العنوان الجوع يواصل اختراق الوطن العربي دون مقاومة
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 53
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-فبراير-1999
اقتصاد
- لو تخلى سكان أوروبا وأمريكا عن استخدام العطور لأمكن سد الفجوة الغذائية في العالم أجمع، والتي يقع فيها (800) مليون شخص.
تواصل التقارير والدراسات المعنية بقضية الزراعة والأمن الغذائي في الوطن العربي إطلاق التحذيرات من تزايد حجم الفجوة الغذائية على المستويين الكمي والقيمي، والناتجة عن الاختلال الحاصل بين معدل نمو إنتاج الغذاء عربي المصدر، والذي لا يتجاوز (٢٪) وبين تزايد معدل الاستهلاك السنوي، والذي يتجاوز (٦٪)، وتشير الدراسات في هذا المجال إلى أن قيمة هذا العجز ستتجاوز مبلغ (٣٠) مليار دولار مع بداية القرن الحادي والعشرين في ظل استمرار غياب إستراتيجية عربية موحدة لحل هذه المشكلة.
ويعود التراجع في متطلبات إنتاج الغذاء وتنشيط القطاع الزراعي إلى أن جهود التنمية العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية وخاصة خلال فترة الوفرة النفطية لم تستطع استغلال الإمكانات المتوافرة في إحداث التبدل المطلوب في هيكل الاقتصاد العربي؛ حيث تخلف قطاع الزراعة، ونشأت أزمة حقيقية في الغذاء بشقيه النباتي والحيواني؛ نتيجة الانكشاف الحاصل بين الإنتاج والاستهلاك، وازدادت الفجوة بين نمو إنتاج الغذاء من جهة، وبين نمو الطلب عليه من جهة أخرى، ودفع تخلف وتائر الإنتاج الغذائي عن وتائر نمو الطلب إلى اللجوء للأسواق العالمية لتغطية العجز وسد الطلب على المنتجات الزراعية وبخاصة الغذائية منها.
بل إن ما يلحظه المتابع في هذا المجال أن تزايد الفجوة الغذائية قد بدأ منذ أوائل السبعينيات، وفي هذا المجال تؤكد دراسة اقتصادية بعنوان «إنتاج الغذاء القاعدة الصلبة في مواجهة التحديات المستقبلية» أنه في عام ۱۹۷۰ لم يزد العجز الغذائي على (٦٥٠) مليون دولار، إلا أنه باشر مسيرة الصعود وبمعدلات كبيرة منذ ذلك الوقت فارتفع إلى (١٤,١) مليار دولار في عام ۱۹۸۱م، أي أن نسبة العجز تزايدت بمعدل سنوي يزيد على (٤٠٪) تقريبًا.
وأضافت الدراسة أنه على الرغم من تنبه المجتمعات العربية على المستويين القطري والقومي إلى هذه القضية الإستراتيجية وهو ما نتج عنه اهتمام بالزراعة، وبالتالي تقلص الفجوة عام ١٩٩١م إلى حوالي (9) مليارات دولار، إلا أن مسيرة تزايد قيمة الفجوة بدأت في الارتفاع من جديد، إذ تزايدت نسبة الاعتماد على استيراد الغذاء «نسبة المستوردات الغذائية إلى الأغذية المتاحة» لتبلغ في القمح حوالي (٥٠٪) وفي الزيوت النباتية حوالي (٦٥٪) ولتتجاوز في السكر (۷۰٪) وفي اللحوم (۱۲٪).
وفي هذا الإطار تناول التقرير السنوي التاسع أوضاع الأمن الغذائي العربي لعام (۱۹۹۷م) الصادر مؤخرًا عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية تناول قضية الأمن الغذائي العربي بالتفصيل خلال السنوات الثلاثة الماضية أي في الفترة من ١٩٩٥م- ۱۹۹۷م وقدم صورة كاملة عن التطورات التي حدثت في مجال إنتاج الغذاء ومحاولات سد الفجوة الغذائية، ومما جاء في التقرير أنه قد تحققت خلال هذه الفترة تطورات إيجابية تمثلت في ارتفاع نسبة الاكتفاء الذاتي من معظم المجموعات والسلع الغذائية الرئيسة، ينطبق ذلك على مجموعة الحبوب، حيث زادت نسبة الاكتفاء الذاتي لها من حوالي (٥٣,١٪) إلى (٦٥,٣٪) ويقدر أن تبلغ في عام ۱۹۹۷م حوالي (٣٦,٦٪) وينطبق ذلك على البقوليات والزيوت واللحوم الحمراء.
وأضاف التقرير أن هناك بعض المجموعات من السلع الغذائية التي كانت أكثر ميلًا نحو انخفاض نسب الاكتفاء الذاتي منها، وتضم تلك المجموعات البطاطس، والسكر، والأسماك، والألبان.
وأشار التقرير إلى أن قيمة الفجوة من الحبوب التي بلغت حوالي (٥,٩٤) مليار دولار عام ١٩٩٥م، ارتفعت إلى حوالي (٦,٢٠) مليار دولار عام ١٩٩٦ وذلك على الرغم من انخفاض كمية الفجوة من حوالي (٣٣.٥) مليون طن إلى حوالي (۲۸,۳) مليون طن؛ وذلك بسبب ارتفاع الأسعار، وقد كانت فجوة القمح تقدر بنحو (۲,۷۸) مليار دولار ارتفعت إلى حوالي (۳٫۲) مليار دولار، برغم الانخفاض الكمي للفجوة من حوالي (۱۵,۹) مليون طن إلى حوالي (۱۳,۲) مليون طن، وفيما يختص بالمنتجات الحيوانية انخفضت قيمة الفجوة من مجموع اللحوم من حوالي (۹۷۸) مليون دولار عام ١٩٩٥م إلى حوالي (۹۰۹) ملايين دولار عام ١٩٩٦م.
