; الحرية والاستبداد.. دراسة في الشورى (171) | مجلة المجتمع

العنوان الحرية والاستبداد.. دراسة في الشورى (171)

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1973

مشاهدات 79

نشر في العدد 171

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 09-أكتوبر-1973

يعكف الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق على تلاوة القرآن الكريم ومراجعة حفظه في هذا الشهر الكريم. شهر القرآن العظيم ونسبة لانشغاله بمدارسة القرآن فسوف تتوقف دراسته عن الحرية والاستبداد خلال ما بقي من رمضان، وستعود الدراسة بعد رمضان مباشرة بإذن الله.

في هذا العدد كتب الأستاذ عبد الرحمن تعليقًا حول «الدراسة» عن الشورى يناقش فيه نقاطًا أبداها الإخوة الذين يتابعون هذه الحلقات.

حول ما كتب في الشورى.

عتب بعض الإخوة الكرام ولامني البعض، على بحث موضوع الشورى، وكانت حجة الفريقين في العتب وذاك اللوم: أنه لا جدوى من بحث هذا الموضوع في الوقت الحاضر وأن الموضوع يثير الخلاف ونحن نسعى إلى الوفاق.

وحتى نستطيع أن نتابع موضوع الشورى ودراسته بنفوس منشرحة وقلوب راضية كان لا بد من بيان وجواب للاعتراضين السابقين.

أما جوابي عن الاعتراض الأول: وهو جدوى بحث الموضوع في الظروف الراهنة فيتركز في ثلاثة أوجه:

أولًا: للحكم الشرعي العملي في الإسلام جانبان، جانب اعتقادي وآخر عملي فالصلاة مثلًا يجب أن تعتقد وجوبها وأن يلازمك هذا الاعتقاد في كل حين بحيث أن إنكار الوجوب في أي وقت من ليل أو نهار يعد كفرًا وخروجًا من الملة، والجانب الآخر العملي هو أداؤها في أوقاتها المشروعة.

وكذلك الجهاد وقتال الكفار يجب على كل مسلم اعتقاد وجوبه فلا ينفك قلبه عن هذا الاعتقاد فترة من فترات الليل أو لحظة من لحظات النهار ومن اعتقد عدم وجوبه وفرضيته على مجموع الأمة كفر وخرج من ملة الإسلام، لأن الله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ (البقرة: 216) وكتب يعنى فرض.

وأما القيام بالجهاد والقتال فإنه يتعين في الوقت الذي يتعين فيه كما هو معلوم في أبواب الفقه، ومن مات ولم يحدث نفسه بالغزو - وهو الجانب الاعتقادي - مات ميتة جاهلية.

وشأن القتال والصلاة هو الشأن في جميع الأحكام الشرعية العملية «ويمكن مراجعة هذه المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الحد الفاصل بين الإيمان والكفر لعبد الرحمن عبد الخالق»

والشورى حكم شرعي عملي - لو فرضنا جدلًا - بعده الآن عن مجال التطبيق فإنه واجب في الاعتقاد، فإن كان واجبًا في الشريعة وجحد إنسان هذا الوجوب فقد كفر وإن كان مستحبًا وجحد جاحد استحبابه فقد كفر أيضًا

وبداهة يستحيل علينا الاعتقاد بشيء ما دون تصوره في العقل والتصور لا يتأتى إلا بعلم وما نحن بصدده بشأن الشورى هو العلم الداعي إلى صحة التصور والاعتقاد فهل ينكر الإخوة علينا العلم؟

واعلم أخي حفظك الله ورعاك أن هذا الاعتقاد بشرائع الإسلام مع وجوبه فإن فيه أجرًا عظيمًا عند الله تبارك وتعالى، فهل يريد الأخوة حرماننا من هذا الأجر؟

والمتتبع للقرآن المكي يجد فيه آيات كثيرة جاءت بأحكام عملية لم يلزم المسلمون العمل بها إلا في المدينة ومن ذلك الزكاة والربا والإخبار عن المقاتلين في سبيل الله، ففي سورة فصلت وهي مكية بإجماع المفسرين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (فصلت: 6 - 7). وفي سورة الروم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم: 39) وهي مكية. والآية الأخيرة من سورة المزمل نزلت بمكة بعد ثمانية شهور من نزول أول السورة وفي هذه الآية جاء قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (المزمل: 20).

ولم يكن القتال قد فرض بعد ومن كذب خبر الله في هذه الآية بأن سيكون في المسلمين مقاتلون فقد كفر، وكذلك جاء في هذه الآية أيضًا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» ولم تكن الزكاة بمقاديرها ونظامها قد فرض بعد.

ولسائل أن يسأل وما الحكمة في هذا وأقول إن من الحكمة في هذا التهيئة النفسية لامتثال الحكم عند الأمر به فإذا أخبر المسلم أو تعلم عملًا ما ليس له مجال الآن ولا تطبيق، فتهيأت نفسه لقبوله والعمل به عند الأمر به كان هذا خيرًا وفضلًا كبيرًا فهل يريد الأخوة حرماننا من هذا الخير والفضل؟

ثانيًا: الشورى نظام تربوي أخلاقي سواء كان تطبيقه في مجال سياسة الدولة، أو كان مجال تطبيقه في مجال الجماعة الإسلامية التي تدعو إلى الله تبارك وتعالى «وقد بينت حاجتنا اليوم إلى هذه الجماعة في مقال سابق» أو في مجال العمل الفردي الخاص، فالفرد الذي يتعود أن يستشير الناس في أموره لن يعدم خيرًا قط، بل إنه يستفيد ولا بد، والجماعة التي تتخذ الشورى نظامًا لها سيكون تعرضها للأخطاء والبلبلة والنكسات قليل جدًا، لأنها تعمل بمجموع عقولها لا بعقل واحد، وكذلك الأمة والدولة التي تتخذ الشورى نظامًا لها ستوفق وتهدى سواء الصراط. فهل هذه المجالات لنظام الشورى ينعدم في وقت من الأوقات كلّا.

وأبلغ من ذلك كله أن آية الشورى الأولى نزلت بمكة حيث لم يكن دولة للمسلمين ولا سلطان ولا حكومة، فليسأل اللائمون أنفسهم عن الفائدة من نزولها إذن، وقد بينت في مقال سابق أن الشورى جاء وصف المؤمنين بها بين وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حيث قال سبحانه وتعالى: - ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (الشورى: 38). فأي فضل للشورى بعد هذا الذكر العظيم لها ووضعها بين الصلاة والزكاة.

ثالثًا: نحن أمة نعيش اليوم عصورًا من الذل والتسلط والقهر من الحكام ما لم تعشه أمة من قبل حتى ظن الناس أن ديننا الإسلامي هو دعامة الظلم والتسلط، ولذا أصبح لازمًا تبرئة الإسلام من هذه التهمة وبيان ما فيه من السماحة والعدل والحق، والدفاع عن الإسلام في هذا المجال يصبح واجبًا لا مندوبًا.

هذه أخي القارئ عجالة من الرد على الاعتراض الأول وهو جدوى بحث الشورى في العصر الحاضر.

وأما الاعتراض الثاني وهو أن هذا الموضوع يثير الخلاف ولذلك لا يجوز بحثه، وردى على هذا الاعتراض هو أعطوني قضية واحدة في الاسلام لا تثير الخلاف حتى نتكلم فيها وقبل اقتراح القضايا أحب أن أقول ليس هناك من قضايا تثير الخلاف إلا أعداد الركعات في الصلاة، وأمور معلومة في الحلال والحرام فهل يريد الإخوة حصر أبحاث الإسلام وكتابة الكتاب ووعظ الوعاظ وخطابة الخطباء في هذه الأمور؟

إن كان هذا هو القصد فعفاء على رسالة الإسلام التي جاءت لتشمل الدنيا

ولعل قائلًا يقول هناك غير الشورى أهم من بحثها الآن، وسيعلم قائل هذا القول إن شاء الله تعالى أن الشورى من أهم أمورنا في الوقت الحاضر، والله أسأل للجميع التوفيق والسداد.

الرابط المختصر :