; الحرب الصهيونية على الحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الحرب الصهيونية على الحركة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 151

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 13-أبريل-1993

برز الدور الصهيوني أكثر وضوحًا وأشد ضراوة في محاربة الصحوة الإسلامية في أعقاب سقوط الشيوعية، وبدأ هذا الدور أكثر وضوحًا في أعقاب إقدام الكيان الصهيوني على إبعاد أربعمائة فلسطيني من الإسلاميين من أبناء الضفة والقطاع، ينتمي معظمهم إلى حركة المقاومة الإسلامية «حماس».

وفي وقت وجيز تصاعدت حدة الخطاب الصهيوني الموجه إلى الغرب، من عبارات التخويف من المد الإسلامي، إلى طلب التفويض من القوى العالمية أن تمنح الكيان الصهيوني الحق في محاربة الحركة الإسلامية وقمعها بالتعاون مع رموز المخابرات الأمريكية في المنطقة العربية، ليس في فلسطين المحتلة فحسب؛ وإنما في كافة الدول الغربية، علاوة على مصر وتونس والجزائر والسودان وأي قطر عربي أو إسلامي آخر يمكن أن يوجد للصحوة الإسلامية فيه كيان أو تواجد. فقد وقف رئيس الكيان الصهيوني حاييم هيرتوزج أمام البرلمان البولندي في الثامن والعشرين من مايو الماضي 1992؛ ليعلن عبر وسائل الإعلام العالمية أن «الأصولية الإسلامية وتجدد العداء للسامية لا يزالان يهددان الشعب اليهودي»، ويقول أثناء زيارة قام بها لبريطانيا في فبراير الماضي: «إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر». ويكرر الكلام نفسه في لاهاي وهولندا.

وفي الثامن عشر من فبراير الماضي وجه خطابًا إلى الدول العربية ناشدها فيه توحيد جهودها لمكافحة ظاهرة التطرف الإسلامي من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط.

أما إسحاق رابين رئيس وزراء العدو الصهيوني فإنه يكرس كل جهده الآن وجهد حكومته في محاربة المد الإسلامي والصحوة الإسلامية التي يعتبرها الخطر الحقيقي المهدد للكيان الصهيوني، وقد كان محور زيارته الأخيرة للولايات المتحدة هو حشد المجتمع الأمريكي برمته والسلطات الأمريكية لدعم الكيان الصهيوني في ضربه للحركة الإسلامية والمد الإسلامي كله.

يقول الإرهابي الصهيوني إسحاق رابين في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر الأخير للمنظمات اليهودية في أمريكا «أيباك»: «إننا لسنا متأكدين- بعد- من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تمامًا خطر الأصولية الإسلامية والدور الحاسم لإسرائيل في محاربتها» ثم يستطرد قائلًا: «إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضًا إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد السلام العالمي، واليوم نقف نحن الإسرائيليين في خط النار ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية».

وفي أعقاب لقائه مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أشار رابين إلى الاتفاق الإسرائيلي الأمريكي على ملاحقة الحركات الإسلامية التي وصفها بأنها تقف في طريق السلام، وأكد رابين على أن كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل سوف تبحثان في المستقبل القريب وبكثير من الاستعجال في كيفية مواجهة مختلف «أوجه التعصب الذي أدى إلى الإرهاب القاتل الذي وصل إلى الولايات المتحدة أخيرًا». وفي مؤتمره الصحفي الذي عقده مع كلينتون دعا رابين إلى إشراك ما أسماه «بالدول الحرة» من أجل التشاور حول الوسائل الرامية إلى «كبح جماح الأصولية» التي تشكل- على حد زعمه- تهديدًا لأمن إسرائيل ودول المنطقة.

وفي أعقاب هذه الدعوة المفتوحة التي وجهها رابين إلى دول العالم تناقلت وسائل إعلامية مختلفة أخبارًا عن لقاءات مباشرة عقدت بين مسؤولين صهيونيين مع مسؤولين من بعض الدول العربية بطلب من أمريكا، وأن ممثلي الكيان الصهيوني قدموا خلال هذه اللقاءات عروضًا تتضمن خططًا لمواجهة المد الإسلامي ومحاصرة الحركة الإسلامية في المنطقة باعتبارها خطرًا يهدد الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى وأنظمة هذه الدول؛ بل إن مجلة «الأسبوع العربي» التي تصدر من باريس نقلت عن مصادر وصفتها بأنها عربية مطلعة بأن «إسرائيل» طرحت على مصر- بتأييد من الإدارة الأمريكية- مشروعًا لعمل مشترك، يهدف إلى مواجهة «الإسلاميين» في الداخل الفلسطيني ومصر وتونس والجزائر، وذكرت المصادر بأن صاحب هذا المشروع هو إسحاق رابين الذي وجهت إليه مصر دعوة لزيارتها قريبًا.

ولم يقف الكيان الصهيوني عند حد استعداء أمريكا وبعض الأنظمة العربية على الحركات الإسلامية، وإنما يسعى لتوسيع نطاق هذا الدور بحيث يشمل الدول الأوروبية أيضًا. يتضح هذا من خلال ما ذكره إسحاق رابين رئيس وزراء العدو الصهيوني كلمته التي ألقاها في «مركز القوات الموحدة» التابع لوزارة الدفاع البريطانية أثناء زيارته لها؛ حيث قال: «إن الإسلام الأصولي يتمدد خارج منطقة الشرق الأوسط، وأنه على العالم تقليد «إسرائيل» في حربها ضد هذا التيار».

وقد تناقلت أوساط ديبلوماسية وصحفية مختلفة بأن الكيان الصهيوني قد نجح بالفعل بالترتيب مع الإدارة الأمريكية بالقيام باتصالات مع عواصم شرق أوسطية ودول أوروبية لعمل تحالف دولي لمواجهة المد الإسلامي، وأن تنسيقًا قويًا يتم الآن بين الأطراف التي تشارك في هذا التحالف عبر «اجتماعات دورية وطارئة» تعقد في أماكن مختلفة، تفاديًا لإثارة الشبهات، وأن هذا يعتبر امتدادًا للمشروع الذي طرح في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي الذي انعقد في مدينة «ملقا» الإسبانية في يونيو الماضي 1992، والذي يقصد بعمل ترتيبات أمنية إقليمية تشارك فيها دول حوض البحر الأبيض المتوسط الأوروبية والعربية من أجل مواجهة المد الأصولي في المنطقة، ومن الدول الأوروبية التي طالبت بالبدء فورًا في هذا المشروع فرنسا واليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وقد وافقت عليه كل من مصر وتونس والجزائر والمغرب علاوة على الكيان الصهيوني.

وقد كان تفجير مركز التجارة الدولي في نيويورك في الشهر الماضي وتلبيس التهمة إلى مسلمين عرب يقيمون في الولايات المتحدة حلقة ماكرة في الخطة الصهيونية؛ لتصعيد الحملة ضد المسلمين والمد الإسلامي؛ حيث تشير معظم التقارير والتحليلات غير المنحازة إلى أن ضابط الاستخبارات الإسرائيلي «يوسي حداس» هو الذي يقف وراء الحادث، وأن التضخيم الإعلامي المغلف بالتحذير من خطر الإسلام والمد الإسلامي الذي قامت به وسائل الإعلام الصهيونية في أعقاب الحادث كان خطوة معدة ومدروسة، صاحبتها تصريحات لمسؤولين وكتاب صهاينة، ألبوا بها الرأي العام العالمي والغربي ضد الإسلام وأهله.

يقول إسحاق شامير رئيس وزراء العدو الصهيوني السابق: «إنني لا أشعر بالمفاجأة من أن هناك علامات على وجود تورط من حركة أصولية إسلامية في هذا الحادث المروع في نيويورك، فهذه الحركة خطرة جدًّا على السلام والاستقرار خاصة في الشرق الأوسط». أما حاييم رامون وزير الصحة في الكيان الصهيوني فعلق بقوله: «إن دور الأصولية الإسلامية في تفجير مركز التجارة الدولي، يثبت أن قيام إسرائيل بإبعاد أربعمائة من قادة الإرهاب الأصولي الإسلامي له ما يبرره». أما ألكسندر شندلر الرئيس السابق لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية فقد شن حملة شعواء على ما أسماه بـ«الإرهاب الإسلامي» قائلًا: «إن القبض على أصولي إسلامي في حادث تفجير مركز التجارة الدولي هو تأكيد جديد للتحذيرات المتكررة من إسرائيل على أن الخطر على النظام العالمي الجديد يجيء من الأصولية الإسلامية التي لم يعد من الممكن تجاهلها أكثر من ذلك».

هذه التصريحات الصهيونية الملتهبة التي واكبتها آلاف المقالات والتصريحات والمقابلات التي شملت أقطار الدنيا لاسيما الغربية، تهدف في النهاية إلى منح الكيان الصهيوني الضوء الأخضر؛ ليمارس إرهابه ضد المسلمين في كل الأقطار تحت الحماية الدولية.

ومع أن حوادث الإرهاب تملأ الدنيا من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها منذ سنوات طويلة، دون أن تجد هذه الهجمة وهذه الأوصاف التي يوصف بها الإسلاميون اليوم، فمن الإرهاب الذي قامت عليه الدولة الصهيونية حتى أصبح زعماؤها السابقون واللاحقون هم زعماء العصابات الصهيونية التي نشأت في فلسطين المحتلة في الثلاثينيات والأربعينيات، إلى الإرهاب الذي يمارسه الجيش الجمهوري الأيرلندي في بريطانيا، إلى المجازر التي يرتكبها الصرب ضد المسلمين في البوسنة، إلى المذابح الفظيعة التي يرتكبها الهندوس ضد المسلمين في بورما. مع كل هذا وغيره فإننا لم نسمع في وسائل الإعلام العالمية ومن حذا حذوها من وسائل الإعلام العربية مسميات للإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة أو الإرهاب الكاثوليكي في بريطانيا أو الإرهاب الأرثوذكسي في البوسنة أو الإرهاب الهندوسي في الهند أو الإرهاب البوذي في بورما، لكننا فجأة وجدنا وسائل الإعلام الصهيونية وحلفاءها تعزف على وتر واحد وعلى فكرة واحدة بدأت تنزلق إليها كثير من وسائل الإعلام العربية وهي «الإرهاب الإسلامي» أو «الخطر الإسلامي» أو إرهاب «الأصولية الإسلامية»، وأصبح الجميع يعمل على شيء واحد تحركه الصهيونية العالمية هو ربط «الإرهاب» اسما ومعنى بالإسلام ودعوة العالم كله لمحاربة الصحوة الإسلامية تحت دعوى محاربة «الإرهاب الإسلامي».

إن الدعوة الصهيونية لمحاربة الحركة الإسلامية، أعمق وأبعد من كل التصريحات والأطروحات والنداءات التي ترمى إلى حشد الرأي العام العالمي ليفوض الكيان الصهيوني في محاربة الحركة الإسلامية في كل قطر دون حرج؛ حيث يسعى الكيان الصهيوني من وراء ذلك الخطاب إلى الحقيقة الأساسية التي يرمي إليها والتي تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضها على المنطقة، وهي تحقيق سيادة الكيان الصهيوني على كل الدول الإسلامية في المنطقة، وهذه السيادة التي يسعون إلى فرضها لا يريدونها في الجانب العسكري فحسب، وإنما في كل جوانب السيادة والسيطرة والتحكم. وبجانب ما تهدف إليه إسرائيل من ضرب الحركة الإسلامية التي تشكل الدرع الواقي في المحافظة على الكيان الإسلامي، فإنها ترمي أيضًا إلى عدم استقرار الأوضاع في البلاد العربية والإسلامية، والقضاء على التنمية، والقضاء على الانتعاش الاقتصادي والتصنيع، مما يضطر أصحاب رؤوس الأموال لإخراج أموالهم خارج الأقطار العربية لإبقائها دائمًا فقيرة معوزة، تخضع لفوائد الديون وتحكم الصهيونية والغرب في مصائر هذه الشعوب والحكومات.

فهل يعي حكام العالم الإسلامي ويدركون أن هذا الفخ الذي نُصِب لهم، والذي وقع فيه- بالفعل- بعضهم يسير من قِبَل المخابرات الأمريكية والصهيونية؟ أم سيضعون أيديهم في أيدي اليهود ليحاربوا الدين الذي ينتسبون إليه طمعًا في منصب أو غنيمة؟

إن إدراك سنن الله في الكون والحياة جزء من إدراك حقيقة الخلق، وإن هذا التدافع بين الصهاينة بما يملكون من وسائل وأساليب وبين أبناء الصحوة الإسلامية هو جزء من إدراك هذه السنن ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًاۗ﴾ (الحج: 40). لكن الباطل دائمًا مهزوم مهما ملك من إمكانات وقوة، ومهما ملك من الحشد والمكر والكيد والإمكانات الهائلة والتواطؤ الدولي ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 36).

اقرأ أيضًا:

 

الرابط المختصر :