; الجيل الذي عارض الدين ذهب مع الريح | مجلة المجتمع

العنوان الجيل الذي عارض الدين ذهب مع الريح

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 695

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-ديسمبر-1984

يقول الدكتور محمد محمد حسن: إن طه حسين والعقاد لا ينتميان أصلًا إلى المدرسة الإسلامية من الناحية الفكرية ولكنهما ينتميان منذ نشأتهما الأولى إلى «المدرسة الليبرالية» المتحررة التي تعتبر «لطفي السيد» أستاذها الأول في جيلهما، والمدرسة الليبرالية تحكم العقل المجرد والمتحرر من كل المواريث الفكرية والسلوكية، في كل شيء، ولا تبالي أن تلتقي مع الدين في كل وجهات النظر أو لبعضها أو تتعارض معه وتخالفه، ولكن كان طه حسين أكثر عنفًا وأكثر جرأة في معارضة الدين، وفي المجاهرة بما يثير الناس ليلفت إلى نفسه الأنظار، لقد هاجم طه حسين أباه فيما كان يتلوه من أوراد وأدعية في أعقاب الصلاة وفي الليل «في كتاب الأيام» إن طه حسين والعقاد قد اكتسحتهما الموجة الإسلامية العارمة فتتابعت كتبهما بعد أن أصبح ذلك هو البدع الشائع الذي يغمر الأسواق، ولم يعد التشدق بالكفر ونظرياته المستوردة سمة من سمات المفكرين، تستهوي الأغرار من الشباب كما كان في العشرينيات. ويرجع هذا الانقلاب الفكري إلى عدة عوامل عدلت بالناس وبكثير من المفكرين عن طريق احتذاء الحضارة الغربية والفكر الغربي وردتهم إلى طريق الإسلام، موجة التنصير، هجرة اليهود إلى فلسطين، سقوط الخلافة على يد الكماليين، ظهور جمعيات إسلامية عظيمة.

إن هناك قاعدة أساسية ينبغي أن توضع في الحسبان حين يوزن الأدباء والمفكرين من وجهة النظر الإسلامية، وهي أن الإسلام نظرية في السلوك مثل ما أنه نظرية في المعرفة، ولذلك كان من المهم ألا يقبل فكر إسلامي أو أدب إسلامي من مفكر أو أديب لا يمارس الإسلام ولا يلتزم به ومعروف أن طه حسين والعقاد لم يكونا ممارسين للإسلام في أصوله الأصيلة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن كتاب مصر هؤلاء: الشوامخ الرواد، لم يحاربوا الاستعمار ولا الاستبداد. وإنما حاربوا خصومهم السياسيين، وكانوا يفرقون تفرقة واضحة بين موقف سياسي مع الاستعمار البريطاني وبين إيمان عامر بالثقافة الغربية والديمقراطية الغربية والليبرالية الغربية كمنهج حياة، ففي نفس الوقت الذين كانوا يطالبون فيه بالحرية والاستقلال كانوا يؤمنون بعظم الحضارة الغربية والمنهج الديمقراطي كأساس للحكم، فهم أولًا في شهرة صنعتها السياسة والحزبية ولم يصنعها الفكر، وكانوا خصوصًا ظاهرين للنفوذ الأجنبي وأصدقاء واضحين للفكر الغربي.

أولًا: كان كتاب الأحزاب والسياسة «وهم صفوة الشوامخ والرواد» مسالمين للإنجليز غير معارضين لهم بل كانوا يقبلون بالتفاهم معهم وهذا منطق مدرسة سعد زغلول المعارضة لمدرسة مصطفى كامل.

ثانيًا: كان كتاب مصر وأبرزهم في صف حزب الأقلية المعارضة للوطنية الشعبية «حزب الأحرار الدستوريين» لطفي السيد وطه حسين ومحمد حسين هيكل وإبراهيم المازني وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي ومنصور فهمي.

ثالثًا: كان كتاب مصر في هذه الفترة يعارضون النفوذ الإنجليزي السياسي برفق شديد من داخل دائرة التفاهم معه، ولكنهم كانوا يقبلون أنظمة الغرب الليبرالية والرأسمالية بكل ما تمثل من إقطاع وسخرية وسيطرة ويؤيدونها، بل كانوا يقبلون مذاهب الغرب في النقد والشعر ويتصدون للدفاع عنها وحمل لوائها وقد حمل العقاد والمازني لواء الدعوة إلى المدرسة الإنجليزية في النقد «هازلت وغيره».

رابعًا: خدع كتاب مصر في عدد من الشخصيات الموصومة:

«1» خدعوا في «ماكس توردو» اليهودي خليفة هرتزل وكرموه وكتبوا له فصولًا مطولة تقديرًا وإعزازًا.

«2» خدعوا في عباس قائد المذهب البهائي وحفلوا به ودعوا إلى نحلته «العقاد، إسماعيل مظهر» دون أن يتنبهوا أخطارها وسمومها.

خامسًا: كشفوا عن مفهوم التحلل وإعلاء شأن الجنس في الأدب سواء عن طريق ترجمة القصص الغربية المكشوفة كما فعل طه حسين أو عن طريق القبول به كمذهب في الحياة كما فعل غيره.

ولقد أشار الأستاذ المازني إلى هذا فقال في كتابه قبض الريح ص 63 وما بعدها: ولقد لفتني في الدكتور طه في كتابه «حديث الأربعاء» وهو مما وضع «قصص تمثيلية» وهي ملخصة: «إن له ولعًا يتعقب الزناة والفساق والفجرة والزنادقة».

كما أشار الأستاذ الغمراوي إلى أسلوب الإباحة والكشف الواضح في كتابات هذا العصر «مقالاته في المعركة بين الرافعي والعقاد» الرسالة مجلد 1937 ونحن حين نكشف هنا وفي كثير من دراسات سابقة عن حقيقة هؤلاء. لا نستهدف إلا كشف فساد هذا التيار الوافد وخطره، وقد ظل طه حسين مكشوفًا لحيله أكثر من أربعين سنة ولم يغلب عليه طابع القداسة الكاذب إلا بعد أن مات الرافعي والعقاد وزكي مبارك ومحي الدين الخطيب وكل الذين كانوا يعرفون خبيئته وهدفه.

إن الذين يكتبون ليدفعوا عن التغريبيين تحت أسماء كبيرة كالشوامخ والرواد، لا يخدعون أحدًا، مهما أفسحت لهم الصحف الكبرى الصفحات ومهما أفسحوا لأنفسهم أسلوب المغالطة والتضليل فإنهم إنما يدافعون في الحقيقة عن شوامخ الهزيمة ودعاة الخروج من الذاتية العربية الإسلامية أمثال سلامة موسى وطه حسين، قاسم أمين، وهدى شعراوي، لويس عوض، وساطع الحصري وتوفيق الحكيم. ولكنهم يختفون وراء عناوين ضخمة ويضمون أسماء أخرى ليست مهتمة في الحقيقة وإن كان مفهومها ليس سليمًا تمامًا، إنه «المراوغة» التي يجيدها هؤلاء التغريبيون الصغار في الدفاع عن وجودهم وهم يرون هذا البرج الذي بنوه على الرمال على وشك السقوط فوق رؤوسهم، وإذا كانوا هم لا يؤمنون بقداسة شيء حتى الدين المنزل نفسه فلماذا يحاولون أن يحيطوا هؤلاء بقداسة ويصادرون الرأي فهم يجمعون مناقشة أفكارهم الزائفة التي خدعت الناس طويلًا قبل أن يستيقظوا ويفهموا الحقيقة، وتنكشف لهم المؤامرة التي كانوا يقودونها والتي خدعوا بها الأمة سنوات قبل أن ترتفع عن عينها الغشاوة.

وقد أعجبتني عبارة للدكتور عبد الصبور مرزوق في هذه المحاورة وذلك قوله:

«إن ضرب أسوار القداسة حول الكبار أخطأوا أم أصابوا إنما هي خيانة فكرية للأمة بأسرها وتزييف لهالات التقديس التي يحاطون بها من حملة القماقم أو خبثاء الطوايا وهذا ما يؤدي حتى إلى إعادة فتح الملفات فور زوال العمى عن البصائر وبمجرد انحسار هالات المجد التي كان يعيشها الكبار من قبل».

ومن حقنا أن نتساءل مع الدكتور عبد العزيز حمودة:

ما هو المقياس الحقيقي للشوامخ: أليست الأمانة للوطن والأمة والأصالة وعدم التبعية؟! فماذا يكون موقف هؤلاء إذا طبقنا عليهم هذه القاعدة؟: لماذا يخاف الدكتور زكي نجيب محمود ويهاجم في ذعر بالغ هذه المحاولة لإعادة تقييم العصر وتراثه؟ إن الشوامخ الحقيقيين لا نخاف عليهم، وإنما الخوف على المضللين الذين سيسقطون لأول وهلة، والذين كشفتهم الأحداث والحقائق، وعودة الميزان الحقيقي لوزن الرواد والشوامخ في ضوء الإسلام، إن أغلب الشوامخ في الحقيقة مجهلون ومنكرون ومبعدون عن دائرة الضوء، وأغلب الذين يلمعون هم المتسلقون.

وإذا جاء توفيق الحكيم اليوم لينكر ما قدم بعد الثلاثينيات، فنحن نقول له: وماذا قدم الجيل المسمى بالرواد غير أنهم كانوا قناطر للفكر الغربي وتابعين معجبين دعاة للفلسفة المادية وللولاء العقلي والنفسي للحضارة الغربية وقد صدق توفيق الحكيم في مقولته التي أذاعها في آخر حديث له «يوليو 1984» حين قال: «إن كل أعمالي التي تعبت العمر فيها لا قيمة لها الآن ولقت ضيعت حياتي في كتب كان يخيل إلي أن لها قيمة، ربما في الثلاثينيات والأربعينيات أما الآن فلا أظن».

وهذا القول ينطبق على كل الرواد والقمم الشوامخ، إنهم كانوا يعيشون لحظة بلحظة، وينتقلون من مائدة إلى مائدة، ويظنون أن ما ينقلون عملًا خالدًا وهو ليس إلا هباء، فما كانت هذه الأمة في حاجة إلى كل هذا، الذي بهرها فترة، ثم عادت فاكتشفت أنه شيء زائف له بريق خادع، إنه هو الذي أوردها مورد النكسة والهزيمة فاستيقظت لتعرف أن لها فكرًا أصيلًا طالما جهلوه وغضوا من قدره وهو يتميز بالأصالة والفطرة والربانية حتى جاء الغرباء ليقولوا للمسلمين: إن لديكم كنوزًا، قال رجال القانون إزاء الشريعة الإسلامية وقالها جارودي وبوكاي وغيرهم ممن استوعبوا الفكر الغربي وكانوا من صانعيه، إن كل قولة لهؤلاء هي بمثابة سهام محماة بالنار تقذف في عيون التغريبيين وشوامخهم لأن أصحاب الحضارة الغربية أنفسهم اليوم هم الذين يعترفون بأن ما كتبه هؤلاء ونقلوه هو حصاد الهشيم وقبض الريح.

إن الدكتور زكي نجيب محمود إنما يدافع عن وجوده فهو لا يستطيع أن يقدم نفسه إلا في إطار طه حسين والعقاد وسلامة موسى، لأنه ليس شيئًا مستقلًا، لقد عاش حياته كلها في «التجريبية المنطقية» ودعواه «خرافة الميتافيزيقا» «أي خرافة الغيب» ولما رأى ازدراء الناس عنه وجفاف أسلوبه، عاد يخدع بالحديث عن الإسلام ولكن كتاباته عن الألوهية كشفت عن أنه يؤمن بوحدة الوجود والحلول على حد تصويره الذي أورده في حديث آخر ساعة «يونيو 1984» وهو نفس التصور الذي يؤمن به ميخائيل نعيمة والباطنية. وليس هو مفهوم التوحيد الخالص.

وترى عاطف العراقي يصل إلى القول بأن التأثير بالمستشرقين هو ظاهرة صحية وأن كل مفكر لا بُدَّ أن يتأثر بالسابقين ولماذا يتأثر المسلم برينان ولا يتأثر بالغزالي، وما هو التنوير العقلي الذي نادى به طه حسين؟ أليس هو حرية عرض المذاهب الملحدة والإباحية؟ إن ما قدمه طه حسين لنا من سموم الاستشراق قد رفضته الفطرة الإسلامية العربية لأنها وجدته معارضًا لطبيعتها المؤمنة بالله تبارك وتعالى.

إن قصة الأخذ من الغرب؛ لأن الغرب أخذ منا قصة أشبه بالمؤامرة، فنحن نعرف كيف أخذ الغرب العلوم ولم يأخذ العقائد ونحن الآن يشترط علينا أن نأخذ الفكر قبل العلوم، كذلك إن طه حسين وجماعته لم يأخذوا من المفكرين الغربيين الأصلاء ولكنهم أخذوا من المستشرقين اليهود الذين كانوا يمهدون الطريق لمفهوم يقبلهم في الشرق الإسلامي، وإن حركة اليقظة الإسلامية استطاعت أن تكشف المؤامرة:

كشف الشيخ مصطفى صبري أخطاء كتاب السيرة العصريين في شأن معجزات النبي: وفي مقدمتهم هيكل وكشف مصطفى عبد الرازق وتلاميذه «علي سامي النشار» عن أصالة الإسلام في الفقه وكشف مالك بن نبي مخططات التعريب وكشف الخالدي وعمر فروخ مخططات التبشير وكشف محمود محمد شاكر عن دخائل لويس عوض وكشف الدكتور محمد محمد حسين عن كتب الغرب وكشف محب الدين الخطيب عن خطط الغارة على العالم الإسلامي وكشفت الدكتورة نفوسة زكريا سعيد مؤامرة العامية على الفصحى وكشف كثيرون خديعة طه حسين ولويس عوض وزكي نجيب محمود وتوفيق الحكيم ودعا فتحي رضوان منذ عشرين عامًا إلى إعادة تقييم ما كتبه هذا الجيل الرائد.

الرابط المختصر :