; الحرية لها الأولوية في ظل النظام الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الحرية لها الأولوية في ظل النظام الإسلامي

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989

مشاهدات 69

نشر في العدد 927

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 08-أغسطس-1989

يجب ألا تكون النظم الحاكمة هي أساس المفاصلة بين الشريعة وغيرها

يجب الاستفادة من التراث الفقهي. ولكن لا يجب الوقوف عند ذلك فقط

تطبيق الشريعة الإسلامية يعني هيمنة الإسلام على كل مظاهر الحياة

ما هي حدود مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية، وما هي نقطة البدء عند تطبيقها، وهل تطبق على الفور أم  بالتدريج، وماذا عن تجربة تطبيق الشريعة في السودان وباكتسان، وهل الشريعة مطبقة في مصر بنسبة 95% ومن من البلاد الإسلامية مرشحة للبدء في تطبيق الشريعة، وماذا عن القانون المدني الكويتي والأردني وصلتهما بالشريعة... وهذه وغيرها من الأسئلة، طرحناها على السيد المستشار محمد كمال عبد العزيز المحامي فأجاب عنها بوضوح، وهذا هو نص الحوار:

سألته: نود لمحة سريعة عن حياتكم للإخوة القراء؟

- فقال: الاسم محمد كمال عبد العزيز، تخرجت في كلية الحقوق جامعة القاهرة «كما تسمى الآن» في دور يونيو 1950م وعينت فور تخرجي في سلك النيابة العامة، ثم في القضاء، وتدرجت في العمل القضائي إلى أن انتدبت للعمل بإدارة التشريع بوزارة العدل، وشغلت منصب وكيل هذه الإدارة. وأتيح لي في هذه الفترة العمل في العديد من التشريعات المهمة، مثل قانون المرافعات، وقانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون الأسرة وغيرها من القوانين الرئيسية، وشغلت هذه الوظيفة حتى سبتمبر 1969، حيث وقعت مذبحة القضاء المشهورة وكنت أحد ضحاياها، وكانت السبب في اشتغالي بمهنة المحاماة حتى الآن.

سألته: قضية تطبيق الشريعة الإسلامية أصبحت أملًا يراود المسلمين جميعًا الآن، ما هو في تصوركم حدود ومدلول «تطبيق الشريعة الإسلامية»؟

- فقال: في تصوري أن المقصود بتطبيق الشريعة الإسلامية في المفهوم الصحيح لا يقتصر على تقنين القوانين، مستمدة من الفقه الإسلامي، وإنما هو يجاوز ذلك إلى تحكيم الإسلام في كافة مناحي الحياة، سواء فيما يتعلق بالناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وسواء فيما يتعلق بحياة الأفراد أو بنشاط الدولة، وبالطبع سيكون استمداد القوانين من الأحكام العامة في الإسلام، والاستفادة بتراث الفقه الإسلامي، أمرًا حيويًا في هذا الشأن، وإنني ألاحظ أن أعداء الحركة الإسلامية كثيرًا ما يصرفون المقصود بشعار تطبيق الشريعة إلى وضع قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، وكأن هذه هي القضية الوحيدة مع أنه في تصوري أن وضع القوانين أو استمدادها من الشريعة والفقه، أمر لاحق لأسلمة المجتمع ككل، فأنا لا أتصور أن يطبق قانون إسلامي في مجتمع غير إسلامي، فالقانون هو تعبير عن حاجة الجماعة، التي تحتاج إلى تنظيم عن طريق  التشريع، وهذا لا يكون إلا إذا كان القانون مطابقًا للفهم السائد في المجتمع.

فالمقصود بتطبيق الشريعة الإسلامية، ليس فقط استمداد القوانين من الشريعة والفقه وإنما قبل ذلك أسلمة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع..

