساها الناس بعد فترة- وتسهل بفعل مرور الأيام- بتسويتها سياسيًّا على نار هادئة
بعد أن يتعب المجاهدون، وتقل المساعدات وتطول الأزمة، فتنتهي على ما يحبون أو على
نهاية لا تشكل خطرًا على الكفر والطواغيت..
5- قطع صلة هذا الجهاد
المبارك بالعالم الإسلامي الضعيف الواقع تحت ذل الهيمنة والذي تسيطر عليه هذه
الوحوش الضارية التي تسمي نفسها «القوى العظمى» حتى لا ينتفض هذا العالم
«المستضعف» وتصيبه «عدوى الجهاد»، وعام التهيب من القوى الطاغية التي تكسرت
أنيابها في أفغانستان وعادت تجر أذيال الخيبة محطمة ذليلة..
6- تصفية العناصر المؤيدة
للجهاد أو التي تعتبر قنوات إيصال وربط بين الجهاد والأمة الإسلامية، لاسيما
العرب، وما كانت تصفية ضياء الحق والدكتور عبدالله عزام والمحاولات التي جرت ضد
الشيخ الزنداني وغيره من الشخصيات الإسلامية التي تتواجد في الساحة بفعالية إلا
ضمن سياق هذا الهدف..
7- محو آثار الجهاد في
الأمة، حيث استقطب هذا الجهاد أبناء الصحوة الإسلامية من العالم الإسلامي أجمع،
وسرت روح الجهاد في العالم الإسلامي وغيره، وأثبت الجهاد أن مواجهة القوى التي
تسمي نفسها «عظمى» ممكن.. وهزيمتها ممكنة أيضًا..
وما الخضوع لهذه الوحوش الضارية إلا
من ضعف الإيمان، وضعف التوكل على الله.. وهذه روح خطيرة على أعداء الإسلام لأنها
ستعيد الأمور إلى نصابها.. فيصبح المؤمن عزيزًا والكافر ذليلًا، لا كما هو حاصل
الآن في أوضاعنا المقلوبة!
8- هدف آخر هو حرق قادة
الجهاد البارزين إعلاميًّا وتشويه صورة الجهاد وتشكيك المسلمين في إسلامية هذا
الجهاد.. وإظهار هذا الجهاد وكأنه خرج من جلد أمريكا، وإظهار القادة الأفغان
وكأنهم ألعوبة في يد أمريكا.. ثم نشر الأكاذيب وتضخيم الأخطاء الفردية، إن وجدت،
لزعزعة ثقة المسلمين في هذا الجهاد، وقطع أملهم في التحول الإسلامي الكبير الذي
بدأ يشق طريقه في أرض الجهاد والعلماء.
دور بعضنا في خدمة هدف العدو
هذه مجمل الأهداف التي تتوخاها أحزاب
الكفر في تحالفها النادر، وحشودها الضخمة في أفغانستان اليوم.. وإلى جانب هذه
الأحزاب الكافرة يواجه الجهاد من كثير المسلمين ظلمًا يعتبر امتدادًا لهذه الحرب،
وفي بعض جوانبه نتيجة لهذه النشاطات، فمن المسلمين من يخذل.. ومنهم من يشكك..
ومنهم من يثبط.. ومنهم من يلمز.. ومنهم من لم يدرك أبعاد المعركة.. ومنهم من يتفرج
ويفرك يديه من بعيد يسترجع ويحوقل.. ومنهم من لم يسلم الجهاد والمجاهدون من لسانه..
كل هذه المشكلات تقف في طريق
المجاهدين كأنها ألغام تتفجر في طريقهم في كل خطوة.. ولكن تبقى هناك حقيقة واحدة..
أن الله لن يتخلى أبدًا عن عباده المؤمنين.. وأن الله سبحانه وتعالى يدافع عن
عباده الذين يحبهم والذين عبر عن حبه لهم في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾
(الصف:4) وإن الله قد يهلك الأرض ومن عليها في غمضة عين أو أقل منها في سبيل
ولي من أوليائه، ووالله لقد رأيت في أرض الجهاد كثيرًا ممن أظنهم أولياء لله..
أحسبهم كذلك ولا أزكى على الله أحدًا.
وإن الله لن يتخلى عن هؤلاء- إن شاء
الله- ولو وقف العالم کله جنه وإنسه ضدهم (وللحدیث بقية).
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إلیك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل