العنوان الحب المستحيل!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1674
نشر في الصفحة 39
السبت 22-أكتوبر-2005
المعروف عن المحبوب، أن يكون حلو الشمائل، دمث الخلق، حسن العشرة، عظيم السجايا، يتميز بصفات جليلة، كالرحمة، والعفة، والأمانة، وحسن الخُلق، وعون الناس على قضاء مصالحهم، وصيانة أموالهم وأعراضهم ودمائهم، فلا يروعهم، ولا يخيفهم، ويكون يسرًا في العسر وفرجًا في الكرب، وعدلًا في الظلم وسندًا في القحط، وذخرًا في الملمات والنوائب، إلى غير ذلك من الصفات الإنسانية العظيمة التي تجعل الناس يحبونه ويلتفون حوله وترتاح إليه قلوبهم، وتفرح به نفوسهم.
أما أن يكون كريه الصفات، سيئ الخلق حقير السجايا، قاسي القلب، ملوث الذيل خائنًا وانتهازيًا، ظالمًا وباغيًا، هجامًا على أموال الناس وأعراضهم، يفرح لمصابهم، ويشمت في آلامهم، ينتزع اللقمة من الأيدي، يزيد الكرب كربًا، والعسر عسرًا، ذئبًا يلغ في الأعراض والدماء للآمنين، وثعلبًا يخادع المسالمين والطيبين لا يمتلك أي صفة من الصفات الحسنة، فهو بهذا خبث وهلاك ولعنة على العالمين، فمن يرتاح إلى هذا أو يحبه أو يأنس إليه أو يفرح به ؟! هذا لا يتأتى إلا إذا فرحت الفريسة بمن يفترسها، أو الذبيحة بمن يريق دماءها، وهل يصدق بهذا عاقل أو يستمع إليه سويٌّ! ولكنه للأسف الشديد تصدقه أمريكا ويا للبلاهة الشديدة، تريد للناس أن يقتنعوا به.
وتتحدث رغم ذلك في جرأة عن تحسين صورة أمريكا في عيون المسلمين، متناسية كل المآسي التي خلفتها بسياستها وأعمالها الرعناء، هذه الدبلوماسية وبعد ثلاث سنوات على بدء تطبيقها، لم تستطع إقناع العالم الإسلامي بالسياسة الأمريكية وما يتبعها من سياسات ظالمة تجاه الإسلام والمسلمين، ورغم ذلك فإن صناع السياسة الخاطئة في أمريكا لا يكفون عن ابتداع تكتيكات يلي بعضها بعضًا يقدمونها للإدارة الأمريكية من أجل تصديق هذا الوهم الكاذب، رغم يقين المحللين الأمريكيين بوجود ازدواجية في المعايير للسياسة الأمريكية، وما تتبعه من سياسات مدمرة تجاه العالم الإسلامي، إذ يكفي القول إن هذه السياسة تقوم على مبدأين راسخين ومتلازمين هما :
1 - تأييد إسرائيل والدفاع عنها وحمايتها رغم ما تفعله من مآس في فلسطين.
2 - دعم الحكومات المستبدة بالشرق الأوسط، وهي سياسات لا يمكن بيعها وتسويقها لشعوب العالم الإسلامي. بل هي تحول أي دبلوماسية أو تقارب أمريكي إلى فشل ذريع، ويرى الباحث الأمريكي «جار فينكل» في كتابه «مرشد تطبيقي لكسب الحرب على الإرهاب»، أن مشكلة الدبلوماسية الشعبية الأمريكية في كسب قلوب المستعمرين ليست جديدة، وإنما هي قديمة قدم الاحتلال في المنطقة الإسلامية، ثم يقول: كل سلطة غير مسلمة اختارت أن تضع يدها على الشرق الأوسط، واجهت مشكلة كسب القلوب المسلمة، وينصح «جار فينكل» بتدشين حملة متواصلة في إظهار الاحترام والتقدير للإسلام مع تعبئة المسلمين ذوي الأصول الإسلامية العريقة، ليكونوا حماة لتلك الحملة المزعومة.
بيد أن هذه الحملة من وجهة نظر «جارفينكل» ، سيواجهها بعض العوائق، أبرزها أن معظم العلماء المسلمين، ذوي الأصول الإسلامية العريقة لا يؤيدون الولايات المتحدة، وخاصة العلماء المضطهدين من سلطاتهم الدكتاتورية التي تحميها أمريكا، ولأن العلماء المسلمين لا يمكن أن يتصالحوا مع مستعمر يفعل بالمسلمين الأفاعيل، ويحتل أرضهم، ويأخذ خيرهم، ويحمي عدوهم الذي ينتهك حرماتهم ويريق دماءهم.
وهذا ما فطن إليه بعض المحللين الأمريكيين مثل «دانييل بايمان» الباحث الأول بمركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في مقال: «كيف نحارب الإرهاب»؟ المنشور في مجلة ناشيونال انترست الأمريكية، ويخلص إلى ضرورة إحداث تغييرات جسيمة بالدبلوماسية الأمريكية حتى يُكتب لها النجاح في كسب القلوب والعقول المسلمة، ولكنه وللأسف إلى الآن لم يبد أن هناك تغييرًا للأوضاع واتباع سياسة واضحة المعالم، واستراتيجية معينة تواجه هذه الأخطاء.
والغريب أن الإدارة الأمريكية توجه خطابها للجمهور المسلم، وكأنهم يتحدثون مع الجمهور الأمريكي الذي يصدق أكاذيب إدارته، لأنه لم يقع عليه ظلم ولم ير المآسي التي تتعرض لها الشعوب المسلمة صباح مساء، من قهر وإذلال وسفك للدماء ولكن الشعب المسلم يعيش ويرى ويقع عليه ما لا تتحمله الجبال، ولذلك لا يصدق تلك الأكاذيب. كما يبحث كثير من الباحثين الأمريكيين عن أساليب جديدة لتحسين صورة أمريكا في أعين المسلمين فيتحدثون عن أشياء غريبة ينبغي استغلالها وهي أولا :
1 - لا بد من محاولة إظهار الفشل الإسلامي سواء كان ذلك في النظام الإسلامي أو في الجماعات الإسلامية. ويشير إلى هذا «بايمان» فيقول: إن كتاب «انحسار ظل النبي» يعيدنا إلى فكرة سابقة ساقها «جراهام فوللر» عام ٢٠٠٣ في كتابه «مستقبل الإسلام السياسي»، حيث يقول: لا شيء يمكن أن يظهر الأسلمة في صورة غير جذابة أكثر من تجربة فاشلة في السلطة، وبكلمات أخرى نرى أن بعض الكتابات الأمريكية تشير إلى أن التجارب التي وصل بها الإسلاميون إلى السلطة في بعض الدول الإسلامية، يمكنها أن تكون دليلًا للإدارة الأمريكية للنيل من الإسلام والحركات الإسلامية، وتكون دليلًا يثبت فشل مقولة الحكم الإسلامي والإسلام السياسي. ويقدم هؤلاء الباحثون نصيحة إلى بوش لاستغلال دفاع المسلمين عن وطنهم الإسلامي ووصم ذلك بالإرهاب والعنف اللاإنساني.
2 - استغلال فقر المسلمين وضعفهم وجهلهم، بتقديم بعض المعونات ليشتغل الإعلام على ذلك ويظهر فضل أمريكا.
3 - شراء بعض الراغبين في الزعامة للحديث في القنوات الفضائية والإذاعية المشتراة والتي تعمل ليل نهار لغرس الولاء لأمريكا.
والحقيقة أن مثل هذه السياسات الخاطئة لابد أن تأتي بعكس المقصود كذلك، فتثير حفيظة المؤمنين الصادقين، وتكرس العداوة، وتدفع إلى المقاومة، لأن الشعب المسلم له طبيعته، وصفاته الخاصة به، طبيعة فطرية تأبى الاستغفال والظلم وتطارده أينما كان وبعد.. ألست ترى معي أن أمريكا تبحث عن الحب المستحيل الذي لا يوجد حتى عند مجانين المسلمين؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل