العنوان الحركة النسوية العلمانية واللعبة السياسية
الكاتب د. رشا الدسوقي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 101
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
- الحزب الديمقراطي الذي يتزعمه كلينتون يتحالف مع الحركة النسوية الداعية للإباحية.. والحزب الجمهوري يتحالف مع الصهيونية.. وبينهما ضاعت حقوق المسلمين
شاهد العالم في الفترة الأخيرة، فضيحة الرئيس كلينتون، وقد سبب سلوك الرئيس حرجًا كبيرًا، ليس فقط لحزبه الديمقراطي بالكونجرس ولبلده، بل للحركة النسوية، التي أقصت المبادئ الدينية عن برامجها وأهدافها، والتي أكسبت كلينتون 20% من الأصوات عام ١٩٩٦م، وساعدت على تقلده منصبه الحالي، وقد ضغطت تلك الحركة على الأمم المتحدة في مؤتمري «السكان بالقاهرة»، و«المرأة» ببكين، من أجل تنفيذ أجندتها السياسية والتي ستمكنها من التحكم في النساء الأمريكيات، ثم نساء العالمين، بتشريع دولي صريح، ولقد بدت تلك الأجندة واضحة لكل من حضر المؤتمرين، ومؤتمر الإسكان والإعمار في أسطنبول ١٩٩٦م، كما اتضح تطبيقها بحذافيرها على قدم وساق في كثير من الدول العربية، وعلى المستويات المحلية، وكان على قمة المبادئ التنفيذية لبرامج عمل المنظمات النسوية، تحليل الإجهاض الذي يترتب عليه نشر الإباحية، ثم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ثم تحديد النسل -وبخاصة نسل المسلمين بنشر العيادات الطبية ووسائل منع الحمل- وإباحة الشذوذ، وحمايته قانونيًا، ثم إعطاء المرأة العاملة، المزيد من الحقوق للعمل خارج البيت، ومن ثم ضرب الأمومة في الصميم، وتنفيذ مخطط انهيار الأسرة والتي أسماها نصارى أمريكا «الأسرة التقليدية».
وحين عقد يوم ٩/١٩ المؤتمر الصحفي لدراسة وقع تقرير «كين ستار» الخاص بالفضيحة على النساء، صرحت باتريشيا أيرلاند، رئيسة «المنظمة القومية للنساء»، وهي أكبر منظمة نسائية أمريكية، بأن النساء قد ازددن قوة وأنهن سوف يحددن مستقبل العالم سياسيًا واقتصاديًا، وأن الأمر ليس متروكًا للرجال وحدهم، ونفت «بيتي فريمان»، صاحبة کتاب «فوق النوع»، أن الحركة النسوية تعمل ضد الرجال والأزواج، وذلك رغم ارتفاع حالات الطلاق في أمريكا إلى أكثر من 70% ورغم وجود ٧٥ ألف حالة حمل غير شرعي سنويًا بين فتيات المدارس، يعني خارج الإطار الأسري الزوجي، ولا يخفى على أحد، أن الأجندة الدولية تعمل وفقًا للمخطط الصهيوني المحدد في «برتوكولات حكماء صهيون»، والذي كرّس المعاول الهدامة للقضاء على الأخلاق والفضيلة والأسرة والمجتمع، وهو نفسه الذي بادر بتحريك الإعلام الأمريكي لشن حملة تغطية تدافع عن السلوك الفاضح لكلينتون، بحجة أنه يدخل في دائرة الخصوصيات الشخصية، وينفصل عن العمل السياسي لرئيس الدولة.
تنسيق السياسات العلمانية
ولذلك ردّدت النسويات الشعارات نفسها، التي رددها أعضاء الحزب الديمقراطي، وكأن الجميع، قد عقد مؤتمرًا قوميًا جهز فيه التصريحات المتماثلة، المتجانسة، والبعيدة عن التضارب في الحوارات الإذاعية والتليفزيونية، ومن وجهة نظر الحركة، فإن ما حققه كلينتون لهن يكفي لثباته في الرئاسة، وهو نشر المواد التعليمية «العلمانية» بين شباب المدارس، وتدخل الحكومة في تربية الأطفال بتوفير المواد العلمية الخاصة بتعليم الجنس بحجة الوقاية من مرض الإيدز وأمثاله، وتوفير الحضانات العامة لتقوم بمهمة التربية تعويضًا عن الأمومة الغائبة، وتوفير الدخل للمطلقات والأرامل ومعدومات الدخل، وتسخير رجال الشرطة لمحاربة المخدرات وحمل السلاح بين الأطفال، هذا كله يحميه من المحاسبة على سلوكه كرئيس.. هذا كله لا دخل له بخصوصیات «بیل» و «هیلاري»، ولا يفوتنا أن ما حققه كلينتون من رغبات سياسية للحركة النسوية، صار إما مطروحًا للتطبيق، وإما طُبق فعلًا في بلاد المسلمين عن طريق المنظمات النسوية العربية وغير العربية.
الحركات الانفصالية
وقد أثارت تلك التصريحات غضب الحركات النسائية الانفصالية المعارضة، ولم تتورع عضواتها عن معارضة رئيسة «المنظمة القومية للنساء» لإظهار التضارب والنفاق الواضحين في أهداف حركتها، وواجه هؤلاء العضوات «أيرلاند». بأن ميثاق إعلان المبادئ الذي جذب عامة النساء إلى الانضمام للحركة عام ١٩٦٦م، أصبح جملة من الأكاذيب.. فيكف تدافع الحركة عن حقوق النساء، وقد تعدى رئيس الدولة على امرأة تعمل داخل البيت الأبيض؟ وكيف تدعي الحركة الدفاع عن النساء المستضعفات وحقوقهن المهضومة في مواقع العمل وفي الوقت نفسه تغض الطرف عن «مونيكا لوينسكي»، رغم دفاعها عن الخليلات السابقات للرئيس، «جينفر فلاورز» و «بولا جونز»؟
وكان الرد الرسمي للرئيسة، أن الحركة في الماضي كانت تهدف إلى كسب الحقوق، فرفعت قضايا ضد الاعتداء على المرأة في مجال العمل أما الآن، فهي تنظر إلى ما هو أبعد، إلى المزيد من الحقوق السياسية بغض النظر عن المبادئ الدينية والخلقية، فهذا التيار النسوي العلماني، كل ما أوتي من تأييد سياسي، هو الذي أثار ثائرة النصارى ومؤيدي الأسرة منذ سنوات عديدة سابقة لمؤتمري «السكان» بالقاهرة و«المرأة» ببكين، ولذلك فقد حارب الحزب الجمهوري من أجل كسب أغلبية الأصوات في الكونجرس للدفاع عن «الأسرة» و«الأمومة» محاربة الفاحشة، والتركيز على الإصلاح الخلقي واشتراط الفضيلة والدين في العمل السياسي، والمحاسبة الدينية الدستورية لكل رئيس يظن أنه فوق القانون، ومحاكمته من قِبَل الكونجرس والشعب، ثم عقد أعضاؤه في ولاية «يوتاه» المورمانية «نسبة إلى الكنيسية المرمانية في أكبر كنيسة تبشيرية في العالم» اجتماعًا عامًا لأهل الولاية، طالبوا فيه بتنحية كلينتون عن منصبه، بسبب إخلاله بمبادئ الدين والفضيلة، كما صدّر أهل الولاية هذا النداء إلى مندوبهم ليرفعه إلى الكونجرس.
أين نضع شرع الله؟
ولعل ما حدث يدفعنا إلى التساؤل عن مدى ثقل شرع الله عز وجل في دستور بلادنا العربية الإسلامية، ومدى الرجوع إليه لضبط المعايير الخلقية على المستوى الحكومي، وفيما يتعلق بالحقوق الشرعية للمرأة المسلمة، ونقول لهؤلاء الذين يظلمون المرأة المسلمة، هل رأيتم كيف وصل العلمانيات إلى أعتى قوة سياسية ينتخبن رئيسهن وينصبنه ويطوعنه لأغراضهن الباطلة، ثم يطالبن بتثبيته، ولهن في ذلك صوت سياسي معتبر، ووزن لا يُستهان به؟ أما آن الأوان كي ترفع المرأة المسلمة للمطالبة بتعديل القوانين لحماية حجاب المرأة المسلمة من الهجمات العلمانية الشرسة التي منعته في بعض بلادنا الإسلامية من دور التعليم والجامعات؟ وماذا عن تأيیده والتصريح به وإظهار العاملات الإعلاميات علی شاشة التليفزيون به؟ أما آن الأوان لإعطاء المسلمات الحق في التصويت على برامج الخلاعة والإباحية التي نشرها الغرب العلماني وفقًا لخطط بني صهيون، وحتى تسيطر الحكومة الأحادية، والعولمة الطاغية على دساتير البلاد؟ أما آن الأوان لتعديل قوانين الأسرة والعنف سري بإدخال نماذج المودة والرحمة القرآنية المجسدة في سيرة خاتم النبيين، وإمام المرسلين على المناهج التنفيذية لقوانين الأحوال الشخصية؟ أما آن الأوان لإنقاذ الأمومة من عدوان الإعلام الغربي والأمم المتحدة، وتغيير برامج الطفولة لنشر تعاليم الإسلام التربوية الرصينة الثابتة، وإبراز روحه السمحة باسمالإسلام لا باسم المنظمات الدولية؟ أما آن الأوان كي تكف حملات تشويه المسلمين والمشايخ في الإذاعة والتليفزيون وخلطها بالهزل تارة وبالإرهاب تارة أخرى، لإحداث البلبلة في عقول السذج والعامة؟ وهل لم يتنبه الجميع إلى الحملات المضادة للإسلام نفسه وتهمیشه ليصبح ظاهرة تاريخية لا يصلح تطبيقها في وجه الفرعونية والأتاتوركية؟ وماذا عن حماية الشباب في النوادي، والمقاهي ودور السينما، وحمامات السباحة والفنادق؟ من الذي يسن القوانين الشرعية لحمايتهم؟
سياسة الحزب الجمهوري: إن الحزب الجمهوري النصراني الأمريكي، حارب من أجل الوصول إلى التغيير الفعلي لسياسة بلاده وجهز برامج العمل للمرحلة القادمة، والتي بلغت من قوتها إجبار الرئيس على مواجهة المحاسبة تمهيدًا لتنحيته بسبب «الكبيرة» التي ارتكبها. فهل يستطيع المسلمون تغيير مجرى الأمور وموازين القوى ليكون شرع الله عز وجل المعيار الأول والأخير للمحاسبة؟
الحركة النسوية العربية: إن الحركة النسوية العلمانية النابعة من الغرب -ولا شك- قد سيطرت على الحركات النسائية في بعض البلاد العربية، فقد تحكمت في كل صوت مُعارض، وتصدت لكل نشاط يخالف المنهج العلماني، في سياق مخطط العولمة، كما ضيقت على النساء ووضعتهن تحت الرقابة ومنعت المحاضرات العامة الدافعة للحركة النسائية ووضعتهن تحت الرقابة، ومنعت المحاضرات العامة الدافعة للحركة النسائية الإسلامية وتصدت للمنظمات التي تنادي بنشر التعاليم الإسلامية، وفوق ذلك حمت نفسها بسياج من السرية تؤيده القوى الأمنية، فهل يا ترى تقف بعض الحكومات في دول الإسلام مكتوفة الأيدي حتى تسِن النسويات الغربيات العلمانيات الأمريكيات لها القوانين؟ أم أنها تنتظر الأوامر من الحكومة الأمريكية الصليبية القادمة؟ فلم يخف أعضاء الحزب الجمهوري أو تابعوه أو مؤيدوه هدفهم من فرض التعاليم النصرانية في المدارس والأماكن العامة، ويعقب ذلك التضييق على الأقليات المسلمة على المستويين العالمي والقومي، ثم إن الحزب سيسعى باستماتة لاستكمال مخططات التبشير والتنصير في العالم الثالث بالمال والإعلام، وكعهده بالمكر والكذب والخديعة، كما أنه يؤمن بتأييد الدولة الصهيونية تمهيدًا لعودة المسيح الثانية في القدس، مسرى رسول الله ﷺ، ويؤمن بأن مصر ليست للمسلمين، بل هي أرض إنجيلية، شهدت أصول النصرانية على يد الأنبياء العبرانيين، وشهدت دفاع موسى -عليه السلام- عن بني إسرائيل وهذه الرسالة النصرانية تملأ الكتب والمراجع، وتوزع على الطلبة المبشرين في كل مكان، وليست سرًا، فيما يبدو، إلا على المسلمين.
المسلمون في أشد الحاجة لانقلاب فكري وقيمي، ينفذ بحسم وبطريقة عملية تفوق التحليلات النظرية والتقييمات النقدية، إنهم بحاجة إلى النهوض من دوامة «القرية الصغيرة»، وموجات العولمة المتدافعة لإنقاذ ما بقي من الحكومات فيردها وشعوبها إلى المنهج الرباني وسيرة حبيبهم الصادق الأمين، إنهم بحاجة إلى إظهار الصورة المثالية للديمقراطية الحقة التي لا يتصور أبدًا أن تفصل بين السلوك الشخصي والعمل السياسي لخليفة المسلمين، أو رئيس دولتهم، إنهم بحاجة إلى إعمار الكون بأخلاق الإسلام ومثله السياسية العليا التي تترفع عن ذِكر السلوك المهين والتصرف الفاجر المشين النشر الفساد في الأرض، استكمالًا لمخطط إحكام القبضة على العالم ليصبح فريسة القيم الصهيونية، هذا العالم الذي يستمد مبادئه والمقبول من سلوكياته من قواميس الغرب ومن أجهزته الإعلامية، إن ما يحدث الآن للمسلمين أكبر دليل على سيطرة الدكتاتورية على سیاساتنا ومسايرتها مخططات إقصاء شرع الله عز وجل وتهميشه وعلى معاقبة الدين وأهله وخلق حالة عامة من التذمر بسبب الكبت والسيطرة من جانب، وفتح الأبواب على مصراعيها لنشر الانهيار الخُلقي والفوضى الفكرية الغربية في بلادنا من جانب آخر، ولعل في فضيحة كلينتون عبرة للمسلمين رغم ما سببته من إيذاء لمشاعرهم وتحد لمبادتهم وقيمهم، ولعل فيها امتحانًا لنواياهم واتجاهاتهم في وجه الفتن والضلالات، وصدق الله العظيم إذ قال:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل