; الحرب على الإرهاب: حصاد الهشيم | مجلة المجتمع

العنوان الحرب على الإرهاب: حصاد الهشيم

الكاتب د. نجيب عاشوري

تاريخ النشر السبت 16-مارس-2002

مشاهدات 53

نشر في العدد 1492

نشر في الصفحة 45

السبت 16-مارس-2002

أفرز التعاطي مع هجوم الحادي عشر من سبتمبر موقفين متباينين:

أما الأول فقد وجد في الحدث فرصة سانحة للإجهاز على خصم عنيد، سياسي من جهة، حضاري من جهة أخرى. وقد مثلت هذا الموقف الأوساط التي يمكن وصفها بالاستئصالية في المنطقة العربية خصوصاً، والتي سرعان ما ركبت الموجة من أولها، مبدية ما يشبه الشماتة بالأمريكان، وبالغرب عموما، على طريقة «ألم نقل لكم؟... ألم نحذركم؟...» ومحاولة بكل جد واجتهاد تسويق بضاعتها الفاسدة التي خلاصتها أن التدين هو المدخل للإرهاب، وأن كل مؤمن ملتزم بالإسلام هو مشروع إرهابي جدير بالقضاء عليه عاجلاً أم أجلاً، وخير البر عاجله، ومن تخشاه غداً فبادره الساعة. وعيناها على من فر بجلده من استبدادها وعسفها وقهرها للاحتماء باللجوء السياسي لدى الغرب.

وتمثل نفس هذا الموقف من الناحية الأخرى قوى متعددة، أغلبها مرتبط بشكل أو بأخر باللوبيات الصهيونية أو المتصهينة في أمريكا وأوروبا، والتي لم تزل ترى في الإسلام منافسًا حضاريًا على صعيد معركة العولمة من جهة، ومنازعاً يهدد هيمنة الكيان الصهيوني من جهة أخرى وهذه الأوساط لم تفتأ تنظّر صباح مساء لانعدام أي إمكانية للتفاهم مع الإسلام إلا بحرمانه من أي وجود فاعل، وإخراجه نهائيًا من الساحة العالمية.

أما الموقف الثاني فقد رفض إعطاء كبير أهمية لديانة المتهمين بتنفيذ الهجوم أو عقيدتهم، واعتبر أن هذا الإصرار على إلحاق الضرر بأمريكا ناجم بالأساس عن ردة فعل متوقعة ومفهومة على السياسات الأمريكية إزاء العالم العربي والإسلامي عموماً، ابتداء بالقضية الفلسطينية والانتفاضة المجيدة، مروراً بما تعانيه شعوب عربية وإسلامية، إضافة إلى الدعم الثابت والمتواصل الذي لم تزل الإدارة الأمريكية تقدمه للاستبداد، والانسداد داخل بعض المجتمعات العربية والإسلامية التي يشهد أغلبها ارتفاعًا في نسبة الشباب.

ويعتبر أصحاب هذا الموقف أن الخطاب الديني الذي تستخدمه المجموعة المتهمة ليس إلا غلالة رقيقة لا تكاد تستر الأسباب الحقيقية التي هي بالأساس أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية.

وهذا الخطاب الديني إنما ورث الخطاب الثوري الماركسي في التعبير عن هذه القضايا والمطالب، وذلك لإفلاس هذا الأخير بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، واختفائه نهائيا كمصدر استنهاض داخل العالم العربي والإسلامي.

ويخلص هذا الموقف إلى أن التهجم على الإسلام وعلى الحركات الإسلامية على اختلاف أنواعها، وعلى الأنظمة التي لا تعجب أمريكا.. كل ذلك لن يحل المشكلة في ظل ثبات السياسات الأمريكية.

وقد ظل الصراع محتدماً في الدائرتين الغربية من جهة، والعربية الإسلامية من جهة أخرى بين هذين الموقفين والقراءتين للحدث. وكان من الواضح أن الموقف الأول هو الأكثر إغراء للإدارة الأمريكية، وأنه سوف يجر على العالم العربي والإسلامي ويلات كبيرة.

إذ من الصعب على الإنسان، فرداً كان أو جماعة، أو دولة أن يعترف بالخطأ، فما بالك بدولة كبرى تريد أن تحكم العالم حسب هواها ومصالحها؟ والاعتراف بالخطأ عسير، ولو كان ما نتج عنه من ضرر طفيفاً، فكيف وقد أنتج أعنف هجوم تتعرض له في عقر دارها منذ عقود؟؟

لقد كان من المتوقع -في ظل هذه الطبيعة البشرية المعروفة- أن تستميت الإدارة الأمريكية في إظهار أن العلة تكمن في عقيدة المهاجمين، وأن لا دخل البتة لسياساتها وممارساتها في الأمر.

وفي المقابل، سقط الكثيرون في فخ التبرير والاعتذار عن الإسلام، ولم يدركوا أن كل شجب أو إنكار يصب الزيت على النار إن لم يصاحبه شجب الأخطاء التي قادت إلى الحدث والربط بينهما.

وإذا لم تقابل الإدارة الأمريكية بجهة موحدة تسمعها الصوت الآخر والموقف الآخر والقراءة الأخرى، فإن خطواتها ستستمر تباعاً، وقراراتها ستتتالى، وكانت أول خطوة هي الهجوم على برامج التعليم في بعض الدول العربية والإسلامية، ووصفها بمحاضن الإرهاب متجاهلًا تمامًا أن عشرات الملايين قد تخرجوا في هذه المدارس ولم يخرج من بينهم إرهابي واحد، بل كان الموسومون بالإرهاب في الفترات السابقة يحملون فكرًا آخر مناقضًا تمامًا.

ويبدو أن ردة الفعل التي جوبهت بها الإدارة الأمريكية في هذا الشأن لم تكن -حسب تقديرها الظاهر- بالقوة والصلابة التي تكبح الجماح وتدعو إلى التريث، إذ سرعان ما أتبعت خطوتها الأولى بخطوة ثانية أخطر، وهي تحديد دول عربية وإسلامية، وحركات مقاومة شريفة وشرعية على أنها محور الشر الجديد في المعمورة، وأنه يتوجب على الشعب الأمريكي الاستعداد لبذل التضحيات في سبيل القضاء عليها بجميع الوسائل.

وللذين لم يستوعبوا معنى هذا التحديد بعد، نذكرهم أن محور الشر «القديم» كان هو الاتحاد السوفيتي. ولم يكن يردع أمريكا عن تدميره سوى توازن الرعب النووي، فأي توازن سوف يمنعها من افتعال أوهى التعلات، أو حتى «أقواها»، لإحداث مزيد من التدمير في عالمنا المدمر أصلاً؟ وهل ننتظر البقية التي سوف تأتي بالتأكيد إن لم نبادر بالتحرك، ولن تكون خيراً مما سبقها؟

لئن كنا قد أضعنا فرصة التوحد المبكر حول موقف يضع أمريكا أمام أخطائها، ويفتح عينيها على مسئوليتها عما تعرضت له، فإن الوقت لم يفت بعد لإنشاء مثل هذه الجبهة التي يجب أن تنضم إليها كل القوى الاجتماعية الفاعلة، من أحزاب وجمعيات ونقابات وشخصيات ذات تأثير داخل كل بلد، إضافة إلى جهود الحكومات المخلصة والواعية بالأبعاد الكارثية التي يمكن أن تتخذ ما هذه الهجمة.

الرابط المختصر :