; الجينوم البشري كتاب الحياة وخريطة الإنسان. | مجلة المجتمع

العنوان الجينوم البشري كتاب الحياة وخريطة الإنسان.

الكاتب يوسف أبو بكر المدني

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001

مشاهدات 48

نشر في العدد 1436

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 30-يناير-2001

أختار علماء البيولوجيا في عموم العالم بعد العثور على مفتاح لمعرفة أسرار الإنسان من خلال ظهور «مشروع الجينوم البشري» فبينما يرى بعض منهم أنه يمكن فتح أبواب الخير، ينذر أخرون بأنه يختفي فيه غول الهلاك، ويشبه العلماء هذا النجاح برحلة الإنسان إلى القمر وتحطيم الذرة.

ويصف العلماء هذا الاكتشاف الجديد بأنه كتاب الحياة أو خريطة الإنسان، نظرًا لما يحتوي من الأمور الحاسمة والعناصر الملهمة التي تعين على معرفة جوانب مهمة من مصير الإنسان في المستقبل.

فقد اكتشفت جماعة من العلماء في الآونة الأخيرة خريطة كروموسومات الإنسان التي يبلغ عددها ثلاثة وعشرين في الخلية الواحدة من خلايا الجسم التي تقدر بالملايين، وفيها جميع المعلومات والأسرار الوراثية للإنسان، وبواسطها تنتقل الصفات الوراثية بإيجابياتها وسلبياتها إلى الأجيال القادمة، ومن الحقائق المقررة أن جسم الإنسان قد بني بالخلايا التي في داخلها كروموسومات مصنوعة من حامض دي إن إيه DNA ويوجد فيه أربعة أنواع من نيوكليوتايدس Nucleotides وهي أدينوسين، وجولوسين، وسيتوسين، وتايمين، ويكون عندها في الخلية الواحدة فوق ثلاثة مليارات هي التي تجسم شكل الإنسان ولونه وقامته وبنيته وصحته ومرضه وهرمه وموته، حتى عواطفه وخصال أخلاقه.

وبمشروع الجينوم ظهر كتاب الحياة، الذي صنف بثلاثة مليارات من الحروف الوراثية، وبفحص هذه الحروف يمكن تشخيص الأمراض الكامنة في النسل.

وقد بدأت المحاولات لفهم اللغة السرية في التكوين البيولوجي للإنسان منذ عام ١٩53م عقب اكتشاف جيمس واطسون كيان (دي إن أيه) وأما الجهود التي بذلت في مشروع الجينوم فقد جاءت في شكل جماعي قبل عشر سنوات، وبذل كثير من الجمعيات العلمية بلايين الدولارات في هذا الصدد لإنجازه قبل حلول الألفية الثالثة، ومن دواعي الغبطة أنهم تجاوزوا (9٧%) من طريقهم إلى هذا الهدف خلال مدة قصيرة نسبيًا، وعلى الرغم من ابتهاج العالم باكتشاف الجديد فإن القلق يساور البعض في هذا المجال مما سيحدث من شطحات العلماء، مثلما أدى تحطيم الذرة قبل ذلك إلى أهوال الحروب العالمية واكتشاف أسلحة الدمار الشامل.

تاريخ جينوم: بدأ البحث حول هذا الموضوع في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين، وفي هذه اللغة ظهرت اصطلاحات استنساخ النوع Gene Cloning وتتبع الدي إن أيه  DNA Sequencing وأخيرًا وصل العلماء إلى اكتشاف مشروع الخريطة الوراثية للإنسان Human Genome Project الذي يستهدف الأمور التالية:

  1. اكتشاف جميع جينات الإنسان التي يقدر عددها من سبعين إلى مائة ألف.

  2. بناء خريطة جامعة مانعة لجينوم الإنسان.

  3. كشف كيان نيوكليوتاينس الموجودة في كروماسومات، لا سيما كروموسوم Y الخاص بالرجال.

 وقد قدرت مدة إنجاز هذا المشروع بخمس عشرة سنة تم تخفيضها إلى ثلاثة عشر عامًا، وتم رسم المسودة قبل الأوان، وتكلف هذا المشروع ثلاثمائة مليار دولار، معظمها تحمله إدارة الطاقة الأمريكية DOE ومعهد الصحة الوطني NIH، وإضافة إلى هذا المبلغ الباهظ احتاج الأمر إلى قدر وافر من الطاقات البشرية، كما احتاج إلى ثلاث سنوات أخرى لإصدار الكتاب بشكل واضح ودقيق.

ويشترك في هذه المهمة كل من أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان، والصين، كما يستخدم أكثر من مائتي معمل علمي متخصص في هذا الجال.

ويتطلع العلماء بشغف إلى ظهور هذا الكتاب؛ لأنه سيمكنهم من الكشف عن كثير من أسرار الأمراض الجسدية والنفسية في جسم الإنسان، وفي طليعتها الأمراض الوراثية التي تنتقل من جيل إلى آخر.

ولكن هذا الاكتشاف سيكون له بعض السلبيات، حيث سيعاني بعض الأشخاص إذا علموا أسرارهم الوراثية النسبية للأمراض الخطيرة، وقد يمتنعون عن الزواج لهذا السبب، وقد لا تتاح لهم الفرص المناسبة في الوظائف، وبظهور أعراض الأمراض سيعاني الأفراد من التوتر، وقد ينبذهم التعصب للمجتمع.

موقف الدين: إن اكتشافات العلوم الحديثة تبين لنا حاجتنا إلى الإله القادر الذي خلق الخلق، ولذلك يحث القرآن في مواضع عديدة على التفكير في الخلق، ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (سورة الانفطار، آيات: 6 - 7)

وبجهود العلماء ومثابرتهم تمكن الإنسان من الإحاطة بعناصر الخلية ومضمونها من المواد الكيماوية، وإذا كانت المواد التي توجد داخل الخلية معروفة لدى الإنسان وموجودة في العالم بكميات هائلة، ومع ذلك لم يستطع العلم حتى الآن أن يخلق خلية حيوية من هذه المواد الخام، فهذا يدل على أن الحياة ليست من أمور المصادقة العمياء، ولا بد أن يكون من قدرة حكيم وعليم: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ (سورة الروم: 19).

الرابط المختصر :