«صدق التوجه والتربية الصحيحة»

قلت: الشعوب الإسلامية تطالب حكامها بتطبيق أحكام الشريعة، ما هي في تصوركم نقطة البدء؟

- فأجاب: نقطة البدء هي الالتفاف بصدق وإخلاص إلى أن رجوع المجتمعات الإسلامية إلى المعين الإسلامي. لم يعد مجرد الالتزام بأحكام عقيدتهم فقط، وإنما أصبح حاجة إصلاحية ملحة، وأن سبب نكبة الشعوب الإسلامية والمجتمعات الإسلامية بوجه عام أنها فقدت هويتها فضاعت، فلا هي بقيت مجتمعات مسلمة ولا تقبلها المجتمع الغربي الذي أرادوا الاندماج فيه، فنقطة البدء هي الإحساس الحقيقي الكامل بحاجة المجتمع إصلاحيًا لتطبيق الشريعة...

وإن كان المقصود بالسؤال نقطة البدء العملية، فاعتقادي أن التربية هي نقطة البدء. وأقصد بها التربية في البيت وفي المدرسة. ولذلك فإن الاهتمام بالتعليم ودوره في تنشئة المجتمع. أمر بالغ الأهمية، يواكب ذلك ولا ينفك عنه وسائل الثقافة العامة في المجتمع من تليفزيون وإذاعة وصحافة ومسرح وسينما... كل هذه الوسائل لها أثر بالغ في تكوين توجهات الشعب، فلا يغني عنها العناية بالمناهج الدراسية وحدها، فنقطة البدء لا بد وأن تتوجه إلى التربية في المنزل والتعليم في المدرسة، وتنقية وسائل الثقافة العامة في المجتمع..

سألته: التطبيق الفوري أم التدرج في التطبيق، بصفتكم من رجال القانون أي الرأيين ترى؟

- فقال: إذا كان المقصود تحكيم الإسلام في الحياة. فهذا أمر لا يقبل التجزئة، فلا أتصور أن يطبق اقتصاد إسلامي في ظل دولة لا تحكم الإسلام في حياتها، ولا أتصور أسلمة مناهج التعليم مع ترك الاقتصاد ونظام الحكم في موقف مضاد لمفهوم الإسلام، فإذا قصد بتطبيق الشريعة تحكيم الإسلام في حياة الأفراد والمجتمع والدولة على السواء. فلا أتصور تدرجًا أو عدم تدرج، وإنما هو التوجه الإسلامي لا بد أن يسود كافة مناحي الحياة.

أما إذا كان المقصود القوانين، فإنني من أنصار التدرج، بمعنى أنه كلما تهيأ المجتمع لتقبل وضع تشريع معين يتفق مع الإسلام سارعنا إليه، وأعتقد أنه من الأنسب أن يكون قانون العقوبات آخر القوانين، لأن القانون الذي يتضمن العقاب على الخروج عن ناموس المجتمع، فلا بد قبل تطبيقه- من أن تتهيأ كافة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي يعد الخارج عليها، خارجًا عن حدود الإسلام...

«تجربة السودان مبتسرة»

سألته: هناك بعض التجارب لتطبيق الشريعة مثل تجربة السودان وتجربة الباكستان، فإلى أي مدى يمكن الحكم على مثل تلك التجارب؟

- فأجاب قائلًا: لقد قدر لي أن أحتك بتجربة السودان مؤخرًا، حيث كنت عضوًا في اللجنة التي عهد إليها بدراسة قوانين سبتمبر التي وضعت باسم الشريعة الإسلامية، لإبداء الرأي في مدى صلاحيتها، حسمًا للنزاع الذي قام حولها بين من ينادون بإلغائها ومن ينادون بتعديلها. والحقيقة أن هذه التجربة جاءت مبتسرة، إذ جاء التطبيق بمفهوم تقنين القواعد القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية، دون المعنى الجامع وهو أن يسود التوجه الإسلامي كافة مناحي الحياة، فأصبح القانون أمرًا منفصلًا عن حياة الأفراد والمجتمع على السواء، وقد أدى هذا إلى أن اتباع الأفراد والمجتمع لأحكام الإسلام عملية يشوبها نوع من القسر والقهر بواسطة الدولة، والأفضل- لا شك- أن يتم هذا الاتباع طواعية في جانب الاتجاه العام في المجموع، بحيث تقتصر سلطة الدولة في القهر على الشواذ وليس على المجموع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنه من حيث العملية الفنية البحتة في وضع قوانين السودان المستمدة من الفقه الإسلامي، وهذه ملاحظة لاحظتها أيضًا على باقي القوانين المستمدة من الفقه الإسلامي مثل القانون المدني الكويتي والقانون المدني الأردني... أن دور من وضعوه، اقتصر على صياغة الفقه الإسلامي في صورة مواد قانونية حديثة، دون أن يجاوز ذلك إلى ابتداع القاعدة القانونية التي تناسب العصر وتواجه المشكلات المعاصرة من خلال فهم إسلامي، فجاءت القوانين لغة: تاريخية، ومضمونًا: بعيدة عن الواقع المعاصر.

