; الحصار الأمريكي للبرنامج النووي الباكستاني | مجلة المجتمع

العنوان الحصار الأمريكي للبرنامج النووي الباكستاني

الكاتب رأفت يحيى العزب

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 73

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 18-أبريل-1995

الحصار الأمريكي للبرنامج النووي الباكستاني

انفردت منطقة جنوب آسيا دون غيرها من المناطق الإقليمية الأخرى في العالم بخصوصية نووية بعد انتهاء الحرب الباردة جعلتها من أكثر البؤر توترًا، وأكثرها قابلية للانفجار النووي في أي وقت، فكل من الهند وباكستان يمتلكان قدرات نووية معتبرة وإن كانت غير متكافئة، ويتنازعان حول كشمير منذ استقلال الدولتين عام 1947، وأدى ذلك لدخولهما في ثلاث حروب، أسفرت الأخيرة منها عن ضياع نصف الأراضي الباكستانية عام 1971م، فيما يعرف اليوم بدولة بنجلاديش، وبحلول انعقاد المؤتمر التاريخي لمراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي «NPT» في النصف الثاني من شهر إبريل الجاري وإمكانية تمديد المعاهدة إلى ما لا نهاية أو لفترة زمنية محدودة، حظيت قضية الانتشار النووي في جنوب آسيا باهتمام أوسع، نظرًا لعدم توقيع الهند وباكستان على المعاهدة وتأكيدهما من جديدة رفضهما التوقيع عليها، وإن اختلفت تبريرات كل طرف إزاء هذا الرفض، وترتب على ذلك مزيد من الاهتمام الدولي والذي أعني به هنا -بطبيعة الحال- الولايات المتحدة التي تباين سلوكها السياسي عمومًا نحو الدولتين في نفس الوقت الذي اختلف فيه تعاطي الحكومتين الهندية والباكستانية مع هذا السلوك الأمريكي.

على الرغم من تأكيدات الهند المستمرة أن برنامجها النووي قاصر على الأغراض السلمية، وأن شروعها في هذا المجال جاء بعد إجراء الصين تفجيرها النووي الأول عام 1964م، إلا أن البيان الذي أدلى به «جواهر لال نهرو» رئيس وزراء الهند عقب استقلال بلاده يحمل في طياته دلالات هامة تؤكد رغبة الهند المبكرة في امتلاك سلاح نووي تأكيدًا لتطلعاتها في أن تصبح قوة إقليمية ودولية لها وزنها، فقد أشار رئيس الوزراء الهندي إلى ضرورة البدء في امتلاك قدرات نووية لتوظيفها في الأغراض السلمية، لكنه أكد في الوقت نفسه على ضرورة امتلاك قدرات نووية لاستخدامها في أغراض أخرى إذا لزم الأمر، وأيًا ما كانت الخطوات التنفيذية التي اتخذت في ذلك الوقت فإن امتلاك سلاح نووي إذا لزم الأمر للدفاع عن وحدة أي دولة وأراضيها يعد جزءًا من سيادة كل دولة طالما أصبح هذا السلاح أحد الآليات المستخدمة في الحروب المعاصرة، وجاء عام 1962م الذي شهد هزيمة عسكرية هندية على يد القوات الصينية، ثم ما تلا ذلك من إجراءات تفجير نووي صيني عام 1964م ليضع الهند في موقف حرج أمام جارتها القوية، وكان طبيعيًا أن يشكل هذا التطور حافزًا للهند على الإسراع في تطوير برنامجها النووي الذي شرعت بالفعل في تنفيذه بعد الاستقلال مباشرة، وكانت المحصلة نجاحها في إجراء أول تفجير نووي لها بعد مرور عشرة أعوام على التفجير النووي الصيني، ولم يكن نجاح الهند في تحقيق هذا التقدم مستندًا إلى قدراتها الذاتية في هذا المجال، فقد لعبت كل من الولايات المتحدة وكندا وفرنسا دورًا أساسيًا في الانتقال بالهند إلى هذه المرحلة المتقدمة في مجال التكنولوجيا النووية، ولتعد بذلك أول دولة تتخطى العتبة النووية بعد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

