العنوان الجيل الجديد يَتَمَنَّى رجالًا
الكاتب محمد بن سليمان العبده
تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1974
مشاهدات 69
نشر في العدد 226
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 19-نوفمبر-1974
الجيل الجديد يَتَمَنَّى رجالًا:
يروى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال لجلسائه يومًا:
ليتمنَّ كل منكم أمنية، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون لي ملء هذه الغرفة مالًا أنفقه في سبيل الله، ثم بدأ كل واحد يتمنى أمنية ترضي الله سبحانه وتعالى، فقال عمر: «أما أنا فأتمنى أن يكون لي ملء هذه الغرفة رجالًا أمثال معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان أبعثهم عمالًا على الأمصار»، لله در عمر وما أصدق قول الرسول فيه «لم أر عبقريًّا يفري فريه» إنه يتمنى رجالًا من طراز معين وعندئذ يطمئن لقد عرف بثاقب بصيرته أن أغلى شيء تملكه الأمة هو الرجال والمال يأتي ويذهب وأما فقد الرجال فخسارة لا تعوض.
إن الفوارق بين بعض الناس وبعض كبيرة جدًّا، ولذلك وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- المسلمين في فترة من فتراتهم بأنهم غناء كفناء السيل وفي غزوة أحد وبعد نهاية القتال، وقف أبو سفيان زعيم معسكر الشرك يومها، وقف يسأل عن محمد -صلى الله عليه وسلم- أهو في الإحياء ثم سأل عــن أبي بكر وعمر، لقد كان يعلم قيمة أبي بكر وعمر في هذه الدولة الإسلامية الناشئة.
ولما توفي سعد بن معاذ بعد غزوة بني قريظة قال جبريل عليه السلام لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: «مَن هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش»، فلماذا هذا الاحتفال بمقدم سعد، إنه من الرجال الذين تمناهم عمر بن الخطاب فموقفه الحازم في غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة يدل على الإيمان المستعلي والحزم والرؤية الصادقة للأمور، ولما كلمه قومه في بني قريظة يستمع لهم وحكم فيهم الله، إنه الوعي الكامل لمبادئ الإسلام ولأحكام الإسلام ولما يريده الإسلام، ولما سُئل الإمام أحمد -رضي الله عنه- عن الإمام الشافعي قال: كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن.
إنه وصف دقيق جدًّا لقيمة العلماء أمثال الشافعي والمسلمون اليوم أجدر الناس وأحوج الناس أيضًا بأن يكون فيهم رجال يقاسون بالمئات.
إن في ذلك لعبرة:
كان عيد الفطر دافعًا لزيارتي في بيته، سلمت عليه ودعوت لـه بالمغفرة والطاعة المقبولة ثم جلست نتحدث.
وتناقلت أحاديثنا فامتدت إلى واقع الحياة وألوانها ولم أكن من قبل أعرف عنه سوى أنه صاحب مهنة.
سألته عن حياته فقال:
إن الحياة يا صاحبي لا تكن صعبة أمامي، والدنيا لا تأتي متحفظة معي، وممسكة بزرقها عني، يا لها من دنيا تنقلب على الإنسان من بعد أن تظهر الود له، وتعضه بحاد أنيابها من بعد تعطفها إليه.
فأنا يا صاحبي لا زلت أذكر تلك الأيام التي سعدت فيها وتمتعت بلذتها وكنت فيها لا أعرف عن الحياة أو شدة الواقع فقد كانت مهنتي تدر من المال ما عجزت عن حسابه، وطالعي يبشر في يوم بوافر من النجاح والتقدم، غدوت لا أرى إلا المال ولا أعرف سوى السعادة والمتعة، وأصبحت لا أفكر في شيء سوى اللذة، واجتمع من حولي الأصدقاء فما من ليل وكان لنا فيه نصيب من كأس مترعة وقصة ممتعة، واليوم ذهب المال من يدي وضاقت الدنيا في وجهي وعدت لا أرى سوى الفقر من بعد الثراء، والحاجة من بعد الغنى، واستمر الرجل في حديثه عن حياته وهنا سألته:
أما لك يا هذا أهل وإخوان يساعدونك في شدتك؟
فأجاب قائلًا: مساكين أخواني وأهلي، إنهم أكثر مني فقرًا وأشد حاجة ولو استطعت الآن لقدمت العون لهم.
نعم هم والله بحاجة للعون، لمَ يا رب لا ترزقني المال لأساعدهم؟ لم لا توفقني لا تصدق عليهم؟ كم أود يا صاحبي لو أن الله يرزقني بالمال لأقدمه لهم.
وهنا سألته وهل تعتقد يا رجل أن التوفيق هو في غنى المال والثروة؟
قال: أوليس المال هو نعمة كبيرة يتمناها كل إنسان؟ وما الحياة إن خلت من المال؟
قلت: أو تعتقد يا هذا أنك شكرت الله على نعمته حين أغدقها عليك؟
هل أديت فرض صلاة أو صيام؟
قال كلا، قلت: وهل تصدقت على فقير أو مسكين، قال: كلا لم أفعل قلت: وهل انتهيت عن محرم تركت فاحشة؟ فأجاب لا لم أفعل.