«تطبيق لا تقنين فقط»

وقد قدمت اللجنة التي كنت عضوًا فيها تقريرًا أشارت فيه إلى ذلك، وأشارت إلى العيوب الفنية التي لا بد أن يؤدي إليها المسلك الخاطئ، الذي اتبع في وضع هذه القوانين، وهي أن من ينادون بتقنين الشريعة الإسلامية، وأرجو أن يفرق بينه وبين «تطبيق»، يقصدون من هذا الاصطلاح صياغة الفقه الإسلامي وهذا غير صحيح، وإنما الصحيح، هو وضع القواعد القانونية الوضعية مستمدة من القواعد العامة في الإسلام، مع الاستفادة بالتراث الفقهي الإسلامي العظيم، باعتباره تراثًا وليس باعتباره جزءًا من العقيدة الإسلامية، بمعنى أن رجل القانون المعاصر في تصوري لا يلتزم بأن يستمد القاعدة القانونية من الفقه الإسلامي، أي لا يلزم أن يكون الرأي الذي يتبناه أو يضعه سبقه إليه أسلافنا من الفقهاء العظام، وإنما ما يلتزم به ويحاكم به هو أن يكون مضمون القاعدة القانونية، مستمدًا من الأحكام العامة الملزمة في الإسلام، وهذا في تصوري ما يقصد بالشريعة الإسلامية... وهناك نقطة أخرى وهي قضية اللغة التي تصاغ بها القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، فلا يعني استمرار القاعدة القانونية من الشريعة الإسلامية أن نلتزم بذات العبارات والصياغة التي ابتدعها أسلافنا، ذلك أن اللغة في تصوري كائن حي متطور، فإذا خاطبت المخاطبين بلغة القرن الرابع والخامس الهجري، أصبحت هناك فجوة كبيرة بين ما أقصد أن أوصلهم إليه  وأحاكمهم به، وبين ما يتصورون أنه مضمون القاعدة القانونية ولذلك فإن استمداد القواعد القانونية من الشريعة الإسلامية بالمفهوم السالف لا يتصادم إطلاقًا أو يتعارض مع صياغتها في أسلوب عصري، مع استخدام المصطلحات القانونية المعاصرة...

«الحرية أولًا»

أما عن تجربة الباكستان، فلم يتيسر لي الاحتكاك بها، ولكن ما تناثر من الأخبار أن قضية الحرية كانت غائبة في ظل شعار تحكيم الإسلام، مع أن قضية الحرية في تصوري لها الأولوية على كل القضايا في ظل تحكيم الإسلام، لأن الإسلام في جوهره عقيدة تحرير، الهدف الأساسي من الإسلام هو تحرير البشرية، والهدف من نضال وكفاح المسلمين في العصور الأولى، كان تحرير المستعبدين الذين منعهم طواغيت ذلك العصر من أن ينفتحوا على الدين الجديد ولو انفتحوا لآمنوا... إن قضية الحرية، قضية أساسية قدم فيها أسلافنا من المسلمين الكثير الكثير من الشهداء، وضحوا في سبيلها بالكثير، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يضحي بهذه القضية الأساسية ولو على مذبح التمكين لتطبيق الشريعة الإسلامية، لأنني لا أتصور أن تطبق الشريعة الإسلامية تطبيقًا صحيحًا في غيبة الحرية، وأقصد بالحرية، حرية الرأي للكافة للمعارضين قبل المؤيدين...

