العنوان الحزب الشيوعي السوداني.. ما لا يتحقق بالديمقراطية يدرك بالانقلاب العسكري
الكاتب عبيد الامين الفكي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1986
مشاهدات 73
نشر في العدد 749
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 07-يناير-1986
▪ الحزب الشيوعي السواني يتجه الآن في تحالف غريب من نوعه يربطه بالصادق المهدي زعيم حزب الأمة
احتل الحزب الشيوعي السوداني مكانًا مرموقًا لدى الشيوعية الدولية خاصة في مرحلة ما قبل أحداث يوليو 1971م، كما أنه محط إغباط لأحزاب اليسار الشيوعية العربية، ولقد اكتسب تلك الوضعية نتيجة لما أبداه من فعالية مرنة ومقدرة رفيعة في إقحام الممكن الماركسي في الأوضاع السياسة في دولة مثل السودان، تعتبر خطوط التماس فيها شديدة الحساسية عند اتصالها بدوائر الدين.
ولقد ساهمت الأحداث البيئية التي واكبت نشأة الحزب الشيوعي على اكتسابه لدرجة معقولة من القبول النسبي داخل المجتمع السوداني الحديث، حيث تعالت الأصوات وقتها من أجل التحرير الوطني والتخلص من ربقة الاستعمار، فأنشأ الحزب الشيوعي (الحركة المعادية للاستعمار)، والتي تحولت فيما بعد إلى (حركة التحرر الوطني السودانية) (حبستو) والتي ركزت نشاطها في وقت مبكر على إعداد كوادر للحزب داخل المجمعات العمالية في السكة الحديدية، والنقل النهري، وتجمعات المزارعين في منطقة الجزيرة، وداخل المؤسسات التعليمية في جامعة الخرطوم والمدارس الثانوية، ولقد كان للتنظيم المبكر لكوادر الحزب فوائد جمة استثمرها الحزب فيما بعد من أجل إظهاره بمظهر طليعة الكفاح الوطني وقبلة توجه الطبقة الحديثة من المثقفين، ولقد كان الحلم الماركسي يومها كبيرًا إلا أن أحداث الاستقلال خيبت تلك الأحلام.
▪ لعبة التحالف:
عقب أول انتخابات سودانية عام 1953م مني الحزب الشيوعي بهزيمة شاملة، حيث سقط كل مرشحي الحزب، ولم يفز من تجمع اليسار إلا مرشحًا واحدًا (حسن الطاهر زروق)، ولقد كان لهذه الهزيمة أثرها في ممارسة النقد الذاتي لسياسة الحزب السابقة، واتخاذ سياسة تقوم على التحالف مع أقرب الأحزاب التقليدية لشعارات الحزب، ولقد وقع الاختيار وقتها على حزب الشعب الديمقراطي- الجناح السياسي لطائفة الختمية- ولقد ظلت العلاقة حميمة طيلة العهود السياسية المختلفة، بين الحزب الشيوعي وحزب الشعب الديمقراطي على الرغم من التبني التراثي للإسلام في هذا الأخير، ولقد شهدت هذه العلاقة قطيعة تامة في مايو، وما زالت القطيعة قائمة، ولعل مرد ذلك في المقام الأول يعود للتشوهات التي لحقت بحزب الختمية من جراء تحالفه مع الحزب الشيوعي خاصة بعد أن كشفت أحداث ما بعد 1969 عن كثير من مرامي الحزب الشيوعي.
ولقد شهد الحزب الشيوعي قطيعة عامة من قبل كل الأحزاب السودانية بما في ذلك أحزاب اليسار إبان فترة مايو، وذلك لمواقفه المشاركة في الانقلاب المايوي واستعدائه لسلطة مايو من أجل تصفية الأوضاع الديمقراطية والأحزاب السياسية، ولعل آثار هذه العزلة هي التي جعلت الحزب يتجه الآن في تحالف غريب من نوعه يربطه بالصادق المهدي زعيم حزب الأمة الذي يعد رائد اليمين الرجعي في نظر الحزب الشيوعي وأداة التبعية الغربية في السياسة الخارجية.
▪ العسكر السلم الخلفي:
وحتى في غضون فترة التحالف مع أحزاب اليمين لا يكتفي الحزب الشيوعي بما يكتسبه من مد جماهيري، وإنما يتسلل من الباب الخلفي إلى الجيش لخلق كوادر عسكرية، وهذا ما حدث تمامًا إبان الفترة الديمقراطية الثانية (64- 69) وهو وضع وإن كان طبيعيًا من جانب الحاجة إلى تحقيق الثورة بأي شكل ممكن، إلا أنه يبدو غريبًا على إطار الفكر النظري للحزب الذي لا يرى في الجيش إلا مؤسسة رجعية أنشئت من أجل حماية دوائر اليمين وحفظ الصلات الإمبريالية بالدول الغربية.
وعلى الرغم من ترديد هذه النظرة في أدبيات الحزب الشيوعي إلا أن نظرة الممكن الماركسي ترى ضرورة التواجد في الجيش من أجل حماية الثورة المنتظرة، هذا إن لم تكن كوادر الجيش هي كل الجماهير المكافحة لتحقيقها، ولقد تردد في دوائر الحزب الشيوعي أن الزعيم السابق عبد الخالق محجوب يرى تحقيق الثورة بتسليح الفلاحين والعمال، إلا أن هذه الرؤية كانت خالية من العلمية والواقعية فكان التحالف مايو مع عناصر اليسار الهشة وقيادة جعفر النميري، وكانت مايو انقلاب الجيش الذي كاد أن يحول السودان إلى (سودانستان) إلا أن الله سلم.
▪ وفي مايو انتحر:
تمدد النشاط اليساري عقب ثورة أكتوبر الشعبية ١٩٦٤م، وكانت ادعاءات الشيوعيين طوال عراض في أحداث الثورة، وقد كان للحزب الشيوعي نصيب الأسد في تشكيل حكومة أكتوبر الأولى؛ حيث كان أكثر من نصف مجلس الوزراء من الشيوعيين (۱۱ وزيرًا من ۱۸)، وما كان لحكومة مثل تلك أن تستمر؛ فسقطت في أقل من أشهر لتأتي حكومة الأحزاب والتي ضيقت على الحزب الشيوعي كثيرًا.
وفي الانتخابات حقق الحزب بعض التقدم، إذ فاز بأحد عشر مقعدًا من أصل (٢٥٠) في البرلمان، وكان كسبًا ضئيلًا مقارنة مع جهود الحزب الجبارة، وبالطبع استفاد الحزب من الأجواء التي تظلل السودان إبان فورة عبد الناصر في مصر، وفي ١٩٦٧م حل الحزب الشيوعي من قبل البرلمان، وطرد نوابه وذلك عقب المظاهرات الضخمة التي اجتاحت العاصمة المثلثة والأقاليم على إثر تعرض أحد أعضاء الحزب لحادثة الإفك والتحدث في شأن المرأة بالقرآن بما لا يليق، وانحسر النشاط الشيوعي عقب هذه الحادثة خوفًا من غضبة الجماهير، وانطلق في جانب آخر، وبدأت إرهاصات مايو في أواسط اليسار من قوميين عرب وناصريين وما تبعهم، وحتى إذا ما دخلوا في مايو غير الكريمة انفجر التحالف بين أطماع الشيوعيين (هاشم العطا- با بكر النور- فاروق حمد الله) وبين أحلافهم من القوميين (با بكر عوض الله- مأمون أبو زيد- زين العابدين محمد أحمد)، وناصريين (أبو القاسم إبراهيم- أبو القاسم هاشم) والقائد المتطلع للزعامة جعفر النميري، وفي ١٦ نوفمبر ۱۹۷۰م طرد أعضاء الحزب الشيوعي من مجلس قيادة الثورة، وتدمر بذلك أمل الشيوعيين في أحداث الثورة من داخل مايو، مما اضطرهم في قيادة حركة ١٩ يوليو ۱۹۷۱ من قبل هاشم العطا، وكان قاموس التصفية الدموية لقادة الجيش في قصر الضيافة وإعداد القوائم لضرب قادة الأحزاب عامة والاتجاه الإسلامي بصفة خاصة، وفي فترة ما قبل ذلك فقد تبنى الشيوعيون حزب اليمين الرجعي على تعبيرهم في الجزيرة أبا، حيث تمت أكبر مجزرة بشرية شهدها السودان الحديث، وكان عدد الضحايا يتجاوز 10 آلاف نسمة، ومجزرة ودنوباوي التي راح ضحيتها أكثر من 600 شخص، ولعل هذه الأحداث كانت سببًا إضافيًا لخروج الشارع السوداني في ٢٠- ٢١- ٢٢ يوليو ۱۹۷۱م لإسقاط زمرة هاشم العطا الشيوعي مرددة (الخرطوم ليست موسكو، وهذا الشعب شعب مسلم) فسقط هاشم العطا، وسقط الحزب الشيوعي السوداني أو بالأحرى انتحر، وأجهز الحليف القائد على قيادته وقادته، ولم ينج منه أحد عدا محمد إبراهيم تقد، والتجاني الطيب اللذان أثرا الهرب داخل وخارج السودان، ومن بقي في الداخل فقد انشق وأعلن كفره لقيادة عبد الخالق، وتحالفه من بعض المنشقين، وما زال ليل يوليو داخل الحزب طويلًا.
▪ أنت يا قرنق الخلاص:
في أحد أناشيد مايو ردد الشيوعيون (أنت يا مايو الخلاص) وبعد ذهاب سلطة مايو أصبح خلاص الحزب الشيوعي يتحرك جنوبًا ليلتقي بجون قرنق قائد الحركة الصليبية في الجنوب، وأداة الغرب في زعزعة الأوضاع السودانية ذات الانطلاقات الإسلامية، وتأتي أهمية قرنق في أنه يستطيع- بحكم أنه مسيحي- أن يفصح عن رفضه لكل أشكال التوجه العربي والإسلامي للسودان، بخلاف الحزب الشيوعي الذي لا يستطيع أن يضع نفسه في تلك المواجهة مع جماهير الأمة المسلمة، ولذا نجد الآن أن حركة قرنق تحظى باهتمام متزايد لدى جريدة الميدان (لسان حال الحزب الشيوعي) على الرغم من مواقف جون قرنق التي لا تمت للنضال بصلة.
▪ الحزب ولعنة كوريل- صهيون:
هنري كوريل اليهودي المصري الذي قتل أخيرًا في باريس (۱۹۸۲م) هو الأب الروحي للحزب الشيوعي السوداني، والمنشئ الحقيقي للأحزاب الشيوعية العربية، ولعنته تتمثل في المواقف المريبة من الحزب تجاه التوجه نحو نشر الثقافة العربية في أقاليم السودان الجنوبية ودعوى الحزب نحو التكتلات الشعوبية، مما أثبت في فكر السودانيين الارتباط الباطني للحزب مع الدوائر الصهيونية، لا سيما وأن السودانيين يرون أنفسهم حملة العروبة والإسلام في إفريقيا.
ولعنة كوريل هي التي تجعل الشارع السياسي لا يستمع لفكر الأممية والتعايش السلمي مع (إسرائيل) وغيرها من شعارات الحزب الشيوعي، وما زالت حكمة الحزب الشيوعي ما لا يتحقق بالديمقراطية يدرك بالانقلاب العسكري.