قلت: أرأيت يا هذا كيف ينزل المطر من السماء على صخرة تعفر وجهها بالتراب المتراكم فلا يتركها لا وقد أزال ما عليها من تراب؟
لك مثل متاع الحياة الدنيا، زول بأمر الله في مثل طرفة العين.
المال يا صاحبي لا يدوم لإنسان في هذه الحياة.
ولو تفكرت مليًّا لرأيت أن في هذا حكمة بالغة، فالله تعالى لا يعطيها إلا ليبلو، ولا يأخذ إلا ليبلو، يعطي الخير لعبده لينتظر عمله وشكره ويأخذ منه ليرى جهاده وصبره.
مسكين يا هذا فلقد بهرتك الدنيا بزخرفها ومتاعها الزائل، ونسيت نعمة الله حين أعطاك المال وهيأ لك الرزق، وغفلت عن ذكره وخرجت من طاعته وركضت وراء شهواتك و ملذاتك ونسيت أن تشكر الله عبادته وخشيته، فأمهلك حتى إذا جاء أمره انتزع الرزق منك وجردك من كل نعمه فإذا بك الآن تلومه على فقرك وما دريت أن النعمة لصاحبها وأن المال لا يخلد من لا تدوم لمالكه.
وإن لا شيء في هذه الدنيا سوى العمل الصالح تدوم به النعمة ويخلد صاحبه في الجنة.
ألا فأعتبر يا هذا واذكر قول الله تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. (سورة البقرة:152)
وما أنهيت كلامي حتى ترقرق الدمع من مقلته وقال بصوت خاشع أجل يا صاحبي، إنها لعبرة وأي عبرة!!
عيد السناني
الجيل الجديد: تحية للإخوة المؤمنين:
بينما الباطل يلج في عنوة ووحشية ويسدر في غيه وضلاله، وينكل بالمؤمنين الشرفاء ويودعهم سجونه ومعتقلاته، في ثنايا ذلك الجو المكهرب العنيف الذي تعيشه البشرية في شمال وجنوب وفي شرق وغرب تتراءى لي وفود مؤمنة قادمة تشق طريقها عبر ذلك الجو المخيف إنها نماذج مؤمنة ومشاعل هدى وطلائع خير جاءت لترد هذه البشرية الضاربة في التيه إلى خط سيرها المرسوم الذي أراده الله لها والذي انحرفت عنه حقبة من الزمان بفعل ركام الجاهلية الحديثة وما صنعته من تصورات وأوضاع يندى لها جبين الإنسانية.
وهذه النماذج المؤمنة بلا شك قد وضعت في حسابها ما سوف تتعرض له في طريقها الشائك الطويل من كيد الأعداء ودسائس الأعداء، لكنها رغم ذلك كله سوف تمضي في خضم الجاهلية هازئة بالطواغيت مستعلية بإيمانها لأنها تدرك تمامًا بأن عليها وحدها مسؤولية الحماية للإسلام ومحاولة رد البشرية إلى رحابه والعيش في ظلاله بعد التعب المضني والعناء الطويل، وأن عليها أن تخوض حربًا لا هوادة فيها مع نفسها في الطريق وما يلابسها من الضعف والهوى ومع الجاهلية المتربصة على جانبي الطريق حتى يتحقق النصر بإذن الله لأنها تؤمن كذلك بأن الإيمان لا يستقر في قلب حتى يتحرك به صاحبه ويصطدم بالجاهلية من حوله ويتعرض للفتنة والابتلاء مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:2-3) ولعلمها بأن الإسلام اليقظ المتحرك هو الذي أمرنا الله أن ندين به ولا يقبل منا سواه وهو الذي يشكل خطرًا يهدد الطواغيت أينما كانوا فأما الإسلام المخدر النائم فذلك إنما يمثل الصورة المزورة عن الإسلام، والاستعمار حريص على أن يطبع الجيل بها على الأقل لأنها لا تشكل مصدر خطر عليه أبدًا.
فتحية لأولئك الأخوة المؤمنين في كل أرض ومن كل جنس الذين يشكلون الطلائع الحية للجولة الإسلامية المرتقبة وإنني لأرجو الله القدير أن يبارك فيهم ويرعى جهادهم المجيد ومسيرتهم الميمونة المظفرة فإنهم بتصميمهم الجاد وعزمهم الحديدي الذي لا يطرأ عليه الوهن ولا الكلال ينسجون خيوط الراية الإسلامية حتى ترفرف فوق ربوع المعمورة وما ذلك على الله بعزيز و استحضروا معي دائمًا قول الشهيد سيد قطب -يرحمه الله- تعالى: «إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا ولكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟! كما أن عليكم أن تستحضروا قبل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- الله لخديجة رضي عنها: «مضى عهد النوم يا خديجة» وأنتم أيها الأخوة الأوفياء بارتضائكم الإسلام وارتضائكم الجهاد لتحقيقه قد تركتم النوم والراحة لغيركم أما أنتم فقد اخترتم السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
أحمد شيبان
الرابط المختصر :