العنوان الحرب على العراق.. كيف غيّرت أمريكا؟
الكاتب فرانكي لاهوارد
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 60
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 26
الجمعة 06-يناير-2012
ترجمة: جمال خطاب
الحرب التي كانت من المفترض أن تكون سريعة في الدخول والخروج أستمرت ما يقرب من تسع سنوات، تاركة بصمة عميقة على سياسة التدخل الأمريكي، ليصبح الآن «تدخلًا عبر الأفق»، أو التدخل العسكري من بعيد، بإستخدام الطائرات بدون طيار، والصواريخ التي تطلق من السفن لإصابة أهداف بشرية في بلد أجنبي دون الحاجة لإنزال القوات على الأرض.
فعندما تغادر الولايات المتحدة العراق بعد أكثر من ثماني سنوات من الحرب والإحتلال، تقوم بتكثيف إستخدام تكتيكات الحرب عن بُعد، والعمليات خفيفة البصمة لقوات العمليات الخاصة على نطاق واسع، وهي مستعدة لأي شيء عدا التدخل بقوات ثقيلة، والحرب على العراق التي بدأت في مارس ٢٠٠٣م ما هي إلا مجرد مثال واحد على عميق الأثر على السياسة الخارجية الأمريكية.
فكرة الحرب الوقائية كعقيدة أُلقيت في مزبلة التاريخ.. فحتى «هنري باركي»
الرئيس الجمهوري سيفكر مرتين وثلاث قبل أن يقترب من العراق.
الحروب الضيقة
يقول «ستيفن والت»، وهو أستاذ في مركز «بیلفر» في جامعة «هارفارد للعلوم والشؤون الدولية» في «كامبريدج» بـــ «ماساشوستس»: نحن لن نقوم بأي عملية مطوّلة أو أي محاولات لإعادة تشكيل السياسة الداخلية لأي بلد أجنبي، وبالتالي فالبعض الوقت، ستكون هناك تبعات لما بعد العراق، وستنتج هذه التبعات إحجامًا حقيقيًا عن القيام بأي عملية عسكرية تبدو حتى عن بُعد مثل العراق.
وبعبارة أخرى، بدلًا من الحرب مثلما حدث في العراق فإنها ستكون التدخلات المستهدفة الضيقة مثل تلك الموجودة في باكستان واليمن، وأضاف «والت»: إننا سنركز على قتل الأشرار وليس على محاولة إعادة تشكيل مجتمعات بأكملها.
فعندما أعلن الرئيس «أوباما» في أكتوبر الماضي أن جميع القوات العسكرية الأمريكية ستكون خارج العراق بحلول نهاية العام، كان هذا نهاية لجهد فاشل أستمر عشر سنوات، بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط في الصورة التي تراها الولايات المتحدة، مقدمة بغداد كنموذج، ولكن قوات الولايات المتحدة العسكرية تترك العراق الآن، وقد تكبّدت تكاليف باهظة في الحرب التي كان من المفترض أن تحسمها، الحرب التي ستبقى هاجسًا وكابوسًا لصنّاع السياسة الخارجية الأمريكية وسياسة الأمن القومي لسنوات طويلة قادمة.
تكلفة مرتفعة
شهد وزير الدفاع الأمريكي «ليون بانيتا» إعلان الرئيس بأن القوات الأمريكية وعائلاتهم تحملوا العبء الأكبر ودفعوا الثمن الأفدح في الحرب، وقُتل ما يقرب من ٤٥٠٠ جندي على الأراضي العراقية.
وأكد «بانيتا» أيضًا أن الحرب كلّفت الولايات المتحدة أكثر من ۸۰۰ مليار دولار، في وقت كان العجز في الميزانية الأمريكية هائلًا، ولقد كلّفت الحرب في كل من العراق وأفغانستان أكثر من ۱,۲ تريليون دولار.
لقد كان إرتفاع تكلفة الحرب مالًا ودمًا بالتأكيد سببًا رئيسًا لعزوف الولايات المتحدة عن شن أي غزو على غرار العراق في أي وقت في المستقبل المنظور، كما يقول معظم المتخصصين في السياسة الخارجية.
ستظل الولايات المتحدة تذكر ولن تنسى الفترة من الوقت أن جهود إعادة الإعمار في العراق كانت جهودًا فاشلة، يقول كينيث بولاك مدير مركز «سابان» التابع لمعهد «بروكينجز لسياسة الشرق الأوسط» في واشنطن: الدرس المستفاد هو أن الغزو هو الجزء السهل، في حين أن إعادة الإعمار كان صعبًا للغاية، ويستغرق جهدًا كبيرًا وموسعًا، وإذا لم تكن مستعًدا للقيام بذلك، فلا تفعل ذلك على الإطلاق.
«إن حرب العراق وضعت عبئَا كبيرًا على الخزينة الأمريكية، وساهمت بشكل كبير في الحالة المالية المحفوفة بالأخطار التي نكابدها اليوم».. كما يقول «جيمس ليندساي»، مدير الدراسات في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، الذي يضيف: إن ذلك يعني تداعيات وتبعات خطيرة في المستقبل، حتى ونحن لا نزال بحاجة لطائرات جديدة، وسفن جديدة، وأنظمة أسلحة جديدة، وكلها تكلّف الكثير من المال.
والشيء الخطير أن تكلفة الحرب «غير المباشرة» في العراق قد تكون -كما يقول السيد «ليندسي»- أفدح من التكلفة «المباشرة» على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فعلى وجه الخصوص، كما يقول «لندسي»: إن العراق أستوعب وشغل ولفت إنتباه أمريكا عندما كان عليها أن تقوم بالتركيز على بروز الصين كقوة عالمية.
«أوباما»: القوات والعائلات الأمريكية دفعت الثمن الأفدح في الحرب.. فقد فقدنا ما يقرب من ٤٥٠٠ جندي.
الإنشغال عن الصين
لا أدعو للإعتقاد بأن كل الفشل في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ناتج عن الحرب على العراق، لأن هذا ليس هو الحال، كما يقول «لندسي» الذي يضيف قائلًا: الحرب بالتأكيد إحدى النقاط التي ساهمت في هذه الحالة السيئة لدينا من التركيز على شيء واحد، وعدم الإستجابة للتحولات العالمية الكبرى التي تجري من حولنا، وهي في هذه الحالة صعود الصين.
الولايات المتحدة أنشغلت لعقد من الزمان، وها هي تدخل العقد الثاني بالمنطقة التي ليس من المرجح أن تمارس دورًا مهمًا في الإزدهار في المستقبل، والآن يروق لمرشح الحزب الجمهوري الطامح للرئاسة «جون هانتسمان» أن يخاطب جمهوره قائلًا: إن مستقبلنا ليس في جبال «هندوكوش» في أفغانستان، بعد أن أستهلكنا في العراق لحوالي عقد من الزمان.
حتى بعض المؤيدين المتحمسين لغزو العراق يشعرون بالقلق بشأن القادم فــــ «روبرت ليبر» أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «جورج تاون» في واشنطن يقول: إن الحرب كانت فكرة جيدة، ولكنها أخفقت في التنفيذ، ويعتقد انه لو لم يتم التخلص من «صدام حسين» ربما كان التعامل مع القوتين النوويتين في المنطقة «إيران والعراق» أيسر، ويقول «ليبر»: أن الولايات المتحدة هي في مرحلة الإنغلاق على الذات، فالتكاليف التي تكبّدتها الولايات المتحدة جراء الحرب في العراق أتضح أنها ضخمة ليس فقط من حيث الأرواح والأموال لكن مصداقيتنا أصيبت في الصميم.
قد تكون عقيدة «بوش» قد ماتت كما يلاحظ «والت»، فرئيس الولايات المتحدة لن يتخذ إجراءات وقائية من علي الطاولة، لكنه من المحتمل أن يأخذ وقتًا طويلًا قبل أن يتحول إلى الإستعانة بالجيش كما فعل «جورج بوش»، أي أن «فكرة الحرب الوقائية كعقيدة ألقيت في مزبلة التاريخ»، كما يقول «هنري باركي»، وهو محلل سابق في الشؤون العراقية حتى الرئيس الجمهوري سيفكر مرتين وثلاث مرات قبل أن يقترب من العراق، إن سياسة «التكتم الجديدة» التي ستتبع ما حدث في العراق يمكن أن ترى في دور الشريك الداعم الذي يعتمده «أوباما» كسياسة للولايات المتحدة عندما تدخل في ليبيا، تدخل كجزء من «حلف الناتو»، فلم تحظ ليبيا سوى بإهتمام ثانوي من قبل الولايات المتحدة، كما يقول خبراء آخرون، الإختبار الحقيقي لتأثير الحرب العراقية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة سوف يظهر مع إيران، وربما في وقت لاحق وربما عاجل.
«ستيفن والت»: لن نقوم بأي عملية مطولة أو أي محاولات لإعادة تشكيل السياسة الداخلية لأي بلد أجنبي.
«بروكينجز»: فشلُنا في العراق جعلنا نتكتم على إعتراف الإيرانيين أن لديهم برنامجًا نوويًا
تورط الأمريكيين
«نحن نشهد أثر الإستخبارات الفاشلة في العراق في نهج الحذر الشديد من قبل «أوباما» بشأن إيران».. كما يقول «بروكينجز»: أعترف الإيرانيون أن لديهم برنامجًا نوويًا، و«وكالة الطاقة الذرية» هي التي تقوم بالتحقيق، ولا يزال الرد الأمريكي الأولي هو التكتم، وهذا ناتج عن فشلنا في العراق.
لكن «بولاك»، وهو محلل سابق تابع للإستخبارات المركزية والمجلس الأمن القومي، ومختص في شؤون الخليج، يقول: الذي يقلق أكثر من إيران، هو أن تجربة العراق قد تحولت إلى تورط الأمريكيين في العالم، هذا جنبًا إلى جنب مع القيود المفروضة على الميزانية إلى حد ما، لأن مشروع العراق كان مشروعًا مكلّفًا قد عكّر على الأمريكيين، وجعل من الصعب عليهم ممارسة دور في الأماكن التي يقول «بولاك»: إن الإنسحاب منها سيكون محض قصر النظر.
ويتابع «بولاك» قائلًا: مصر هي المثال الحي حاليًا «كمصلحة أمريكية حيوية»، كما أن هناك دولًا عديدة أخرى، فيمكن أن تخفّض مليارّا أو اثنين من المساعدات الأمريكية لمصر، وهذا لن يؤثر كثيرًا في سد العجز لدينا، ولكن ماذا يحدث عندما تقول حكومة شعبية عنا: إن الأمريكيين تخلوا عنا، ونحن لسنا بحاجة لهم؟ ولتوسيع حجته، يقول «بولاك»: ما يقلقني هو أنه في مرحلة ما بعد العراق، وبعد ما أصابنا من التعب والهوس، سيكون التركيز على المشكلات الداخلية، وفي نهاية المطاف سنفعل أشياء في السياسة الخارجية بعيدة عن الحكمة وقريبة من الحمق والغفلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل