; تركيا: الحركة الإسلامية في تركيا القصة الكاملة (١) | مجلة المجتمع

العنوان تركيا: الحركة الإسلامية في تركيا القصة الكاملة (١)

الكاتب د. هشام الحمامي

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007

مشاهدات 121

نشر في العدد 1770

نشر في الصفحة 30

السبت 22-سبتمبر-2007

■ أتاتورك أخطأ في حق أمته خطأ فادحًا حين اعتبر الإسلام عقبة في طريق التقدم.

■ لم يفعل أتاتورك أي شيء في سبيل الإصلاح الحقيقي الذي كان المجتمع التركي بحاجة حقيقية إليه.. فظل الريف على تخلفه واستمر الأشراف في المدن في ممارسة تسلطهم.. حتى العلمانية المستوردة لم يقم أتاتورك بتطبيقها كما اخترعها الغرب!

■ تواصلت حركات الرفض حتى عام 1936م فطالبت ثورة الشيخ سعيد النورسي في شرق الأناضول بعودة الخليفة.. ونشطت الجماعات النقشبندية وحين اشتد الضغط عليها اتجهت إلى السرية.

قام الإسلام -ولايزال- بدور بارز في تاريخ الأمة التركية، وكان العامل المهم دائمًا في توجيه الروح التركية فهو الذي أعطى الدولة العثمانية شخصيتها الدولية، وكيانها التاريخي، وهو الذي منحها شرعية قيادة العالم الإسلامي طوال ستة قرون، وهو الذي ساعد على تحقيق التجانس والدمج الاجتماعي بين القوميات والجنسيات المختلفة في ربوع الإمبراطورية.

ورغم إلغاء مصطفى كمال الخلافة في ٣ مارس ١٩٢٤م فإنه لم يستطع أبدًا إلغاء الإسلام من قلوب وعقول ووعي ووجدان الناس. وهو الذي لم يدخر وسعًا، ولم يترك وسيلة لمحاربة الإسلام وسلخ تركيا منه إلا وفعلها.. في حالة محزنة من حالات التراجع.

كان أتاتورك فيما يبدو متأثرًا فيها بمفهوم «العلمانية الثورية» التي قال بها فلاسفة مثل ماركس وفيورباخ في أواخر القرن التاسع عشر.. والتي كانت تستهدف هدم الدين وتخليص الدولة والمجتمع من تأثيراته تمامًا... في حين أن منشأ العلمانية كان بغرض الحد من أثر الدين والكنيسة على شؤون المجتمع وسياسة الدولة فقط.. ولم تكن هناك نوايا لمخاصمة الدين وعدائه.

حرب على العربية والمظاهر الإسلامية: فقام أتاتورك بفرض القبعة على الشعب بالقانون وببطش الدولة, وحارب الأبجدية العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية فصدر قانون بالكتابة بالأبجدية اللاتينية، ونقيت التركية من الكلمات الفارسية والعربية، وأصبح الأذان للصلاة بالتركية ثم جاءت الهجمة الشرسة على أسماء الشعب فيما عرف بـ «معركة الألقاب».. وحقيقة لم أعرف في تاريخ «الضرورات» أطرف وأغرب مما فعله مصطفى كمال.. فقد بدا واضحًا أنه ورجاله يسعون لتغيير دين الشعب وهيئته وأسمائه وكل ما يتعلق بهويته وأصل وجوده شكلًا ومضمونًا.

وفي الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية التركية جمعت المصاحف والكتب الدينية ووضعت على ظهور الإبل ليقودها رجل يرتدي الزي العربي متجهًا بها نحو الجزيرة العربية وعلقت على رقاب الإبل لافتة تقول: «جاءت من الصحراء ولتعد إلى الصحراء، وجاءت من العرب فلتذهب إلى العرب».

أخطأ أتاتورك في حق أمته خطأ فادحًا حين اعتبر الإسلام عقبة في طريق التقدم والنهوض ناسيًا أن الدين فطرة ومشاعر وحقيقة من حقائق الحياة، وهو «مركب الحضارة» الذي يمزج «الإنسان والتراب والوقت». فالفكرة الدينية رافقت دائمًا تركيب الحضارة عبر التاريخ كما يقول مالك بن نبي.. أو كما قال برتراند رسل: «الدين كلمة لها تاريخ طويل.. وحقيقة الناس هي العقل والدين والغريزة»... فما بالك إذا كان هذا الدين هو الإسلام الذي هو بطبيعته منهج شامل للحياة؟ وما بالك إذا كان هؤلاء الناس هم الأتراك بشدتهم وحدتهم وقوتهم؟!

أتاتورك ودكتاتورية الحزب الواحد

 والغريب أنه أثناء حرب الاستقلال ۱۹۲۰م اعتمد أتاتورك على أئمة المساجد في تعبئة الجماهير وتحفيزهم.. وكان بديع الزمان النورسي «الكردي» من أوائل العلماء الذين وقفوا إلى جانبه، بل إن رجال الدين أنفسهم ساهموا في التمهيد لمجيئه. «المؤتمر» الأول للجمعية الوطنية كان يضم ٧٣ عالمًا دينيًّا من بين ٣٦١.. وحين أصدر شيخ الإسلام في الأستانة فتواه المشهورة بتكفير أتاتورك رد عليه مفتي أنقرة بفتوى مضادة تحمل توقيع ١٥٢ عالمًا دينيًّا بتحريض من أتاتورك.. لم يفعل أتاتورك أي شيء في سبيل الإصلاح الحقيقي والذي كان المجتمع التركي -كما كل العالم الإسلامي- بحاجة حقيقية إليه.. فظل الريف التركي كما هو على تخلفه وفقره تحت سيطرة الأغوات، وبقي الأشراف في المدن كما هم يمارسون استغلالهم وتسلطهم.. حتى العلمانية المستوردة لم يقم أتاتورك بتطبيقها كما اخترعها الغرب. فالعلمانية الغربية -كما ذكرنا- كانت تعني الخلاص من ظروف الحروب الدينية والتي طالما اصطلت بها شعوب أوروبا.. وليست من الدين، وتطورت فأصبحت تضمن حرية العقيدة والتعبير.. ولا تأخذ موقفًا مناوئًا للدين وشعائره كما فهمها وطبقها هو.. فقط أقام ديكتاتورية الحزب الواحد «حزب الشعب الجمهوري».. وأعطى صحوته مفهومًا «فاشستيًّا» أراد فيه للجماهير أن تكون كتلًا بلا ملامح بلا معالم بلا أفكار فألغى المحاكم الشرعية واستعاض عنها بالقانون المدني السويسري والقانون الجنائي الإيطالي والقانون التجاري الألماني، ومنع تعدد الزوجات.

حين صدرت هذه القرارات قامت ثورة الشيخ سعيد النورسي في شرق الأناضول، ورغم وصفها بالكردية الانفصالية فإن أهم مطالبها كان المطالبة بعودة الخليفة «وحيد الدين» آخر سلاطين بني عثمان.

ونشطت أيضًا الجماعات النقشبندية، وظلت حركات الرفض والممانعة هذه مستمرة حتى عام ١٩٣٦م، وحين اشتد الضغط عليها اتجهت إلى السرية خاصة بعد المحاكمات والإعدامات.

الدين أحتم الحتميات

ولأن القوانين الحتمية أقوى من فعل الأفراد -كما يقول ابن خلدون- والدين في حياة الأمم من أحتم الحتميات، فبعد نصف قرن من هذه التجربة النشاز بدا للنخبة التركية أنها كمن كان يطرق أنفه على باب مغلق طوال السنين السابقة، وأن الخلل لم يكن بين القبعة والطربوش، وأن القصة أبعد عمقًا من كل ما فعله أبو الأتراك.. الذي ترك لمن بعده وهمًا تبدد.. وكثيرًا من الجراح... فما إن جاء عام ١٩٤٦م حتى ألغي نظام الحزب الواحد، وأقرت التعددية، وأصبح الدين حاضرًا في كل البرامج الحزبية.. وحدث تحول في سلوك النظام تجاه الإسلام عندما أدرك حزب الشعب الجمهوري «حزب أتاتورك» حجم الفراغ الذي لم يستطع النظام أن يملأه في المجال الديني، فاقترح السماح بإجراء تعليم ديني، بشرط أن يكون تحت حكم وسيطرة الدولة، وفي ١٩٤٧م قرر الموافقة على اقتراح بالسماح بتعليم الدين الإسلامي بالحروف اللاتينية بشكل خاص، وخارج المدارس الرسمية، على أن يتم ذلك تحت إشراف وزارة التعليم.

برنامج للمواد الدينية: وفي ١٩٤٨م أُعلن برنامج المواد الدينية التي ستدرس للصفين الرابع والخامس الابتدائي. وفي ١٩٤٩م أصبحت المادة الدينية تدرس في المدارس الابتدائية بموجب إذن كتابي من ولي الأمر بشرط أن تدرس خارج أوقات الدراسة الرسمية. وفي الفترة التي كانت فيها الحكومة الائتلافية مكونة من حزبي الشعب الجمهوري والسلامة الوطني، عام ۱۹۷۳م تم وضع المواد الدينية في جميع الصفوف تحت مسمى «دروس الأخلاق» على أن تكون بمعدل ساعة أسبوعية وبشكل إجباري. وكانت مدارس الأئمة والخطباء قد أغلقت تمامًا بعد عام 1930م بسبب عدم وجود طلاب!!! ولكن مع التحول لحياة التعددية الحزبية وتخلي حزب الشعب الجمهوري -مضطرًّا- عن نظرته للإسلام باعتباره عامل إعاقة أمام التحديث المنشود.. ومع التوجه نحو الديمقراطية في الفترة التي حكم فيها الحزب الديمقراطي البلاد بعد هزيمته لحزب الشعب الجمهوري عادت هذه المدارس ثانية، وبدأ السياسيون يتزلفون إلى الناخبين من أجل الحصول على أصواتهم، وتوجهوا إلى جماهير كانت مهملة منذ أعوام طوال، وخشي حزب الشعب رافع راية العلمانية من أن تهرب منه الأصوات نحو الأحزاب الأخرى.. وبعد تردد طويل وافق على وضع التعليم الديني في نظام الدولة، خاصة بعد شعور الجميع أن الدولة بحاجة حقيقية إلى «رجل دين مثقف» وتوافرت لديهم قناعة بأن رجال الدين المثقفين سيقومون بأدوار مهمة في تحقيق التماسك الاجتماعي للوطن.

 الانقلاب العسكري الأول

 وبدأ الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري يتنافسان على أصوات الجماهير بقرارات الانفتاح الديني، وعندما فاز الحزب الديمقراطي بالأغلبية عام ١٩٥٠م أصدر رئيس الوزراء عدنان مندريس قرارًا برفع الحظر عن الأذان باللغة العربية، وكان ذلك في حد ذاته حدثًا هائلًا بكل المقاييس، وأول ثغرة تنفتح في جدار القهر الأتاتوركي.. وتم ترميم المساجد، وأصبح النشاط الإسلامي مسموحًا به بعد أن كان محظورًا، غير أن هذه التوجهات السياسية ذات البعد الاجتماعي والسياسي الخطير لم تستطع النخب العلمانية الشرسة احتمالها واستخدمت عصاها الغليظة.. فقام الجيش بانقلابه الأول في 27/٥/1960م باعتباره الحامي لمبادئ أتاتورك العلمانية وحامي الجمهورية، وتم إعدام «عدنان مندريس» رئيس الوزراء في هذا الانقلاب، وتولى قائد الانقلاب «جمال جورسيل» رئاسة الدولة والوزراء ووزارة الدفاع.

 وفي عام ١٩٦١م انشق حزب العدالة عن الحزب الديمقراطي، ووصل إلى الحكم عام ١٩٦٥م وحدث تحول آخر مهم داخل حزب الشعب الجمهوري بتولي بولند أجاويد رئاسة الحزب، واعترف لأول مرة بأن الصراع لم يكن بين الطربوش والقبعة بل بين الفقر والاستغلال، وأن كل الأحزاب استغلت الدين لإخفاء عجزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فترة الستينياتتحولات خطيرة كانت فترة الستينيات قد شهدت تحولات خطيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فتغير كثير من أنماط الحياة، وعلى المستوى السياسي انتشرت الأحزاب اليسارية في صفوف الطلاب والمثقفين، وظهرت أيضًا في تلك الفترة توجهات سياسية «إسلامية» واضحة وصريحة فظهر البروفيسور نجم الدين أربكان الذي عينه حزب العدالة رئيسًا لاتحاد مجالس الصناعة والتجارة التركية، وقد كان لتوه قادمًا من ألمانيا حاملًا الدكتوراه في صناعة المحركات الميكانيكية، ثم كان الظهور القوي له في الحياة السياسية حين فاز كمرشح مستقل عن دائرة قونية، وكان فوزًا كبيرًا وساحقًا بما يتجاوز كونه فوزًا لنائب له جماهير... وفي عام ۱۹۷۰م أسس أربكان حزب النظام الوطني منفصلًا به عن حزب العدالة.. الذي كان بدوره منفصلًا عن الحزب الديمقراطي.

تميز برنامج الحزب بالاتجاه شرقًا نحو المحيط الحضاري والتاريخي للأمة التركية، وبدأ في انتقاد حزب العدالة وحزب الشعب، وفي نفس الوقت كان ملتزمًا بالنظام القانوني للبلاد.. ولم يحاول أبدًا الخروج عليه، وفي العام التالي أقام الحزب مؤتمره السنوي الأول مبتدئًا الحفل بالنشيد الوطني: «حلمي يقود خطاي»، واختير أربكان أمينًا له.

 كانت هذه الفترة تتسم بالقلق السياسي، وعانت البلاد من أزمات حادة لم تفلح الحكومات المتعاقبة في معالجتها، وهو ما دعا الجيش في ۱۲ مارس ۱۹۷۱م إلى توجيه مذكرة إنذار لرئيس الوزراء وقتها «سليمان ديميريل» تدعوه فيها إلى إجراء إصلاحات سريعة من أجل القضاء على أسباب هذه الأزمات.. وإلا فإن الجيش سيمارس حقه الدستوري ويتولى مقاليد الحكم، وعرف هذا الانقلاب في الحياة السياسية التركية بـ «انقلاب المذكرة»، فاستقالت الحكومة، وحظر حزب النظام الوطني، وأغلقت مقراته ومكاتبه، واضطر أربكان لمغادرة البلاد حتى تهدأ هذه العاصفة.

الرابط المختصر :