; الجيش الأمريكي.. مسطول! | مجلة المجتمع

العنوان الجيش الأمريكي.. مسطول!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

مشاهدات 94

نشر في العدد 79

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

الجيش الأمريكي.. مسطول!

إعداد قسم الترجمة

عندما تظهر آثار التدهور والانحدار في القطاعات المدنية من المجتمع؛ فإن أمر الحضارة التي يقوم عليها هذا المجتمع لا يعتبر قد وصل مرحلة التأزم بعد، ولكن عندما يصل التدهور والانحطاط إلى صفوف القوات المسلحة؛ فإن هذا يعد نذيرًا بالخطر.. بل الخطر الجسيم.. لإنه يعني ببساطة ليس سقوط المجتمع فقط، ولكن سقوط حضارة بأكملها، لأنه يشير ليس فقط إلى ظاهرة عرضية، ولكن إلى خلل أصيل... فهذا هو درس التاريخ.. فعندما تدهور المستوى الأخلاقي والنفسي للفرق الرومانية لم يستغرق سقوط الحضارة الرومانية رسميًا إلا سنوات قليلة بعد ذلك... والأمثلة كثيرة في التاريخ القديم والحديث.. وربما كان ذلك لأن الجيش بحكم طبيعته مبني على النظام، والضبط، والربط، والصرامة، فلديه حصانة من التأثر السريع، وبذلك يكون آخر المعاقل التي يتسرب إليها الفساد..

على أي حال هذا أحد المقاييس التي يحدد بها بعض المحللين مدى تدهور مجتمع ما، فالجيش هو الطليعة المتقدمة التي تحمل مثله، وتقاليده، وقيمه إلى العالم الخارجي، وبالذات بالنسبة للإمبراطوريات الفاتحة.. وأمريكا تحتل نفس المكانة في العالم الحديث التي كانت تحتلها روما في العالم القديم.. ومثلما تسرب الفساد والانحطاط إلى الفرق الرومانية في مستعمراتها الخارجية؛ فإن نفس الظاهرة بدأت تأخذ طريقها إلى الجيوش الأمريكية المرابطة في كل أنحاء العالم.. فمنذ عدة شهور نشر أحد المسئولين عن الحالة المعنوية والنفسية للقوات الأمريكية في فيتنام تقريرًا خطيرًا عن المستوى الأخلاقي الذي وصل إليه أفراد هذه القوات.. وهذه الدراسة لم تتم في أحد المكاتب الفاخرة في واشنطن، ولكنها دراسة ميدانية من صميم المواقع التي يرابط فيها أفراد القوات الأمريكية في مواجهة عصابات الفيتكونج الشيوعية، وقد أكدت هذه التحقيقات: أن عددًا كبيرًا من الجنود الأمريكيين المحاربين في فيتنام يتعاطون المخدرات، ونسبة كبيرة منهم وصلت حد الإدمان على أخطر أنواع المخدرات وهو الهيرويين.. وقد أشارت هذه التحقيقات إلى أن مصدر هذه المخدرات هو بعض الدول المجاورة، وأن تهريبه يتم عن طريق حلقة من المهربين ذات الصلة الوثيقة ببعض كبار المسئولين في الحكومة والجيش الفيتنامي... وكان من نتائج هذه الدراسة الخطيرة؛ أن ألقي القبض على حاكم إحدى المقاطعات في فيتنام الجنوبية، وهو ضابط كبير برتبة جنرال.. كما أصبح المحتم على أي جندي يترك ميدان المعركة في فيتنام في طريقه إلى أمريكا أن يخضع لكشف دقيق لتبين مدى إدمانه للأفيون والهيرويين.. وكل من يثبت إدمانه يبقى في المستشفى العسكري في الولاية التابع لها فحسب ولا يسمح له بالعودة إلى الحياة العملية حتى يتم شفاؤه... ولكن اكتشفت أخيرًا وسائل كثيرة للتحايل.

وفي هذا الاسبوع جاء دور البحرية ومشاة الأسطول الأمريكي الذين يعتبرون فخر القوات المسلحة في الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، وقد خلد سلاح مشاة الأسطول؛ بإقامة تمثال ضخم له في عاصمة الولايات المتحدة.. فالأمريكيون يشعرون أن توسع نفوذهم بعيدًا عن شواطئهم وفتح أسواق لمنتجاتهم في الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية كان بفضل مشاة الأسطول الأمريكي.. فهو السلاح الذي دافع عن مصالح الرأسمالية الأمريكية، وهي ما زالت تحبو وكان بمثابة الحارس الأمين على ممتلكاتها في الخارج.. وهو نفس الدور الذي قامت به البحرية البريطانية في بداية عصرها الاستعماري وفي أوجه...

وقد بدأت قصة البحرية الأمريكية في مارس الماضي؛ عندما ألقي القبض على أربعين بحارًا على ظهر حاملة الطائرات كايس الرأسية وقتئذ في قاعدتها في كاليفورنيا بتهمة استعمال المخدرات.. وفي الأسبوع الماضي اعتقل سبعة آخرون بنفس التهمة.. وهذه الأحداث لا يمكن عزلها عن بعضها وهي في مجموعها أصبحت تمثل مشكلة خطيرة لقيادة البحرية الأمريكية؛ لأن تعاطي المخدرات بكافة أنواعها قد انتشر من فيتنام لكل القواعد البحرية الأمريكية، وإلى كل الموانئ التي تزورها سفن الأسطول في مناطق جنوب شرق آسيا وما وراءها، وإذا عرفنا أن عدد قطع الأسطول الأمريكي في المحيط الباسفيكي يصل إلى ٣٣٠ قطعة بحرية؛ فسندرك مدى خطورة هذه الظاهرة.. ولذلك استدعت قيادة الأسطول مجموعة من الضباط المسئولين في هذه القطع الثلاثمائة والثلاثين لاجتماع في هونولولو للتشاور في الإجراءات التي يجب اتخاذها لوقف هذا الخطر...

ولكن من المشكوك فيه أن ينجلي هذا الاجتماع عن إجابات سريعة أو سهلة.. لأن تنبه قيادة البحرية الأمريكية لمشكلة المخدرات جاء متأخرًا، ولذلك فإن أبعادًا كثيرة من المشكلة ما زالت مجهولة، فمثلًا يعتقد المسئولون أن استعمال الحشيش منتشر بين جنود الأسطول السادس في البحر المتوسط -والذي يخيف دول الشرق الأوسط- أكثر من استعمال الهيرويين، ولكن لا توجد إحصائيات موثوق بها...

وقد صرح الأدميرال برنارد کيرلي قائد أسطول الباسفيك بأنه يعتقد أن حوالي ٣٠٪ من الجنود الذين تحت أمرته وعددهم 270000 جندي يستعملون المخدرات، وثلاثين بالمائة من هذا العدد تعني أن حوالي 71000 بحار أمريكي في منطقة الباسفيك وحدها يدمن المخدرات.. كما يعتقد بعض المسئولين في البحرية أن حوالي ٨٠٪ من العاملين في الوظائف الإدارية للأسطول يتعاطون المخدرات، ونسبة كبيرة من هؤلاء تدمن الهيروين بالذات...

وتخشي البحرية الأمريكية من نوع خاص من المخدرات وهو ما يسمى «ل . س . د»؛ وذلك لأن هذا الصنف له آثار تبقى مدة طويلة مع متعاطيه تسبب له الهلوسة والاضطراب الذهني وربما تقود إلى الجنون...

وأول مرة تبرز فيها مشكلة المخدرات في الأسطول وتأخذ طريقها إلى الصحف ووسائل الإعلام في ديسمبر الماضي، عندما أخبر أحد البحارة الأمريكيين صحفيًا في سايفون أن ۷۰٪ من زملائه العاملين في السفن العاملة في نهر ميكونج يدخنون المخدرات وما هو أسوأ منها..

وعندما نشر هذا التصريح قامت السلطات في الأسطول بإجراء تحقيق فوري؛ فصل فيه ثمانية من بحارة السفن في نهر ميكونج.. وعندما تعمق المحققون؛ وصلت بهم تحرياتهم إلى بانجكوك حيث عثرعلى كمية من قوالب المورفين تزن الواحدة كيلو، وتساوي كل منها ثلاثة آلاف دولار معدة لكي تهرب إلى سايجون لتوزيعها على بحارة الأسطول الأمريكي، ثم بعد ذلك قادتهم التحريات إلى هونج كونج؛ حيث يجرى تنقية أنواع المخدرات وإعدادها للاستهلاك، وشحنها في مراكب صغيرة لتباع على أطقم السفن الأمريكية في بحر الصين وخليج تونکین...

وتعتبر الفليبين في نظر قادة البحرية الأمريكية من أخطر مصادر المخدرات..  فمدينة أولنجابو الفليبينية المشهورة بحاناتها ومواخيرها تعتبر مقصد البحارة في المحيط الباسفيكي، فهناك يستطيع البحار أن يحصل على هيرويين تصل نقاوته ۸۰٪ إلى ٩٠٪، ويقبل البحارة على هذا النوع؛ لأن الأفيون لا يكفي لإشباع إدمانهم..

فماذا تفعل البحرية الأمريكية لعلاج هذه الظاهرة؟ زود البوليس الحربي بالكلاب البوليسية التي تجوب الموانئ التي ترسو بها سفن الأسطول، كما صدرت الأوامر بتفتيش كل سفينة وبحارتها عند الرسو وقبل الإقلاع بحثًا عن المخدرات.. ولكن هل أجدت هذه الوسائل؟ أبدًا، بدليل أن البحرية قد طردت أكثر من ستة آلاف ممن ثبت إدمانهم خلال هذا العام، ويعتقد بعض الضباط أن عدد المدمنين غير المعروفين قد يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا العدد.. وكل هؤلاء يتركون الجيش ليسمموا الحياة المدنية، ويملأوا المدن بالجرائم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

111

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 242

77

الثلاثاء 25-مارس-1975

توقفت مهّمة كيسنجر

نشر في العدد 225

77

الثلاثاء 12-نوفمبر-1974

العالم الإسلامي (العدد 225)