بعد ذلك تحدث التقرير عن تطور أوضاع الإنتاج الغذائي فأكد أن المساحات المزروعة من معظم المحاصيل الزراعية الغذائية شهدت تطورًا إيجابيًا في السنوات الأخيرة، وقد كانت النسب الأعلى للزيادة من نصيب مجموعة الحبوب وبخاصة في الزراعات المطرية، وقد بلغت نسبة الزيادة في مساحة الحبوب في الوطن العربي حوالي (١٥٪) فيما بين عام ١٩٩٥م و١٩٩٦م، وارتفعت كمية إنتاج الحبوب من حوالي (۳۷۹) مليون طن عام ۱۹۹٥م إلى حوالي (٥٣.٢) مليون طن عام ١٩٩٦م، وتزايد إنتاج القمح بنسبة تبلغ (٤٣,٣٪) حيث ارتفع هذا الإنتاج إلى (۲۳,۹۸) مليون طن عام ١٩٩٦م، وبخلاف مجموعة الحبوب فقد أوضحت باقي المجموعات معدلات مختلفة من التطور الإنتاجي.
وقال التقرير إنه بالنسبة للمنتجات الغذائية من المنتجات الحيوانية فقد أوضح معظمها تطورات إيجابية، فزاد إنتاج اللحوم الحمراء من حوالي (۳,۱۱) ملايين طن إلى حوالي (٣,٢٦) بين عام ١٩٩٥م و١٩٩٦م، فيما تراجع قليلًا إنتاج اللحوم البيضاء، أما إنتاج الألبان فقد شهد ارتفاعًا إلى حوالي (١٦,٣٩) مليون طن عام ١٩٩٦م، أما بالنسبة للأسماك فقد تحسن إنتاجها في الأعوام الأخيرة؛ حيث ارتفع من حوالي (٢,٤٣) مليون طن عام ١٩٩٥م، ليصل إلى (٢,٤٩) مليون طن في العام التالي.
كما استعرضت دراسة أخرى صادرة عن اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية صدرت مؤخرًا- أوضاع التجارة الزراعية الغذائية للبلدان العربية، فقالت إن المؤشرات الإحصائية تدل على أن البلاد العربية جميعها تعاني من عجز في الميزان التجاري الزراعي والغذائي، وأن المنتجات الزراعية تحتل أهمية نسبية كبيرة في واردات البلاد العربية مقارنة بالصادرات، ففي عام ۱۹۹٦م بلغ العجز التجاري الزراعي العربي حوالي (۱۷) مليار دولار، وبلغ العجز التجاري الغذائي حوالي (١٥) مليار دولار، والتجارة في المنتجات الزراعية (صادرات + واردات) بلغت عام ١٩٩٦م حوالي (٣٠) مليار دولار، حيث مثلت نسبة (١٢٪) من إجمالي التجارة الخارجية، وقد مثلت الصادرات الزراعية نسبة (5%) من الصادرات الكلية، بينما مثلت الواردات الزراعية نسبة (١٨٪) من إجمالي الواردات، وتحتل الحبوب مركز الصدارة في سلة الواردات الزراعية، وتبلغ نسبة (٢٩٪) فيما تبلغ حصتها نسبة (٧٪) من الصادرات الزراعية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قضية نقص الغذاء ليست قضية عربية فقط، بل هي عالمية، فحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) فإن عدد الذين جوعًا يتضورون في العالم يزيد على (۸۰۰) مليون شخص، كما تتوقع المنظمة الدولية أن يقفز هذا العدد إلى مليار شخص بعد عقدين من الزمان؛ أي في العام ۲۰۲۰م وإلى (3) مليارات خلال نصف القرن المقبل، وتذهب صحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية إلى أبعد من ذلك، فتقول إنه في كل سنة يموت حوالي (٣٠) مليون شخص من الجوع، وتمضي الصحيفة الفرنسية في التعليق على أن المشكلة برغم عالميتها مصطنعة ولتحقيق أهداف سياسية، فتقول: إن التوصل إلى إشباع عالمي للحاجات الغذائية والصحية لا يكلف إلا (١٣) مليار دولار؛ أي ما يساوي تقريبًا استهلاك سكان الولايات المتحدة ودول المجموعة الأوروبية من العطور.
وبرغم ذلك فإن قضية الغذاء على الصعيد العربي أخطر منها على الصعيد العالمي؛ وذلك ناتج من ارتفاع قيمة فاتورة الغذاء التي يدفعها الوطن العربي سنويًا، وبخاصة مع انخفاض عائدات النفط العربية والتي سوف تنعكس لا على الدول العربية النفطية فقط، بل على مجموع الدول العربية الأخيرة سواء من خلال المساعدات المباشرة التي تقدمها الدول العربية النفطية، أو من خلال انحسار فرص العمل التي توفرها، وبالتالي ارتفاع قيمة العجز في موازين مدفوعاتها، مما يجعلها عاجزة عن توفير الأموال اللازمة لدفع فاتورة الغذاء الباهظة.