العنوان الحركات الإسلامية والمشروعات الوطنية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 68
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
قامت الحركات الإسلامية في عديد من البلاد بدعم التوجهات الشعبية والمطالب الوطنية، حين انخرطت -بعد قيامها- في المشروع الوطني المطالب بالاستقلال عن الاستعمار، وجعل زمام الحكم في أيدي وطنيين من أهل البلاد، كان ذلك في ليبيا أيام عمر المختار وجهاده مع رفاقه في مقاومة الاحتلال الإيطالي، وكان في الجزائر على يد ابن باديس وتلامذته الذين وضعوا بذرة الكفاح المسلح ضد الفرنسيين، وغرسوا في أرضية الشعب الجزائري شجرة التعريب، وكان في مصر أيام أن هزت ضربات الفدائيين من الإخوان المسلمين وغيرهم معسكرات الإنجليز في القناة، وكان بصورة أكبر وأوضح أيام أن حملت كتائبهم راية الجهاد في فلسطين، وروت فوق ثراها أعظم البطولات، وقدمت أجل التضحيات التي جعلت الأعداء من الصهاينة وغيرهم يدركون خطر الجندي المزود بسلاح الإيمان، الذي يردد لسانه القرآن، وكأن كل واحد من هؤلاء الجنود كان يتمثل موقف سالم مولى أبي حذيفة حين ثبت قدميه في أرض موقعة اليمامة وردد: «لست بحامل القرآن لو أتي المسلمون من قبلي» وظل ثابتًا حتى قتل شهيدًا، رحمه الله ورضي عنه، ولذا عمل الأعداء على ضرب جنود الإيمان، وتشويه صورتهم أمام الحكام، الذين اتجه معظمهم نحو الاشتراكية بعد مرحلة الاستقلال، فاجتمع على الحركة الإسلامية عنصران، عملا على وضع العقبات في طريقها، وإنزال الضربات الموجعة بأبنائها، أما العنصر الأول فهو كيد الأعداء وتدبيرهم، وأما العنصر الثاني - وهو الأهم – فهو اختلاف مطالب الحركة عن مطالب الدولة وتوجهاتها، فبينما كانت مطالب الحركة إسلامية جوهرًا ومظهرًا كانت مطالب الدولة وتوجهاتها اشتراكية ترقيعية، ومعروف ما بين الإسلام والاشتراكية من أوجه الافتراق الجوهرية، التي تدخل في الأصول والثوابت، وهذان العاملان إلى جانب عوامل أخرى أديا إلى افتراق مطالب الحركة عن مطالب الدولة، مما أدى إلى وجود مواجهة مستمرة مع بعض الأنظمة أحدثت أثرها الكبير في إعاقة الحركة وتقييد خطواتها، وبعثرة جهودها، أو تقليل هذه الجهود وتحجيمها، وبصرف النظر عن تحديد على من تقع مسؤولية ذلك، وإلى من نتجه باللوم والعتاب؟ بصرف النظر عن ذلك وغيره مما هو على شاكلته فإن الوضع القائم الآن بين الأنظمة والحركة الإسلامية وضع غير طبيعي، وبقاء نظرة الشك والريبة الموجهة نحو العمل الإسلامي من الأنظمة ينبغي أن تزول أو تصحح ويجب إقناع الحكام والمسؤولين أن الحركة الإسلامية لا تريد غير الإصلاح، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)، وأنها «الحركة» لا تريد غير الخير للبلاد حكامًا ومحكومين، رعاة ورعية، لأن الحركة قامت أساسًا لتؤدي دورها «في البناء والتنمية والتربية والتعليم والخدمة والإصلاح والإرشاد إلى ما هو أفضل، وينبغي ألا ينظر إليها على أنها قوة منافسة على المناصب، متعطشة للحكم».
إن وصول الحركة إلى سدة الحكم ليس هدفًا تكرس له الجهود، ولكنه وسيلة من وسائل خدمة المجتمع الذي قامت الحركة من أجل بنائه، والحكم ليس هو الوسيلة الوحيدة لهذه الخدمة، إذ يمكن تقديم خدمات للمجتمع عن طريق النقابات والمؤسسات التربوية، وأجهزة الدعوة المختلفة وأماكنها المتعددة، ويمكن التغلغل وسط الناس، وكسب تعاطفهم إن شعروا بأننا نخدمهم، ونبذل جهودنا لتصح لهم الحياة ويسعدوا بالعيش.
والحكومات تسعى - ما استطاعت - لتحقيق هذا الغرض «تنمية المجتمع وبنائه» وبذلك يلتقي الجميع كما كان لقاؤنا من قبل، لقد كان خط الحركات الإسلامية متلائمًا مع المطالب الوطنية والأماني الشعبية في تحقيق الاستقلال عن الاستعمار، وإقامة دول عصرية، وخط سير الحركات الإسلامية اليوم يتفق مع خط الدولة، فكلاهما يريد تنمية المجتمع وإعلاء شأنه، وبناء أفراده بناء متوازنًا قويًا.. ومن الخير للجميع قيام نوع من التعاون بين الأنظمة الحاكمة وبين الحركات الإسلامية، والابتعاد عن حالة المواجهة القائمة الآن والتي لا جدوى من ورائها ولا طائل خلفها، والتعامل بين الطرفين ما أحسنه وأجمله لو أنه قام على الرفق «فما دخل الرفق في شيء إلا زانه» والحركة الإسلامية وهي تجمع نخبة من «الكيس الفطن» يجب أن تتنبه إلى محاولات الدس والوقيعة بينها وبين الأنظمة، والتي تقوم بها جهات مشبوهة لحاجة في نفوس أصحابها، وأن تتجنب ألا تجر إلى مواجهة ساخنة أو باردة، فذلك يضر بها وبأهدافها ولا يخدم المجتمع في شيء.