العنوان الحج والمنافع الاقتصادية
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1986
مشاهدات 81
نشر في العدد 779
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-أغسطس-1986
يقول ابن كثير إن في الحج منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، وهذا تفسير لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: 27-28)
كما وَرَد عن ابن عباس «كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت الآية الكريمة ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198)
تبرز هذه الآيات الكريمة أن في شعيرة الحج منافع اقتصادية بجانب المنافع الروحية السابق ذِكرها، من هذه المنافع ما يلي:
أولًا: يعتبر الحج مؤتمرًا إسلاميًا لحل مشاكل المسلمين الاقتصادية:
يفد إلى الأماكن المقدسة ملايين المسلمين من شتى بقاع العالم مُلبين نداء الله، ومنهم العلماء المتخصصون في مجال الاقتصاد، فيكون ذلك فرصة طيبة لعقد المؤتمرات والندوات والحلقات لدراسة مشكلات المسلمين الاقتصادية ولا سيما مشكلة التكامل والتنسيق الاقتصادي بين الدول الإسلامية فعلى سبيل المثال: فمن البلاد الإسلامية ما يتوفر لديها المال، ومنها ما يتوفر فيها المواد الخام، ومنها ما يتوفر لديها الأيدي العاملة ومنها ما يتوفر لديها التكنولوجيا.. ففي إطار الأخوة الصادقة والتعاون والتكافل والتكامل والتنسيق يمكن أن يوضع نظام تكامل اقتصادي إسلامي، وتؤسس مشروعات اقتصادية مشتركة لخدمة المسلمين. فبدلًا من أن تستثمر أموال المسلمين في بلاد الكفر والإلحاد، وفي نفس الوقت تقترض بعض البلاد الإسلامية نفس الأموال من البنوك الربوية العالمية بسعر فائدة مرتفع.. فعن طريق التكامل يمكن أن تنساب أموال المسلمين إلى بلاد المسلمين، ويتم التفاعل بين رأس المال المملوك للمسلمين وبين العمالة والخبرات المسلمة ويترتب على ذلك الخير والقوة الاقتصادية للأمة الإسلامية، ومن ناحية أخرى يؤدي التكامل الاقتصادي بين البلاد الإسلامية إلى توثيق المودة والمحبة والأخوة. ولذلك يعتبر الحج مناسبة طيبة مباركة لحل مشكلات المسلمين الاقتصادية والتي لا يمكن أن تحل إلا في إطار الأخوة والإيمان بالله المالك الحقيقي لجميع عوامل الإنتاج.
ثانيًا: في الحج رواج اقتصادي للمسلمين:
يتسم موسم الحج بالرواج الاقتصادي لما يتطلبه من سلع وخدمات لازمة لأداء مناسك الحج فكم من ملايين الدراهم تنفق على وسائل الانتقال وشراء المأكولات والمشروبات والملابس والإقامة والذبائح وشراء الهدايا.. ولذلك يحدث رواج اقتصادي بسبب التجارة ويتحقق من وراء ذلك منافع وخير، وقد أشار القرآن إلى ذلك، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198)، ولكن هذه التجارة تتم في جو تعبدي روحاني، فقد وَرَدَ في ظلال القرآن في هذا الصدد، «وليشعر من يزاول التجارة في الحج أنه يبتغي من فضل الله حين يتجر وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق، أنه لا يرزق نفسه بعمله، وإنما هو يطلب من فضل الله، فيعطيه الله فأحرى ألا ينسى هذه الحقيقة وهي أنه يبتغي من فضل الله، وأنه ينال من هذا الفضل حين يكسب وحين يقبض وحين يحصل على رزقه من وراء الأسباب التي يتخذها للارتزاق، ومتى استقر هذا الإحساس في قلبه، وهو يبتغي الرزق فهو إذن في حالة عبادة لله، لا تتنافى مع عبادة الحج في الاتجاه إلى الله، ومتى ضمن الإسلام هذه المشاعر في قلب المؤمن أطلقه يعمل وينشط كما يشاء وكل حركة منه عبادة في هذا المقام، لهذا جعل الله الحديث عن طلب الرزق جزءًا من آية تتحدث عن بقية شعائر الحج».
ولكن هل أحسن المسلمون استغلال هذا الرواج الاقتصادي؟
مما يؤسف له نجد أن معظم البضائع والخدمات اللازمة لموسم الحج تنتج في بلاد غير إسلامية وتقدم بواسطة غير المسلمين، ولذلك تستفيد البلاد غير الإسلامية بهذا الرواج.. وهذا يلقي مسؤولية على عاتق علماء المسلمين المتخصصين في مجال التخطيط الاقتصادي أن يخططوا لإنشاء مشروعات اقتصادية تتولى إنتاج وتسويق ما يتطلبه موسم الحج من بضائع وخدمات حتى يكون خير المسلمين للمسلمين، وهذا تجسيد حقيقي لأهمية وحتمية التعاون والتكامل بين المسلمين.
ومن ناحية أخرى يجب على المصارف وبيوت المال وشركات الاستثمار الإسلامية أن توجه أموال المودعين إلى هذه المشروعات حتى يستفيد المسلمون من ذلك الرواج الاقتصادي.
ثالثًا: في الحج دعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي:
من أهم مظاهر الحج الوحدة الشاملة ليس فقط في مجال العبادات بل أيضًا في مجال المعاملات ومنها النظام الاقتصادي، فمما يؤسف له أن نجد البلاد الإسلامية تتخبط بين النظم الاقتصادية الوضعية مثل الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والتي ثبت فشلها تمامًا في حل المشاكل الاقتصادية وتحقيق إشباع روحي ومادي للناس.. لذلك ليكن من مؤثر الحج دعوة ونداء نحو تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يقوم على أسس وقواعد مستنبطة من القرآن والسُنة، والذي يهدف إلى تحقيق رفاهية مادية بجانب إشباع النواحي الروحية للناس حتى يحيوا حياة طيبة في الدنيا ويفوزوا برضاء الله في الآخرة، ألم يأن للحُجاج أن يتحملوا مسؤولياتهم ويطالبوا بتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي؟
ومن ناحية أخرى يعتبر الحج دعوة لتطهير المعاملات بين الناس من الخبائث والموبقات ومنها الربا والاحتكار والغش والتدليس والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل... فالحاج الذي ذهب ليطهر نفسه من الذنوب والآثام عليه أيضًا أن يظهر معاملاته من الربا والتعامل مع البنوك الربوية.. عليه أن يتجنب التعامل في الخبيث.. عليه أن يتجنب الإسراف والتبذير والإنفاق الترفي، عليه أن يؤمن تمامًا أن المال الذي يتعامل فيه مِلك الله سبحانه وتعالى ويجب أن ينفقه وفقًا لأوامر الله سبحانه وتعالى الذي سوف يحاسبه يوم القيامة من أین اكتسبه وفيم أنفقه مصداقًا لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا تزول قدما عبد يوم القيام حتى يسأل عن أربع.. منها.. عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه».. متفق عليه. فالحج دعوة صادقة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي على مستوى الدول الإسلامية، ودعوة طيبة ونداء إلى تطهير المعاملات من الخبائث حتى يكون الحج مبرورًا.
من مشاكل الحج الاقتصادية «الهدي»
من نسك الحج «الهدي» وهو ما يهدى من النِعم إلى الحرم تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ (الحج: 36-37)
تحتوي هذه الآية على عِبَر كثيرة، ولكن حسبنا في هذه المقالة أن نركز على الجانب الاقتصادي منها، فإن شراء الهدي والتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى يعتبر من أدلة التضحية بالمال وهذا كما سبق الإشارة تعبير صادق على اقتران القيم التعبدية الروحية بالقيم المادية في شعيرة الحج، ولكن هناك مسألة أخرى تحتاج إلى دراسة اقتصادية تتمثل في أنه في أيام النحر الثلاثة تتكدس لحوم الهدي في منى وتكاد أن تتعفن وأحيانًا يلقى بها إلى الحيوانات أو يتصرف فيها تصرفًا غير اقتصادي لا يفيد المسلمين، ويترتب على ذلك ضرر وذلك نظرًا لقلة عدد الفقراء في هذا المكان من ناحية ولكثرة الذبائح من ناحية أخرى وفي الوقت نفسه يوجد كثير من المستحقين في أماكن بعيدة عن أماكن الذبح، ولقد أثارت هذه المسألة اهتمام رجال الفقه والاقتصاد معًا ويتطلب الأمر حلًا رشيدًا يحقق كلًا من المنافع التعبدية الروحية والمنافع الاقتصادية للهدي..
من الحلول المعروضة للمناقشة في هذا الصدد ما يلي:
أولًا: تأسيس مؤسسة اقتصادية إسلامية تتولى تجميع هذه اللحوم وتصنيعها وحفظها في معلبات... وإرسالها إلى مستحقيها من المسلمين في بلاد العالم وتمول وتدعم هذه المؤسسة ماليًا من الحكومات الإسلامية، ولا يكون غايتها تحقيق الربح بل يجب أن تُعامل مثل المؤسسات الخيرية والإسلامية.
ثانيًا: تتولى حكومة المملكة العربية السعودية إنشاء ثلاجات كبيرة لحفظ هذه اللحوم بعد تنظيفها ثم تصدرها بحالتها هذه إلى الفقراء والمساكين والمجاهدين في سبيل الله أو إلى الضحايا الذين شردهم العدو من ديارهم ويكون ذلك على نفقتها -
أو من رسوم الحج.
ثالثًا: تعليم الحجاج أحكام الهدي.. ومنها أن الحاج المفرد لا ذبح عليه ويجوز
أن يتصدق بقيمة الذبيحة، كما يجب أن يعلم الحجاج أنه يجوز أن يكون الذبح في مكة أيضًا وليس في منى فقط وأصل ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إن منى كلها منحر، وإن مكة وفجاجها منحر». متفق عليه
هذه الحلول المقترحة تحتاج إلى دراسة علمية من متخصصين في مجال الفقه والاقتصاد وذلك لاختيار أفضلها نفعًا وخيرًا للمسلمين.
دعوة ونداء
أيها المسلمون إن في الحج منافع روحية واقتصادية، ومنافع دنيوية وأخروية.. ألم يأن لكم أن تستشعروا ذلك.. وليكن من تلك الفريضة فرصة طيبة لتصقلوا نفوسكم ولتضيئوا أفئدتكم، ولتطمئن قلوبكم، ولتطهروا جوارحكم ومعاملاتكم، ولتوفوا نذوركم.. حتى تستفيدوا من تلك المنافع التي تحقق الحياة الطيبة الآمنة في الدنيا والفوز برضاء الله في الآخرة.
أيها المسلمون: أَلم يأن لكم أن تستشعروا من فريضة الحج أهمية وحتمية الوحدة والتعاون والتضامن والتكافل والاعتصام بحبل الله والامتثال لحُكم الله الواحد الأحد، ونبذ الخلافات والأهواء السياسية حتى تنتصروا على عدوكم وتستردوا المسجد الأقصى.
أيها المسلمون: أَلم يأن لكم أن تستشعروا من فريضة الحج أهمية تطهير كسبكم من الحرام، وتحرير معاملاتكم من الخبائث الربوية وغيرها، وتفتحوا صفحة نقية.. بعد أن وعدكم الله بالغفران، مصداقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» رواه الستة إلا أبو داود.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.