سألته: البعض يقول إن قوانين الشريعة مطبقة الآن في مصر بنسبة 95% أو أكثر، فإلى أي مدى يتفق القانون المصري مع الإسلام؟

- فأجاب: المسألة ليست مسألة عددية أو حسابية... 95 أو 98%، ولكن المسألة أهم وأعمق من ذلك بكثير... المسألة تتعلق أساسًا بالتوجه... قد يكون الحل الذي اختاره الإسلام يتفق مع الحل الذي انتهى إليه القانون الوضعي، ولا يعني ذلك أبدًا أن القانون الوضعي يتفق مع الإسلام، لأن توجه المشرع الذي وضع القانون الوضعي والمنبع الذي أخذ منه، يختلف عن توجه المشرع في ظل الإسلام والمنبع الذي يستقي منه، ولا شك أن المنبع، ويسمى في الفقه القانوني «المصدر التاريخي للقاعدة القانونية» والتوجه وهو ما يسمى في الفقه القانوني «الفلسفة التي تسود القواعد القانونية» بصفة عامة لهما كبير الأثر في تفسير القاعدة القانونية وفي حسن تطبيقها، ولذلك، فإن القضية ليست 95% أو أكثر أو أقل... ولا شك في أن القوانين القائمة جاءت على أنقاض الشريعة الإسلامية، لأن المعروف تاريخيًا أن القوانين الوضعية القائمة فرضت على شعبنا المسلم فرضًا باسم عدم صلاحية تطبيق الشريعة الإسلامية، وباسم التوجه الغربي في كافة مناحي الحياة، ولذلك لا بد عنه الأخذ بتقنين أحكام الشريعة الإسلامية- أن يعاد النظر جملة في  التشريع الذي يتم تأهيل المجتمع لاستقباله.

«من يطبق الشريعة أولًا؟»

قلت له: هل أنت متفائل بشأن إمكانية سيادة الشريعة الإسلامية على القانون الوضعي في البلاد الإسلامية في وقت قريب، ومن ترشح من الدول لتكون سباقة في هذا الأمر؟

فقال: ليس الأمر أمر تفاؤل، ولكنه أمر عقيدة، فتحكيم الإسلام في حياة الأمة الإسلامية أمر لا أتصور أن مسلمًا يشك في وجوبه من ناحية وفي تحققه من ناحية أخرى، فقد كفل الله سبحانه وتعالى لشريعته أن تتحكم في حياة عباده، ولكن شرط ذلك بالإخلاص وحسن التوجه وحسن الأداء أيضًا، فأنا موقن من أن الشعوب الإسلامية والدول الإسلامية، ستعود مرة أخرى- وهي تبحث عن هويتها التي ضاعت- ستعود إلى منبعها الأصيل وتطبق أحكام الشريعة الإسلامية، فهي حقيقة تاريخية تفرض نفسها، أراد المعارضون أم لم يريدوا...

هذا عن الأمل، أما عن البلاد التي تسبق في تطبيق الشريعة، فأخشى أن يكون أساس المفاضلة هو النظم الحاكمة، في حين أن الأمر يعود أولًا وأخيرًا إلى الشعوب، ولذلك فإن الدولة التي ستسبق هي الدولة التي يؤمن شعبها إيمانًا عميقًا بالشريعة الإسلامية وأن تتسع قاعدتها الشعبية ذات الاتجاه الإسلامي، وكلما اتسعت القاعدة الشعبية للتيار الإسلامي النابض، كانت هي الأسبق لتحكيم الشريعة الإسلامية، ونرجو أن يكون وطننا مصر هو الأسبق إن شاء الله...

المجتمع: جزاكم الله خيرًا، ونأمل أن نلتقي مرة ثانية إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :