العنوان الحركة الإسلامية وما بعد السياسة
الكاتب هشام جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 60
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 02-مارس-1999
- جوهر مشروع حسن البنا إقامة الدين وإعادة بناء الأمة وهي مهمة أكبر من مجرد إقامة السلطة.
- المشروع الإسلامي إصلاحي شامل.. طبيعته المميزة هي التغيير القيمي والثقافي، والسياسة فيه خادمة للمهمة التربوية والدعوية.
- الحديث عن «البديل المرتقب» أنتج حالة من القلق الشديد استبد بالسلطة التي لا تزال تحتفظ بكثير من قوتها، فقررت اجتثاث ذلك الخطر من التربة.
- إذا حضرت الأمة عادت السلطة إلى حجمها الطبيعي فليكن هدف العمل السياسي منع تغول السلطة.
فرضت حالة الانسداد في العلاقة بين بعض الأنظمة والحركات الإسلامية، وما آلت إليه عدة تجارب إسلامية سياسية سلمية «الجزائر- تركيا- مصر- تونس»، فضلًا عن الفشل الذريع الذي مُنيت به تجربة العنف، فرضت على الكثيرين التفكير في الرؤية السياسية للحركات الإسلامية.
وقد استعرضت «المجتمع» «عدد 1335» بعض الطروحات التي تناولت الموضوع، كما طرح الشيخ أبو الحسن الندوي «المجتمع 1339» رأيه بشأن أصحاب الإيمان وأصحاب الكراسي، وهنا يتناول المقال التالي الظاهرة من زاوية أخرى يسميها «ما بعد السياسة»، والتي قد يرى البعض أنها تعني ما دون السياسة أو ما سوى السياسة، وما دامت المشكلة قائمة، فلا مناص من مناقشة مختلف الرؤى والطروحات.
أحسن الأستاذ مصطفى الطحان صنعًا حين نقل إلى مجلة «المجتمع» «العدد 1335، 9 – 15 شوال 1419 هــ» الحوار الذي دار على صفحات جريدة الحياة تعليقًا على مقال الأستاذ صالح كركر الذي دعا فيه إلى مراجعة الرؤية السياسية للحركة الإسلامية.
وواضح أن هذا الحوار كان متسعًا وممتدًا- نظرًا لأهمية الموضوع- ولكن لم تستطع جريدة الحياة أن تواكبه وتستمر فيه، لذا فإن تبني «المجتمع» لهذا الحوار- وهي المجلة التي يقرأها كثير من الإسلاميين في أنحاء متفرقة من العالم- من شأنه أن يبلور الرؤى حول هذا الموضوع المهم.
في هذا المقال أحاول أن أقدم أطروحة مختلفة عن أطروحة كركر أو الأطروحات التي عقبت عليه والتي قام الأستاذ الطحان بتلخيصها.
يطرح الأستاذ صالح كركر، وهو الذي كان قيادة نشطة في حركة النهضة التونسية، في مقاله بجريدة الحياة بتاريخ 11 من يونيو عام 1998 م مشكلًا على جانب كبير من الأهمية، وهو موقع السياسة والسياسي من المشروع التغييري الذي تحمله الحركة الإسلامية، وهو يقصد بالتحديد في مقاله لا عموم الحركة الإسلامية التي تباينت وتعددت مواقفها من هذا المشكل، وإنما الحركة الإسلامية التي قبلت الدخول أو الاشتراك في ساحة العمل السياسي من منطق القبول بالتعامل مع النظام السياسي ومن خلال قواعده، وإن كانت هذه القضية أو ذلك المشكل مما يلقي بظلاله الكثيفة على بقية فصائل الحركة الإسلامية، وبخاصة التيار العنيف منها.
إن تحليلًا دقيقًا للظروف الموضوعية التي تحيط بالتفكير في هذا المشكل من شأنه أن يساعد الجميع، جميع من يفكر في مستقبل العباد والبلاد، لأن يؤسس أطروحته ووجهة نظره على أرضية صلبة من النظر.
المشكل قديم
ما أحب أن أؤكد عليه بداية أن هذا المشكل، قديم في الفكر الإسلامي المعاصر يعود بجذوره إلى الحوار الذي دار بين الأستاذ أبو الحسن الندوي وأتباع الأستاذ أبو الأعلى المودودي في شبه القارة الهندية حول التفسير السياسي للإسلام، والتفسير الحقيقي له، بل لا يمكن بحال فصل هذا المشكل عن موقف الإخوان في مصر من فكر «الحاكمية» و «الجاهلية» الذي انبعث مع كتابات الشهيد سيد قطب في الستينيات، مما دفعهم إلى تأليف كتاب «دعاة لا قضاة» للرد على هذا الفكر وتجلياته من فكر التكفير، كما يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى كتابات د. سعيد رمضان البوطي من سورية، والأستاذ وحيد الدين خان من الهند حول الموضوع.
إن إعادة طرح المشكل من جديد وفي هذا الوقت بالذات تعبير في جزء كبير منه عن حالة الانسداد السياسي وظروف الحصار المضروب على فاعليات الحركة الإسلامية في أقطار عدة من وطننا العربي، وعلى رأسها بالطبع تونس التي يعاني فيها العمل الإسلامي إبادة وإقصاء وسحقًا، خاصة أن العمل السياسي- الرهان الإستراتيجي الأساسي للحركة الإسلامية على مدار العقد ونصف العقد المنصرم- لم يستطع أن يحقق الآمال والأهداف والشعارات التي رفعت، وهي كما أوضح الأستاذ كركر في مقاله «الدولة الإسلامية»، أو «دولة الوحي الحقة» أو «الحكم الإسلامي الصحيح»، بل إن اتساع نطاق العمل السياسي وتعدد وتشعب مجالاته كان أحد الأسباب الأساسية- فيما أتصور- في الأزمة القائمة بين الحركة الإسلامية والأنظمة.
كما لا يمكن بحال فصل إعادة التفكير في هذا المشكل عن الجدل الدائر حول «إعادة التفكير في الدولة» على المستوى النظري والعملي، وفي النطاق المحلي والإقليمي والدولي، ففكرة الدولة الحديثة تخضع لنقد جذري عنيف، بعد أن ظهرت مشكلات جمة على مستوى الممارسة نتجت عن تغول هذه الدولة، والنزوع النفسي والموضوعي لأجهزتها والقائمين على أمرها إلى التضخم والتغول وزيادة الصلاحيات والاختصاصات على حساب المجتمع وأفراده، إن الجدل الدائر الآن حول اختصاصات ومهام ووظائف الدولة- والذي يقوده البنك الدولي- يطرح بعمق إعادة التفكير في مفاهیم كثيرة منها «الدولة الإسلامية» أو «دولة الوحي الحقة» بتعبير صالح كركر، من جهة أن «الدولة أو السلطة» هي أداة إنجاز المشروع الإسلامي واستكمال إقامة الدين، خاصة أن بعض التجارب «الإسلامية» التي قامت خيبت الآمال، ولم تحقق المقصود.
وهكذا، فإن إعادة طرح مشكل موقع السياسة من المشروع الإسلامي ارتبط بظروف موضوعية وأوضاع واقعية تدفعه دفعًا، وهذه الظروف الموضوعية أخالها تفرض حدودًا على التفكير، بمعنى أن المشكل قديمًا- أي زمان الندوي والمودوي، وقطب والهضيبي- كان يتم التعامل معه على أرضية الشرعية الدينية وانطلاقًا من المرجعية الإسلامية، لذا فقد اتسم بالتأسيس النظري والمنهجي العميق، بخلاف المقال الذي بين أيدينا، والذي افتقد إلى هذا التأسيس النظري والمنهجي العميق، فالمقال على الرغم من أنه حاول أن يتحرر من أسر السياسة بدعوة تخلي الحركة الإسلامية عن «الصفة السياسية» التي ميزتها واتسمت بها في الفترة الماضية، إلا أنه ما يزال يتحرك على أرضية السياسة نفسها، ولم يستطع أن ينطلق إلى ما بعد السياسة.
فالأستاذ كركر في مقاله يطالب بتخلي الحركة الإسلامية عن الصفة السياسية تخليًّا «مرحليًّا» أي تكتيكيًّا، ولاعتبارات «الضرورة» الملجئة، ويظل يؤكد على أن الهدف الأساسي والمقصد الأسمى هو إقامة «دولة الوحي الحقة» والحكم الإسلامي الصحيح، التي لن تستطيع الحركة الإسلامية أن تقيمه، لذا فالأفضل التصالح مع الأوضاع القائمة، أي «الدولة القائمة» باعتبار أن «السلطان والإسلام قد انفصلا بعد الخلافة الراشدة»، لكن يظل المقصد هو إقامة الدولة والاستحواذ أو الوصول إلى السلطة، والسياسة هي سبيل تحقيق هذا المقصد.
اللحظة التاريخية
وإذا كان إدراك الظروف الموضوعية التي تدفع إلى طرح المشكل الآن من شأنه أن يساعدنا في تجاوزها نحو تأسيس نظري قوي لأبعاد هذا المشكل، فإن إدراك وتحليل اللحظة التاريخية والظروف التي أحاطت بانبعاث السياسة والسياسي في التاريخ الحديث جدًا للحركة الإسلامية من شأنه أن يساعدنا أكثر على تجاوز السياسة إلى ما بعد السياسة.
فكركر يرجع في تحديده لهذه اللحظة التاريخية إلى مشروع الأستاذ البنا عند تأسيسه لجماعة الإخوان، وهو يرى أن جوهر المشروع الإخواني هو «إعادة دولة الخلافة» التي سقطت عام 1924 م، باعتبار أن «إقامة دولة الخلافة» من الواجب الذي لا بد منه لإقامة الإسلام كاملًا، وهو بهذا يتبنى قراءة لتجربة الأستاذ البنا، تم اختزالها إلى أهداف محدودة ومحددة تدور أساسًا حول إقامة السلطة أو «الدولة الإسلامية» وليس «إقامة الدين»، وإعادة بناء الأمة اللذين هما جوهر مشروع البنا كما أفهمه.
إن الفهم العميق لتطور حركة الإخوان التاريخي مهم للغاية في هذه النقطة التي نحن بصددها: إن جوهر المشكل كما أدركه الأستاذ البنا وقتها: هل للإسلام علاقة بأنظمة الحياة من سياسة واقتصاد وقانون وتعليم.. وقد أجاب البنا بأن للإسلام علاقة بأنظمة الحياة المختلفة «فالإسلام دين شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا» بتعبير الأستاذ البنا نفسه.
وقد استمر هذا النهج قائمًا، أي نهج الحركة الإصلاحية الشاملة التي تسعى لعودة مرجعية الإسلام لشؤون الحياة جميعًا عن طريق بناء الأمة التي هي صاحبة الحق الأصيل في إقامة الأشكال النظامية والمؤسسية ومنها الدولة لتعبر عن مثاليتها وذاتيتها، ظل هذا النهج قائمًا حتى حدث الصدام بين مشروع دولة ما بعد الاستقلال والمشروع الإسلامي، فكان فكر الشهيد سيد قطب الذي أعاد تقديم الدين والتأكيد على «حاكمية الله» في مواجهة «حاكمية الدولة» والبشر القائمين عليها، ولقد تم انتزاع فكر سيد قطب من سياقه الموضوعي والظرف التاريخي الذي ارتبط بجو المواجهة بين مشروع دولة ما بعد الاستقلال والمشروع الإسلامي ليقدم باعتباره المطلق الذي يجب الإيمان به والعمل وفقًا له في كل زمان ومكان.
وبعد أن كان نهج الأستاذ البنا هو إصلاح الأوضاع القائمة وزيادة حجم التوعية الإسلامية بها، ومنها بالطبع الحكومة أو السلطة التي يريد أن يصلحها لتصبح «إسلامية بحق» على حد تعبيره، أصبح المطلوب مع فكر الشهيد سيد قطب هو الانقلاب على الأوضاع القائمة لإقامة «حاكمية الله» في الأرض، ومن ضمن المقولات التي تعد امتدادًا لهذا الفكر مقولة «الدولة الإسلامية»، فقد حدث خلط في استعمالها بين تعبيرها عن شمول الإسلام لجوانب الحياة جميعًا وضرورة إقامة کیان نظامي يعبر عن مثالية الإسلام، وبين «السلطة» في التصور الإسلامي التي هي مؤسسة من ضمن مؤسسات كثيرة تنشئها الأمة.
ثم سرنا خطوة أخرى في السبعينيات من هذا القرن، حين خرج الإخوان من السجون ليعيدوا بناء التنظيم، وتقديم الدين مرة أخرى باعتباره نظامًا شاملًا لجوانب الحياة جميعًا، أي التأكيد على المرجعية الإسلامية والسلوك والخلق الإسلامي، وعلى ما يبدو أنه كانت هناك في هذه الفترة رؤى متعددة وقراءات مختلفة لتجربة الأستاذ البنا، تم حسم الخلاف الصالح رؤية معينة وقراءة محددة لتجربة المؤسس والمرشد الأول.
واستمر هذا النهج حتى منتصف الثمانينيات وبالتحديد عام 1984 م، حين تحالف الإخوان أو بالأحرى أئتلف كل من الإخوان والوفد في انتخابات مجلس الشعب المصري عام 1984 م، في هذه اللحظة التاريخية كان هناك إدراك من قيادة الإخوان وقتها متمثلة في رأي مرشدها الأستاذ عمر التلمساني، أن دخول ساحة العمل السياسي يأخذ حكم الضرورة، بهدف فك الحصار المفروض على الحركة، واستحواذ على قدر من الشرعية الواقعية في ظل افتقاد أو سحب أو منع الشرعية القانونية عنها من قبل النظام: «أنا مضطر، والمضطر يركب الصعب من الأمور، لقد سدت أمام الإخوان كل القنوات الشرعية التي يمكن من خلالها أن يعيدوا من أنفسهم» «لقاء الأستاذ التلمساني مع آخر ساعة 28\5\1986 م».
تطوير الخط الإستراتيجي
كما كان الاشتراك في الانتخابات البرلمانية عام 1984 م، تأكيدًا وتطويرًا للخط الإستراتيجي الذي اختطته الجماعة لنفسها منذ منتصف السبعينيات، والذي قام على أن بالإمكان أن تحقق الجماعة أهدافها بالعمل من خلال المؤسسات القائمة سواء على صعيد المجتمع أو الدولة، فإذا كانت الجماعة قد استطاعت خلال عقد السبعينيات أن تعيد بناء صفوفها، وأن توسع من دائرة عضويتها وتفتح قنوات اتصال مع المجتمع «عبر مسار المسجد والحركة الطلابية أساسًا»، فإنها اتجهت منذ مطلع الثمانينيات إلى تأكيد مشاركتها في الحياة العامة في مصر: فلا يمكن فصل مبادرة دخول انتخابات مجلس الشعب 1984 م على قوائم الوفد، عن مبادرة دخول انتخابات النقابات المهنية 1984 م، وانتخابات الاتحادات الطلابية في العام نفسه أيضًا، التي كانت بمثابة عودة النشاط الإسلامي للجامعات المصرية بصورة علنية بعد أحداث 1981 م.
وكانت هذه المبادرات جميعًا مرتبطة «بالوصول بالدعوة الإسلامية إلى الحيز الرسمي»، كما ارتبطت بالتضييق الذي كانت تمر به الجماعة وقتها: فقد خرجت قيادات الجماعة من السجون أواخر عام 1982 م، وقد فقدوا مجلتهم الوحيدة المعبرة عن الجماعة «مجلة الدعوة»، وقد سعت القيادات إلى استئناف النشاط وتشكيل الصفوف في ظل تضييق وحصار شديدين بعبارة أخرى، فإن وضعية الجماعة «المحاصرة» التي لا تتمتع بالشرعية القانونية، وتعاني من السرية المضروبة عليها قد صاغت أهداف المرحلة وقتها، فكان التأكيد على ضرورة حضور وتأكيد الاسم وإثبات التواجد بشتى الطرق ومختلف الوسائل، وبما يتجاوز الأطر التقليدية القائمة «المسجد».
ثم كان الاشتراك في انتخابات مجلس الشعب عام 1987م التي دخلها الإخوان بأعداد كبيرة ودعاية سياسية واسعة، ولقد لمسوا التجاوب الشعبي الكبير مع أطروحاتهم وشعاراتهم، ومن ثم كان التأكيد على اتخاذ السياسة نهجًا إستراتيجيًّا، وتعميق ذلك باتخاذ الانتخابات- أيًّا كانت وفي أي موقع- سبيلًا، لذا فإنه في هذه المرحلة ما أجريت أي انتخابات في مصر إلا وشارك فيها الإخوان، وساد إحساس في هذه المرحلة من قبل الفرقاء الآخرين في النظام السياسي، وبالطبع على رأسهم السلطة السياسية أن الإخوان سيكتسحون كل المواقع والمؤسسات.
لقد تأثرت فصائل كثيرة من الحركة الإسلامية في البلدان العربية بهذا التوجه الأساسي- التوجه نحو السياسة- الذي اكتسب زخمًا متزايدًا، وقوة دفع في ظل عدد من الاعتبارات أهمها وأبرزها أن هناك بعض النجاحات التي تحققت في بداية النزال السياسي أغرى بالمزيد منه والاندفاع فيه، بالإضافة إلى تسييس القيادات الوسطية في الحركة الإسلامية، إلا أن الأخطر أن هذا التوجه تم التنظير له لاحقًا وإسباغه أو إلباسه اللبوس الشرعي من قبل مفكرين وكتاب إسلاميين دون إدراك كاف لخطورة تضخم أو تغول الشق السياسي الذي هو بحكم الطبيعة والتعريف يتسم بالتضخم الشديد الذي يعيد تعريف وتحديد الأوزان النسبية لمكونات المشروع الإسلامي.
وهكذا، أصبحت السياسة «منهج نظر» و «رؤية» و «منظور» ينظر به إلى الأمور جميعًا: الآخر غير المنتمي إلى الحركة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي «كما يرى كركر حين رأى فقط افتراق السلطان والإسلام، ولم ير استمرار مرجعية الإسلام للأمة والدولة معًا وتجسيد هذه المرجعية في الواقع المعاش»، والسلطة القائمة والأحزاب والقوى السياسية الفاعلة.
وهكذا تتحول الممارسة إلى «منظر» يملأ القلوب والأفئدة بأفكاره وفلسفته، وأصبحت السياسة والممارسة السياسية «قيمة مرجعية» تحتاج الحركة الإسلامية الآن إلى التخلص منها، وبرزت في هذه الرؤية «الدولة» و «السلطة» باعتبارهما القلعة الحصينة التي يشكل احتلالها الشرط الذي لا غنى عنه «لإقامة الدين»، والعقبة الأساسية للانطلاق نحو الغاية المنشودة.
بالطبع لم تخل الممارسة السياسية للحركة الإسلامية من إيجابيات سواء لها أم للوضع السياسي العام أو حتى للثقافة السياسية للمواطنين، ولكن ما نسعى لتكثيف الرؤية بشأنه هو كيف تضخم الشق السياسي في العمل الإسلامي، على الرغم من أن المشروع الإسلامي كان ولا يزال مشروعًا إصلاحيًّا شاملًا، السياسة جزء أو مكون من مكوناته، أما طبيعته المميزة فهي التغيير القيمي والثقافي «التغيير التربوي والدعوي» والسياسة فيه خادمة للمهمة التربوية والدعوية غير متقدمة عليها.
خصائص الممارسة السياسية للحركة الإسلامية
اتسمت الممارسة السياسية من قبل الحركة الإسلامية بعدد من السمات والخصائص ليس مجال التفصيل والاستعراض لها هنا، ولكن ما يهمنا هو ما يخص هذا الموضوع، كان أبرز هذه الخصائص هو التنافسية الشديدة مع جميع الأطراف والقوى وعلى رأسها الحكومة أو النظام القائم، كما غلب على حركتها السياسية سمة المعارضة للنظام، وعدم بناء مجال مشترك بينها وبينه.
كما حدث نوع من التشبيك والترابط بين مكونات العمل الإسلامي المختلفة، وبين الممارسة السياسية، خاصة في ظل خبرة التنظيمات التي تتبنى النهج الشامل في العمل، إن هذا الترابط وعدم الفصل العضوي بين العمل السياسي التنافسي وبين مكونات العمل الإسلامي الأخرى قد أدى إلى نتائج خطيرة على العمل الإسلامي بجميع جوانبه، حيث أدى- من ضمن ما أدى- إلى تسييس هذه المكونات «العمل النقابي، والعمل الأهلي»، وتسييس القواعد والأعضاء والمنتمين للتيار الإسلامي، خاصة أنهم- فقط- عاشوا الأجواء الانفعالية من العمل السياسي «انتخابات- مظاهرات- اعتصامات».
ومن مخاطر ذلك أن منهج أعضاء الحركة قد يتغير، حيث يحدث تركيز على تنمية الجانب السياسي التنافسي عند الأفراد- حيث تمثل الانتخابات على مختلف المستويات الحدث الأكبر- على حساب الجوانب الإيمانية والخلقية والثقافية والفكرية والشخصية، فينتج عن ذلك تنامي نظرة أحادية للأوضاع، واتخاذ المواقف تجاه الأحداث بشكل يغلب في تحديده طبيعة الموقف وحصوله، وذلك على حساب تبيان مكانة الموقف ضمن الخط العام الذي يحكم المسار أو- وهذا هو الأهم- على حساب وجود رؤية شاملة تبادر بطرح «تصورات كلية للإصلاح»، وهي تلقي الكرة في ملعب الآخرين لتحفزهم على التفكر في تلك الرؤى والتفاعل معها، وينتج هذا المنحى تجزئة لقضية الإصلاح وتضخمًا لبعض أبعادها، وانشغالًا عن المسار الأساسي.
ومن مظاهر ذلك أيضًا غلبة المدخل السياسي القائم على الندية التزاحمية، والتنافس التصادمي، الأمر الذي تجلى خلال العقدين الماضيين، فقد تم تسييس مجالات النشاط بشدة- من خلال عديد من الممارسات والأنشطة- برغم إمكان توظيفها في عملية الإصلاح عبر المدخل الخدمي، أو ترميم النسيج المجتمعي من الاهتراء واعتبارها فرصة لتأهيل العناصر المشاركة فيها للقيام بأدوار عامة حقيقية بشكل كبير، ومن مظاهر ذلك: زيادة الجرعة السياسية في خطاب الحركة الذي يحفل بالحديث المباشر عن كونها البديل المرتقب، وعن ترتيبات إقامة الدولة الإسلامية، ولقد أنتج هذا وذاك حالة من القلق الشديد استبد بالسلطة- التي لا تزال تحتفظ بكثير من قوتها- إزاء التهديد الذي يستهدف عين بقائها، فقررت اجتثاث جذور ذلك الخطر من التربة ومنع أي ظهور عام للحركة في مواقع حساسة، كما أنتج الانشغال بالوضع السياسي، عدم إيلاء الاهتمام الكافي- كمًّا وكيفًا- للوضع القيمي والثقافي للامة الذي يعاني تدهورًا متسارعًا، خاصة في ظل التغريب والاختراق الشرسين اللذين يرميان إلى الإتيان على هوية الأمة من حيث أتت، وكذلك قل بالنسبة لمسألة الوعي، وللوضع الاقتصادي.
الحركة الإسلامية وإعادة تعريف السياسة
هناك عدد من المحددات التي تحكم- فيما أتصور- مستقبل العمل السياسي الإسلامي، وأنا هنا أتكلم فقط عن العمل السياسي، ولا أتطرق إلى التوجه الإستراتيجي الذي يجب أن تأخذه بعض فصائل الحركة الإسلامية انطلاقًا من طبيعتها المميزة وتعريفها لنفسها، والذي أتصوره بشأن التوجه الإستراتيجي للحركة هو «إعادة بناء الأمة» ويأتي العمل الأهلي في القلب من ذلك بما يتطلبه من أولوية المهمة التربوية والدعوية أي التغيير الثقافي والقيمي والتنموي.
إن من مقتضيات التوجه نحو العمل الأهلي والاضطلاع بإعادة بناء الأمة إعادة تعريف السياسة والسياسي، وأنا أتصور أن هناك ثلاثة أشكال من الممارسة السياسية، قد تختلط ببعضها البعض في الممارسة والفعل، ولكن تظل هناك ضرورة للتمايز العضوي بينها: تمايزًا في الأدوات التي تقوم بها، والأشخاص التي تتحرك فيها، لأن لكل منها مقتضياته ومستلزماته التي تختلف بحكم الطبيعة والخصائص المميزة لكل منها:
النوع الأول: هو «السياسة التنافسية»، ومثلها البارز الأحزاب، وهي الفعل السياسي الذي يقوم به الطرف السياسي إزاء الأطراف والقوى الأخرى، العمل السياسي وفقًا لهذه الوجهة له مجموعة من السمات والخصائص أبرزها:
- جوهر النزعة التنافسية هو تحقيق الربح والمصلحة المباشرة للجهة التي تمارسها.
- إبراز التميز والتفرد عن بقية الأطراف الأخرى المتنافس معها.
- عادة ما تطرح هذه القوى نفسها باعتبارها بديلًا للنظام القائم، ومن ثم فهي تسعى للسلطة.
النوع الثاني: وهي ممارسة «جماعة الضغط»، حيث تسعى جماعات المصالح إلى تجميع مصالح أعضائها والتعبير عنها، والضغط من أجل تحقيقها.
النوع الثالث: هو ما نطلق عليه «السياسة الإصلاحية» وهو العمل الذي يهدف أساسًا إلى توفير البنية الأساسية للممارسة السياسية على المستوى الثقافي والقيمي: ثقافة الحوار والتعددية والمشاركة في الهم العام... إلخ.
السياسة الإصلاحية تسعى لإحياء الأمة وحضورها في المجال السياسي لأن هناك مشكلة حقيقية في الممارسة السياسية في الواقع العربي في ظل غيبتها وانسحابها، إذا حضرت الأمة عادت السلطة إلى حجمها الطبيعي، ومنعت من التغول، لذا فإني أرى أنه بدلًا من أن يكون هدف العمل السياسي الإسلامي هو الوصول إلى السلطة، ليكن هو المنع أو الحد من تغول السلطة أيًّا كانت هذه السلطة: إسلامية «كما في تجربة السودان، التي لا تختلف كثيرًا عن تجربة الأنظمة العربية في بلداننا، وغير إسلامية، ويتم ذلك عن طريق تقوية ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية الحديثة «المجتمع المدني».
السياسة الإصلاحية يسعى صاحبها لأن يكون حكمًا بين الفرقاء والأطراف، فجوهر هذه النوعية من السياسة هو المبدأ ومدى تحقيقه وتحققه في أرض الواقع، وهو في حالتنا هذه توفير شروط العمل السياسي التنافسي ثقافيًّا واجتماعيًّا داخل الحركة الإسلامية ذاتها أولًا، وفي المحيط الذي تتحرك فيه ثانيًّا، بالإضافة إلى تجسيد أمال الأمة وطموحاتها بتبني قضاياها الكبرى والمركزية «مثل فلسطين وغيرها...».
ومع إدراكي لخصوصية معنى السياسة في العالم الثالث التي تكتسب معنى شاملًا ومتسعًا ومتضخمًا سواء من قبل الأنظمة أو الحركات والقوى السياسية، فكل فعل أو ممارسة أو قول هي ممارسة سياسية، حيث لا يحدث نوع من التمايز أو التخصص الوظيفي في ممارسة المؤسسات المتعددة للأنشطة المختلفة، إلا إني أرى أن تكون الممارسة السياسية من قبل الحركة الإسلامية- في الفترة القادمة- داخل النوعية الثالثة للسياسة وليست النوعية الأولى ولا الثانية وذلك لاعتبارات كثيرة منها:
- هذه النوعية من السياسة هي ما تتفق مع طبيعة العمل والفكرة الإصلاحية الشاملة التي يقوم عليها المشروع الإسلامي والتي تستهدف إصلاح الواقع عن طريق استكمال خصال الإسلام فيما يتعلق بالأفراد والنظم والمؤسسات والعلاقات.
- البعد الثقافي- القيمي والاجتماعي: هو الذي يعطي للسياسة معناها، وهو الذي يرسم لها حدودها، السياسة بمعناها الأول «التنافسي» لم تكتسب معنى في نفوس الناس، وهم ينظرون إليها بتشكك وريبة خاصة إذا تحولت إلى صدام ومواجهة مع الحاكم، وتظل الحياة السياسية العربية بحاجة إلى النوعية الثالثة من الممارسة السياسية فهي أهم ما يمكن أن تقدمه الحركات الإسلامية للحياة السياسية العربية.
العمل السياسي وفقًا للوجهة الإصلاحية له عدد من الشروط والمتطلبات
- ضرورة الفصل العضوي والتمييز الوظيفي بين العمل السياسي الإصلاحي وذلك التنافسي، ويظل الأخير له دور مهم في إطار المشروع الإسلامي ويدور حول مناجزة الحكومة لتحقيق أرضية من الإصلاح، حتى يستطيع العمل الإصلاحي في الأمة أن يأخذ مداه، إلا أن ذلك يجب أن يتم منفصلًا عن بعضه البعض فصلًا حقيقيًّا غير متوهم، بمعنى أن من أراد أن يمارس السياسة التنافسية فليسع إلى أن «يتمأسس» في شكل الأحزاب، وهنا لا يكون عندنا حزب إسلامي وحيد، بل أحزاب إسلامية متعددة، لأن البرامج السياسية الإسلامية ستتعدد.
- القدرة على صباغة أهداف ومصالح مشتركة مع جهاز الدولة، فلن يستطيع العمل الإصلاحي أن يحقق مكاسب حقيقية مع استمرار الاصطدام بالنظام الذي سيستعدي جهاز الدولة على الجميع، ولعل التخلي عن الوصول إلى السلطة تخليًّا نهائيًّا وليس مرحليًّا، ودخول ساحة العمل الأهلي باعتباره يساعد في بناء الأمة، ويساند جهاز الدولة، هو ما يساعد في خلق هذه الأرضية المشتركة.
- إعادة بناء الحركة الإسلامية لصفوفها وتربيتها لقواعدها على هذه الوجهة الجديدة، فأخطر ما تركته الحقبة السياسية على الحركة الإسلامية هو تسييس الصف الذي بات ينظر بالمنظار السياسي كما قدمت، خاصة أن للسياسة والسياسي بريقًا في مقابل الاجتماعي والثقافي، فمنه يحدث منزلق خطير في الممارسة المعاصرة يتمثل في مقولة: إن الإصلاح الاجتماعي والثقافي- القيمي «التربوي والدعوي» لا يمكن أن يتم إلا بتوفير شروطه على المستوى السياسي وهذا صحيح، وهو عين ما نريده في هذا الصدد، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن تحقيق تقدم في الأول إلا على أساس الثاني، كما لا يعني تجاهل الهدف الأصيل «الإصلاح التربوي والدعوي» لصالح الهدف الفرعي «السياسي».
وأخيرًا، فإن الطرح السياسي الإصلاحي يجد جذوره في تجربة الأستاذ البنا التاريخية: النموذج السياسي المبتغى عند البنا يحتاج إلى دراسة مستقلة، ولكن يمكن الوقوف عند أبرز ملامحه التي تتمثل في:
- الانطلاق من شمولية الإسلام وبالتالي تأسيس الممارسة السياسية على أرضية الشرعية الدينية، وهذا فيما أتصور الهدف الأصيل لدعوة الإخوان: خلق الشرعية الدينية في شؤون الحياة جميعًا ومنها السياسة، التي يمكن أن تكون الأرضية المشتركة التي تتعدد البرامج والسياسات انبثاقًا منها وتفريعًا عليها.
- الإخوان حركة إصلاحية شاملة وليست طرفًا سياسيًّا، وهي تطرح رؤاها الإصلاحية على الجميع ليتبناها.
- ضرورة التوحد وعدم الاختلاف من أجل الصالح الوطني العام.
- التأييد لمن يحسن أيًّا كان.
- عدم إقامة تحالفات دائمة مع أي طرف، وإنما عقد تحالفات ترتبط بإدراك المصلحة الوطنية من وراء ذلك.
- تبني قضايا الأمة الأساسية: القضية الوطنية، وقضية فلسطين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل