العنوان الحرب الأخرى في العراق.. شهادات تاريخية (٢من ٣) - جنود الاحتلال الأمريكي يعترفون لمجلة The Nation
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1771
نشر في الصفحة 28
السبت 29-سبتمبر-2007
الرقيب «بوكانيفرا»: خلال أول شهرين من الحرب صدرت أوامر باعتقال العراقيين رغم أنهم أبرياء.
الجندي «ريستا»: أحد المشرفين قال لي: إن اتفاقيات جنيف لا مكان لها في العراق.. وهذا قرار مكتوب إذا أردت أن تراه
تواصل «المجتمع» عرض وتحليل الشهادات غير المسبوقة للعسكريين الأمريكيين الذين حاربوا في العراق، والتي نشرتها مجلة «ذي نيشن» الأمريكية في عدد آخر يوليو ٢٠٠٧م.
التقت المجلة الأمريكية مع ٥٠ من هؤلاء الجنود، وهم ٤٠ جنديًا و٨ من جنود المارينز و٢ من البحارة، على مدى سبعة أشهر، بدأت في يوليو ٢٠٠٦م، وحصلت المجلة على صور تؤكد روايات 5 من هؤلاء.
حتى مع الحجج الضعيفة فإن الجنود يعاملون أي عراقي اعتقل أثناء أي غارة بمنتهى الشك، وأكد الكثيرون أن الرجال في سن العسكرية يحتجزون دون أي دليل، وتساء معاملتهم خلال الاستجواب.
قال 8 من الجنود إن الرجال عادة ما يربطون في أيديهم بأربطة بلاستيكية، وتغطى رؤوسهم بأكياس الرمل الفارغة، وما زال هذا الأمر يمارس رغم القول بمنعه بعد فضيحة سجن أبي غريب.
يقول الجندي «كانون»: أثناء خدمتي في الموصل عام ٢٠٠٥م كنت ألقي بالمقبوض عليهم مقيدين ومقنعين على ظهور سيارات النقل الصغيرة.. وكان هؤلاء الأبرياء عصبيين وفي حالة من التعب والقلق والضغط النفسي حتى إنهم كانوا يتقيؤون وأحيانا يتبولون على أنفسهم..
ويقول الجندي «ريبينهاجن»: إنه لم يكن لديه إلا فكرة غامضة عما يعتبر ممنوعًا أثناء الغارات..
ويضيف: «وفي بعض الأحيان لم يكن لدينا مترجم، فإذا وجدنا بعض الملصقات عن علماء الدين أو أي ملصقة ولا ندري ماذا كتب فيها، نقبض على من يحملها، ونرسلهم مع الأوراق كوثيقة إدانة!
ويتفق الكثيرون أن ما يقرب من ١٠٪ فقط من الغارات هي التي يسفر التفتيش أنها كشفت عن وجود شيء غير مسموح به.
وكان الضرب والإهانات البدنية شيئًا معتادًا أثناء الغارات نظرًا لأن الجنود قد أعطوا الكثير من السلطة والقوة، واستخدموها بطريقة بشعة.
٦٠ ألف معتقل
ويقدر المسؤولون العسكريون أن أكثر من ٦٠,٠٠٠ قد احتجزوا منذ بداية الاحتلال، تاركين أسرهم في دوامة الحرمان ودوامة السجون الفوضوية المعقدة من أجل العثور عليهم.
فقد اعترف الرقيب «بوكانيفرا» أن الأوامر خلال الشهرين الأوليين من الحرب كانت باعتقال العراقيين، استنادًا إلى ملابسهم وحدها! يقول: «كانوا يرتدون ملابس عربية وأحذية عسكرية، لذا يعتبرون مقاتلين أعداء... رغم أنهم أبرياء».
ويستطرد «بوكانيفرا»: كنا نبحث عن الأعمار بين ١٥ و ٣٠ سنة ونعتبرهم مشتبهًا فيهم.
وإزاء ما شاهده وعايشه يعاني «بوكانيفرا» منذ عودته من العراق، من الاضطرابات النفسية والتي يعالج منها عن طريق الاختصاصيين.
في سجن أبو غريب
ويتحدث «ميرفي» عن عمله في سجن أبي غريب، وكيف أنه كان مسؤولًا عن ٣٢٠ سجينًا، هو مقتنع أن الغالبية العظمى منهم مظلومون: «إني أعلم أنهم أبرياء من خلال المعيشة معهم لأشهر ومعرفة طباعهم وسماع قصصهم.. وأحسست أنهم قد قبض عليهم في مجموعات دون جريرة.. وأتذكر أحد السجناء ذا قدرة عقلية محدودة وكان أعمى - وهو يتساءل: ماذا يكون قد فعل هذا المسكين».
وفي ٢٤ نوفمبر ٢٠٠٣م قام السجناء بإضراب في أحد السجون العسكرية الرهيبة، وكان «ديلجادوا»، هناك وقتل ٩ من السجناء، وجرح ثلاثة خلال أعمال الشغب.
وعاد زملاء «ديلجادوا» بصور لهذه الواقعة وهي صور مزعجة مثل التي وصفها ميجيا، وصدمتني «كانت صورًا فظة» كانت الرأس مشقوقة وكانت إحدى الصور لجنديين في مؤخرة الشاحنة، وكانوا يفتحون أكياس الموتى لهؤلاء المساجين الذين أصيبوا في رؤوسهم، وكان أحد الجنود يمسك ملعقة ويحاول ملأها بمخ المقتول، وهو ينظر إلى الكاميرا مبتسمًا ويقول الذي يحكي «هكذا بعض جنودنا ينتهكون حرمة أحد الأجساد» وقد اقتنعت منذ ذلك الحين أن هذا ليس استخدامًا للقوة المفرطة بل هي الوحشية بعينها.
لا مكان لـ «جنيف»
ويذكر الجندي «ريستا» أن المشرف عليهم قال: «إن اتفاقيات جنيف لا مكان لها في العراق، وهذا قرار مكتوب إذا أردت أن تراه» وبالنسبة لدليجادوا الذي خدم في أبي غريب ٢٠٠٣م، واستقال من الجيش الأمريكي عام ٢٠٠٤م لعدم رضاه عما يحدث فيقول: «هؤلاء الناس ليسوا أعداءنا، بل إنهم مدنيون، ناس عاديون بعضهم بجرائم بسيطة، فلماذا عاملناهم بهذا البطش؟»
الأعداء: أكد 19 من الجنود الخمسين، الذين نقلت المجلة شهاداتهم - أن الجيش الأمريكي يفتقر إلى التدريب والقدرة على التفاهم مع الشعب العراقي، حيث يتحدث القليل منهم اللغة العربية، ولم يتم منحهم الكثير عن الخلفية الثقافية والتاريخية للبلد الذي يحتلونه.
أما المترجمون فهم إما قلة وإما غير أكفاء، وتقول مجلة «ذي نيشن»: إن أي صور نمطية أو معرفة مسبقة عن الإسلام والعرب يصل إليها الجنود، تتغير بسرعة في الأوساط العسكرية أو في شوارع العراق الخطرة إلى عنصرية وقحة ضد الإسلام والعرب.
يقول جوش میدلیتون وهو جندي من نيويورك حارب في بغداد: «إن الجندي الأمريكي ذا العشرين عامًا الذي تعرض للذل في التدريب يتحول إلى شوارع العراق إنها مثل الحياة والموت، أما العراقي ذو الأربعين عامًا فهو ينظر إلينا بخوف.. نعم لأننا نستطيع كل شيء، فلدينا القوة التي ليست لأحد، لقد تدنت الحياة إلى الحضيض» ويوضح ميدليتون «إن الكثير من الجنود يؤكدون المفهوم الذي يقول إن كانت بشرتك داكنة ولا تتحدث الإنجليزية فأنت لست بشرًا.. وبالتالي يمكننا فعل ما نريد فعله فيك».
يقول الجندي أنجليهارت: «يمكنك بكل أمانة رؤية كيف أن العراقيين والعرب عامة أصبحوا يهانون وتنزع عنهم الإنسانية» ويستطرد: «مثلما أصبح من المعتاد للجنود كذلك أن ينادوا العراقيين بأسماء مهينة مثل جوكي الجمل جوني الجهاد، زنجي الرمال...».
لا إسعاف للعراقيين
يقول الجندي «ريستا» في محطة الإسعاف: «لقد قيل لنا من اللحظة الأولى لوصولنا هنا، وذلك كان مكتوبًا على جدار المحطة أننا لا نعالج أي مدني عراقي إلا إذا كان على وشك الموت، وفي يوم أبلغنا من على برج الحراسة خلال الراديو أنه يوجد عراقي هناك في حاجة لطبيب «كان الوقت متأخرًا بالليل ومشيت للبوابة ولم أجد الرجل، ولكن برج الحراسة كان يشير إلى مكان وكان يستند للحاجز الإسمنتي.. وجلست أنتظر المترجم، وجاء ومشيت له وكان الرجل جريحًا، فقد سنتين من أسنانه ويوجد تسلخ وتهتك ضخم على رأسه، ويظهر أنه يعاني كسرًا في عظمة العين والركبة، وألح علي بإنجليزية مكسرة أن أساعده لأن أناسًا قرب القاعدة الأمريكية ينتظرونه لقتله.. فتحت حقيبة أحاول إخراج بعض الضمادات للرجل، ولكن زملائي في البرج أخذوا يصرخون في ونظرت إليهم وتجاهلتهم «أخرج هذا الحاج الوقح fucking haji من هنا لأنه لا يبدو على وشك الموت، قل له يذهب ليصرخ fucking البوليس العراقي» وكلمات شبيهة بذلك، وفي هذه الأثناء جاء طبيبنا في عربة الإسعاف، ومن على بعد ٣٠ أو ٤٠ متراً نظر وهز رأسه وقال: تعلم أنه يبدو على ما يرام، ثم مشى إلى كرسي الراكب في سيارة الإسعاف وقال: «أنهض وقد السيارة بي إلى العيادة».
وها أنا ذا واقف هناك وكلهم... الطبيب والحرس يصيحون فيَّ كي أتخلص من هذا الرجل، وأنا أقول: لا، فلندعه على الأقل حتى الصباح، لأنهم يريدونني أن أرسله للمدينة، حيث قال إن هناك من ينتظر لقتله..
يقول صحفي المجلة: حينما سألته عما إذا كانوا قد سمحوا له بالبقاء.. كان الرد: هل أنت سامع هذا «الروث shit» أعتقد أن الدكتور هو «فاكين» حاجي!
لقد امتنع نتيجة الضغط عن عون ذلك الرجل وكان المترجم في قمة الغضب، قائلًا: إنه حكم على الرجل بالموت.
أزمة قوافل التموين
وأكد نحو ٢٦ من الجنود أن القسوة تجاه المدنيين العراقيين كانت واضحة في عمليات قوافل التموين التي يشاركون فيها.. إنها شريان الاحتلال.. الماء والبريد وقطع الغيار والطعام والصرف والوقود.
وتحتاج هذه القوافل إلى حماية القوات وتكون القوافل من ٢٠ إلى ٣٠ شاحنة تمتد إلى نصف ميل.. ولكنها مصدر للتدمير الوحشي للعراقيين كيف ذلك؟
طبقًا لشهادة ٣٨ من الجنود الذين صاحبوا هذه القوافل، كانت القوافل تسير بسرعة ٦٠ كيلو في الساعة، وخلال توغلها في الأماكن المكتظة بالسكان تستمر في السير خوفًا من الهجوم عليها، وبالتالي لا تحترم أي إشارة وتمضي على أرصفة المشاة وتفرقهم وتقذف بسيارات المدنيين خارج الطريق.. وبالتالي يُدهس في طريق هذه القوافل المدنيون والأطفال.