الضغط الأمريكي لتجميد البرنامج النووي الباكستاني

كان طبيعيًا -والحالة هكذا- أن تتخذ باكستان إجراءً مضادًا خاصة بعد هزائمها المتكررة أمام الهند وضياع نصف أراضيها في حربها الأخيرة عام 1971م، وتجاهل حلفائها الأمريكيين الاتفاقيات العسكرية المبرمة بينهما، والتي كانت تقضي بالتدخل الأمريكي لصالح باكستان في حالة تعرضها لاعتداء خارجي، وهو ما لم يحدث، بل على العكس فإن الولايات المتحدة فرضت حظرًا عسكريًا على باكستان أثناء الحرب، في الوقت الذي تدفقت فيه المساعدات العسكرية السوفيتية للهند قبل وأثناء الحرب، الأمر الذي أحدث خللًا كبيرًا في ميزان القوى العسكرية التقليدية لصالح «نيودلهي»، أدركت باكستان أن امتلاك رادع نووي هو الخيار الأمثل لمواجهة التفوق العسكري الهندي في مجال الأسلحة التقليدية بالإضافة إلى ما تمتلكه من سلاح نووي بعد تفجيرها الذي أجرته عام 1974م بالقرب من الحدود الباكستانية، وقد لعب عالم الذرة الباكستاني الدكتور عبد القدير خان الذي كان يعمل خبيرًا نوويًا بأحد المؤسسات العلمية في أوروبا دورًا جوهريًا في تأسيس المشروع النووي الباكستاني ولينجح في إدخال أحدث تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم في برنامج باكستان النووي بعيدًا عن أي دعم أو مساعدة خارجية، وساعد على ذلك أيضًا التدخل السوفييت في أفغانستان وحاجة الولايات المتحدة لباكستان في ذلك المرحلة لمواجهة التقدم الشيوعي في المنطقة، وترتب على ذلك أن تغاضت واشنطن- إلى حين- عن سياسة باكستان النووية حتى كان عام 1989م، عندما انسحبت القوات السوفيتية من أفغانستان، وهنا كانت بداية مرحلة جديدة في العلاقات الباكستانية الأمريكية، إذ قررت الولايات المتحدة وقف جميع المساعدات الاقتصادية المقررة لباكستان كما فرضت حظرًا على بيع معدات وأسلحة عسكرية لإسلام أباد وألغت صفقات تم الاتفاق عليها بين الدولتين من بينها صفقة طائرات إف- 16 التي سددت باكستان أكثر من 600 مليون دولار من قيمتها، وربطت الولايات المتحدة بين المشروع النووي الباكستاني وهذه السياسات، هذا في الوقت الذي لم تمارس فيه واشنطن هذا السلوك تجاه الهند بل أخذت العلاقات بينهما منحنى إيجابيًا سريعًا، ورغم المفاجأة التي فجرها رئيس وزراء باكستان الانتقالي «معين فريش» عام 1993م والتي تضمنت إقدام باكستان على تجميد برنامجها النووي عام 1989م تحت الضغوط الأمريكية إلا أن واشنطن استمرت في ضغوطها وطالبت بضرورة إجراء تفتيش على البرنامج النووي الباكستاني كشرط لاستئناف بيع معدات وأسلحة عسكرية لباكستان، ويبدو أن الضغوط الأمريكية المتزايدة على «إسلام أباد» دفعت الأخيرة للقبول بتأسيس محطة لمراقبة ورصد الأنشطة النووية تولت الولايات المتحدة إقامتها على الأراضي الباكستانية وعلى مقربة من برنامج باكستان النووي في منطقة شاكوال، وقد أثار هذا التطور جدلًا واسعًا حول الهدف من إنشاء هذه المحطة وهل الهدف منها مراقبة النشاط النووي الباكستاني الذي جمد منذ عام 1989م أم رصد النشاط النووي الإيراني أو الهندي أو الصيني في المنطقة؟

 والغريب أن هذه المحطة جاء الإفصاح عن تأسيسها مصادفة في أحد المؤتمرات الصحفية بالولايات المتحدة مؤخرًا، وعلى الرغم من كل ذلك فإن هذا التجاوب الباكستاني تجاه الولايات المتحدة لم يثن الأخيرة عن المضي في سياستها الرامية لا لوقف نشاط البرنامج النووي الباكستاني فحسب بل إلى تقليص ما لدى باكستان نم قدرات نووية تدريجًا كخطوة، نحو إنهاء هذه القدرات، وفي المقابل فقد تواصل نشاط البرنامج النووي الهندي وبصورة متقدمة بحيث اتسعت الفجوة الإنتاجية النووية بين الهند وباكستان من 6- 1 عام 1989م إلى 10- 1 عام 1984م ويتوقع أن تصل هذه الفجرة إلى 20- 1 عام 1997م، ولم يقتصر الأمر على القدرات النووية بل في مجال أجهزة التوصيل «Deliver System» وأعني بها خصوصًا الغواصات النووية والصواريخ التكتيكية والإستراتيجية، فقد نجحت الهند عام 1989م في إجراء اختبار على صاروخ «إله النار عند الهندوس» والذي يصل مداه 2500 كم ويستطيع حمل طن من الرؤوس النووية ويبلغ طول الصاروخ 19م ويمكن إطالة مدى الصاروخ بتخفيف حمولته من الرؤوس النووية وهو بذلك يشكل تهديدًا خطيرًا لا لباكستان فحسب، بل للصين وجمهوريات آسيا الوسطى وغرب آسيا والشرق الأوسط وشرق إفريقيا، كما نجحت الهند في اختبار صاروخ برزفي الذي يصل مداه قرابة 250 كم ويستطيع حمل رؤوس نووية ونشرت الهند هذا الصاروخ بالفعل داخل الجيش الهندي، ويتوقع نشر أعداد منه بالقرب من الحدود الباكستانية قريبًا، ويستطيع هذا الصاروخ أن يطول أقصى هدف إستراتيجي في باكستان التي تفتقر إلى وجود عمق يمكنها من تفادي هذه الصواريخ، ويتوقع أن تحصل الهند قريبًا على غواصة نووية «شارلي» وتزويدها بصواريخ بالستية، ورغم التحفظ الأمريكي المهذب تجاه هذا التنافس الهندي العسكري الآخذ في الصعود بصورة خطيرة، إلا أن الهند لم تبد أي تجاوب يذكر للتحفظات الأمريكية واعتبرت سياستها العسكرية جزءًا من سيادتها التي لا يجب المساومة عليها، كما حققت الهند تقدمًا عسكريًا في مجال الأسلحة التقليدية بحيث أصبحت تنتج 75% من متطلباتها العسكرية لتكون بذلك أقوى جيش في العالم ولتمتلك رابع أقوى أسطول بحري في العالم أيضًا وبمقارنة هذا الوضع بباكستان نلاحظ أن «إسلام أباد» لا تمتلك سوى صاروخ هنف الذي لا يزيد مداه عن 80 كم وتعتمد في جزء كبير من تسليحها على الولايات المتحدة التي فرضت كما سبق وأشرت حظرًا على بيع أو صيانة أي أسلحة أمريكية لباكستان منذ عام 1989م، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى التي يشكلها السلاح النووي لدى باكستان إذا كانت «إسلام أباد» قد نجحت بالفعل في تحويل اليورانيوم المشع إلى نقابل نووية جاهزة للإطلاق.

الضغط الخارجي على باكستان

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة التاريخية هو «هل تستطيع أن تحتفظ باكستان بما لديها من قدرات نووية يمكن توظيفها كرادع في مواجهة الهيمنة الهندية في المنطقة رغم الهوة الإنتاجية بين الدولتين؟ يبدو من الاتجاه الدولي العام والظروف التي تمر بها باكستان أن مسألة تجريدها من قدراتها النووية قضية مطروحة بقوة رغم الدعم الشعبي الذي يتمتع به البرنامج النووي في باكستان، فقد برز تيار ليبرالي في باكستان يثير فكرة التغاضي عن امتلاك قدرات نووية والسعي نحو تحويل النفقات العسكرية الكبيرة إلى مشاريع التنمية والنهوض بالمستوى المتدني الذي يعاني منه الشعب الباكستاني بصرف النظر عم تنتهجه الهند المجاورة، ويبرر أصحاب هذا التيار الذي يبدو أنه مدعوم من الخارج طروحاته بأنه لا مجال للدخول في سباق عسكري مع الهند؛ لأن باكستان في هذه الحالة ستكون الخاسر الحقيقي، ويطرح أصحاب هذا المشروع تصورات مرنة لحل القضية الكشميرية، ويقلل من الهوية الحقيقية التي على أساسها نشأت باكستان، ويشتبك أصحاب هذا التيار مع بعض القوى الإسلامية النشيطة في باكستان حول الكثير من القضايا المصيرية الباكستانية، وكما يشير بعض المراقبين فإن الحكومة الباكستانية تبدو أقرب للمعسكر الليبرالي، ويعلل هؤلاء المراقبين ذلك بالإجراءات التمهيدية التي اتخذتها السلطات الباكستانية تجاه بعض القوى الدينية في الآونة الأخيرة.

وعلى المستوى الدولي وأعني به الولايات المتحدة خصوصًا، فيبدو أن الولايات المتحدة عازمة مع اقتراب موعد مراجعة معاهدة عدم الانتشار النوي وتمديدها، يبدو أن الولايات المتحدة مصممة على وضع حد للبرنامج النووي الباكستاني حيث تراهن حاليًا على توسيع نشاط الاستثمار في مجال الطاقة، ووقع عدد من الاتفاقيات بالفعل بين الولايات المتحدة وباكستان في هذه المجال وهو ما اعتبره البعض بديلًا للطاقة النووية التي يمكن أن تعلل باكستان وجود البرنامج النووي للحصول على هذه الطاقة، وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة تحاول إيجاد حلول سريعة على غرار ما تم في الشرق الأوسط لإنهاء النزاع الكشميري باعتباره محور التوتر في جنوب آسيا، ويعين انتفاؤه افتقار باكستان لمبررات الاحتفاظ بقدرات نووية، وبالتالي تعطي الولايات المتحدة لنفسها وعبر الشرعية الدولية! المبرر الكافي لاتخاذ إجراءات متماثلة نحو البرنامج النووي الباكستاني على غرار ما حدث للبرنامج النووي لكوريا الشمالية، وما يحدث للمنشآت النووية لشعب العراق هذه الأيام، وربما يعزز هذا المعنى ما قاله أحد الخبراء الروس في إسلام أباد مؤخرًا من أن مجلس الأمن سيكون بمقدوره اتخاذ الإجراءات المناسبة بعد تمديد معاهدة الانتشار النووي ضد الدول التي تمتلك قدرات نووية من غير دول النادي النووي الدولي لكن هل سيكون ذلك مقصودًا به كل من إسرائيل وباكستان والهند؟ يبدو أن الأمر سيكون غير ذلك فهناك تحذير من أن بعض الدول مثل باكستان وإيران وكازاخستان من الخطر إبقاء سلاح نووي لديهم، غير أن هذا التحذير لم يشمل بطبيعة الحال الهند وإسرائيل وهو ما يشير إلى ما يمكن أن تشهده المرحلة القادمة من تطورات على مستوى السلام النووي.

الرابط المختصر :