العنوان الحضارة الغربية المادية في طريقها للزوال والقادم هو الإسلام
الكاتب علي عليوة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016
مشاهدات 41
نشر في العدد 2093
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 01-مارس-2016
رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي د. عبدالحميد أبو سليمان:
الحضارة الغربية المادية في طريقها للزوال والقادم هو الإسلام
أجرى الحوار: علي عليوة
أكد د. عبدالحميد أحمد أبو سليمان، رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن، أن الحضارة الغربية المادية لم يجنِ منها العالم سوى الحروب والويلات والاقتتال على ثروات الشعوب الأخرى منذ بزوغ فجرها وحتى اليوم، وأنها تؤذن بالرحيل تماماً كالمسيحية التي انتهت كعقيدة، وأن القادم هو الإسلام الذي يجمع بين الروح والمادة، ويؤسس لحضارة قوامها العدل والنماء والمساواة والسلام بين البشر.
وأوضح في حوار معه تم في القاهرة خلال مشاركته في مؤتمر حول مستقبل اللغة العربية، عقده المعهد بالتعاون مع مجمع اللغة العربية؛ أن إسلامية المعرفة التي يتبناها المعهد ويدعو لها تستهدف إصلاح الخلل الناجم عن توظيف الغرب للعلوم الاجتماعية المختلفة لأهدافه الاستعمارية، وأن أسلمة هذه العلوم يجعلها أداة البشرية لإقرار الحق والعدل والمساواة بين الناس، مشدداً على ضرورة تعريب لغة التعليم في الجامعات ليسترد المسلمون دورهم الحضاري العالمي.
< حدثنا عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي وأهدافه وأنشطته؟
- المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بفضل الله سبحانه، أنشئ عام 1401هـ/ 1981م، وسُجّل في الولايات المتحدة الأمريكية، ومقره العام في واشنطن، وله فروع في عدد من البلدان العربية والإسلامية والأوروبية، ويستهدف المعهد تعميق الوعي لدى مثقفي الأمة ومفكريها بطبيعة الأزمة الفكرية والوجدانية منها المسلمون اليوم، وبأهمية البعد الفكري والوجداني في المشروع الحضاري الإسلامي الشامل.
ويحاول المعهد منذ إنشائه إصلاح الفكر الإسلامي؛ من خلال معرفة أسباب الخلل، وتحديد آليات الإصلاح، وتحديد المفاهيم، وقد أسهم المعهد من خلال التأليف والنشر والمجلتين التي يصدرهما في دراسة ظواهر العلّة في الأمة الإسلامية، وتشخيص أعراضها، ورسَم برنامجاً للإصلاح، وشرعَ في تنفيذه، بمشاركة فاعلة للعديد من العلماء والباحثين والمفكرين من مختلف فئات الأمة.
وقد أنتج المعهد أكثر من 400 كتاب في مختلف العلوم، وعقد مئات المؤتمرات والندوات التي تسعى لوضع الحلول لأزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة؛ انطلاقاً من حقيقة أن الحضارة الغربية المعاصرة توشك على الانهيار؛ بسبب ماديتها، وأن إسلامية المعرفة هي المنقذ لها.
< «المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة» (اليونسكو) تتوقع اندثار اللغة العربية كما حدث مع اللغة اللاتينية ولغات أخرى، هل هذا صحيح؟
- اللغة العربية بالفعل تعاني من أزمة؛ بسبب إهمال أهلها لها، وما جرى للغة اللاتينية أن اللهجات الأوروبية الدارجة في كل دولة أوروبية تحولت إلى لغة مستقلة؛ مثل الإنجليزية، والإيطالية، والفرنسية، وغيرها، بعيداً عن اللغة الأم؛ وهي اللاتينية، واللغة العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم، ولغة الحضارة العربية الإسلامية، تحتاج لمزيد من الاهتمام والجهد والعناية بها للحفاظ عليها؛ مما يجعل التواصل اللغوي والهوية الثقافية العربية تتعمق وتقوى.
وللأسف مفاهيم الحضارة العربية الإسلامية تعاني من التدهور، واندثارها يترتب عليه اندثار الهوية، وما نراه الآن على أرض الواقع هو وجود تعدد في اللهجات في بلاد المشرق والمغرب العربي، فنجد اللفظ الواحد الدارج له معانٍ مختلفة من بلد عربي لآخر، وله دلالة أخرى في اللغة الفصحى؛ ومن هنا تأتي ضرورة عدم الاستهانة بالوضع السلبي الراهن للغة العربية الفصحى؛ لأن الإهمال قد يؤدي لتدميرها؛ وبالتالي يتم تدمير الهوية العربية الإسلامية على المدى البعيد؛ لأن اللغة العربية هي رمز هويتها ولغة تاريخها وحضارتها.
< وكيف يمكن إنقاذ اللغة العربية وإعادتها لمكانتها كلغة دين وعلم وحضارة؟
- نحن نرى الآن مدى جهل أبناء الأمة العربية باللغة العربية وبفنونها، وأصبحت معظم المحال التجارية والمؤسسات تستخدم الحروف اللاتينية في كتابة أسمائها، وهنا يجب أن يدرك أبناء العالم العربي أن إهمالهم للغة العربية يوقعهم في دائرة تهديد الدين والدعوة، فالحفاظ على اللغة – لغة القرآن الكريم – هو حفاظ على الدعوة إلى الإسلام وكتاب الله العظيم.
كما أن اللغة العربية هي أداة الإبداع والابتكار في المناحي العلمية والمعرفية، ولن يستعيد المسلمون دورهم الحضاري العالمي كما كانوا على مدى أكثر من ستة قرون إلا حين تعود للعربية مكانتها كلغة التعليم الأولى في الجامعات والمدارس، ومن غير المقبول أن نهمل لغتنا ونستبعدها من مؤسسات التعليم وندرس العلوم باللغات الأجنبية في الوقت الذي لا توجد دولة من الدول المتقدمة تدرس العلوم في جامعاتها بغير لغتها القومية.
وعلي مجامع اللغة العربية تعريب مصطلحات العلوم المختلفة وتوفيرها للجامعات العربية، لتكون في متناول الأساتذة والطلاب، فلن ننتج العلوم إلا بلغتنا العربية، وأن نحذر من مدارس اللغات الأجنبية التي تسعى لتغريب لغة أبنائنا وإلزامها بأن تكون اللغة العربية مقرراً دراسياً إجبارياً في مناهجها.
< وما اقتراحاتك للنهوض باللغة العربية؟
- من الضروري توفير وقفية للاهتمام بالترجمة العلمية والنشر العلمي، ونقل الخبرات، وترجمة كل جديد يأتي في المجلات العلمية الغربية وغيرها إلى اللغة العربية؛ لكي يستفيد منها الباحث والمواطن العربي.
ومن الضروري أيضاً العمل من أجل توحيد استعمالات الفصحى في اللغة العربية على مستوى العالم العربي ومؤسساته التعليمية والإعلامية، وقد عرضت على مجمع اللغة العربية في القاهرة خلال مشاركتي في المؤتمر الذي عقده المجمع مؤخراً أن يتبنى هذا المشروع بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ليصبح الاهتمام باللغة العربية على مستوى مؤسسات الأمة كلها.
< معهدكم يتبنى الدعوة لـ «إسلامية المعرفة»، ولكن هناك من يعترض على هذا الطرح قائلاً: إن العلم لا وطن له، وأنه منتج إنساني، وخلاصة جهد البشر جميعاً، فكيف تطلقون عليه صفة الإسلامي؟
- الرؤية الكونية «من أنا؟ ولماذا أنا موجود؟ وما غايتي؟» تختلف فيما بين الحضارات والحضارة العربية الإسلامية، والغرب رؤيته الكونية مادية، والمسيحية كدين انتهت، فرؤية الغرب تتلخص في «اللادرية»؛ أي أنه لا يدري من أين أتى، وإلي أين يذهب، وما الهدف من الحياة؛ أي أن رؤيتهم حيوانية تستهدف إشباع احتياجاتهم من مأكل ومشرب وجنس، وليس لهم هدف سوى الاستمتاع المادي، بينما الرؤية الإسلامية هي التوفيق بين ما هو مادي وما هو روحاني عند الإنسان، وتستهدف العدل المطلق بين البشر.
ونحن نجد الغرب ومن بينه دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا شنت الحروب العالمية لاحتلال البلدان والشعوب الأخرى، وقتلت فيها الملايين من البشر، وقد ذهبت هذه الدول لأمريكا الشمالية والجنوبية فدمرت شعوبها، وشنت حروب الأفيون في الصين، وذهبت لأفريقيا فاستعبدت أهلها وباعتهم رقيقاً ونهبت ثرواتها، ودمرت العالم الإسلامي واستعمرته.
الرؤية الكونية الإسلامية الروحية هي العدل المطلق، فهي تقوم على المساواة بين البشر، فمن تعاليم ديننا ومنتجات حضارتنا أنه «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى»، «إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي»، «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا»، «العدل ولو على أنفسكم»، «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم»، وإسلامنا يدعو للسلام والمحبة بين بني البشر.
< بماذا تنصح شباب العالم الإسلامي؟
- مطلوب من الناشئة أن يدركوا رؤيتهم الكونية القرآنية ويعملوا بها، وينشروها بين العالمين، صحيح أن الغرب توصل للكثير في مجال العلوم الاجتماعية؛ مثل علم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرها، ولكنه وظفها لتحقيق أهدافه الاستعمارية واستنزاف الشعوب الأخرى، وإسلامية المعرفة تعني نزع التوظيف النفعي والاستغلالي من جانب الغرب للعلوم الاجتماعية وتوظيفها وتطويرها وفقاً للرؤية الإسلامية العالمية القرآنية.
وعلى الشباب والأجيال القادمة، خاصة الباحثين منهم، أن تعلم أن «إسلامية المعرفة» لا تعني التنكر للعلوم الاجتماعية، ولكن تعني وضع تلك العلوم لخدمة كل البشر وليس للغرب وحده، واستحضار معنى الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون، والمطلوب من المسلمين التواصي بالحق والصبر، وكل الدلائل تشير إلى أن الحضارة الغربية في أزمة، وهم يدركون ذلك، وهم يقاومون الرؤية الإسلامية ولكن إلى حين.
< كيف نعالج خروج بعض الحكام في العالم الإسلامي عن العدل الذي يأمر به الإسلام وجنوحهم للاستبداد والفساد؟
- من أبرز المفاهيم التي تنبه لها مفكرو الأمة منذ أمد ليس بالبعيد «الشورى» كمؤسسة سياسية اجتماعية مهمة، تنوب عن الشعب، ومهمتها ليس مجرد بذل النصح للحاكم، بل هو ملزم بالرجوع إليها في كل أمر يخص الرعية، وتتم محاسبته أمامها، ولذلك أُهمل شأنها، ولم يتم تفعيلها كمؤسسة أساسية في بناء نظام الحكم، وتضمينها في واقع النظام السياسي الإسلامي.
ودور «مؤسسة الشورى» يمكن أن ينتهي إذا لــم يتم فصل مهمة الدعوة والتربية عن مهمة السلطات السياسية التنفيذية؛ حتى لا نقع في الخطأ الذي رأيناه عبر التاريخ الإسلامي؛ وهو توظيف الدين والقداسة سياسياً لمصلحة المتنفذين ومصالحهم؛ وهو ما يطلق عليه ظاهرة «علماء السلطان»، الأمر الذي يؤدي حتماً إلى تمكين حكم الاستبداد؛ وبالتالي انتشار الفساد؛ لأن البشر بفطرتهم يعتورهم الضعف وليس لهم عصمة الأنبياء.
< في ظل الدعوة التي يتبناها بعض الإستراتيجيين الغربيين للصراع بين الحضارات، ماذا يمكن أن يقدمه الإسلام لإنقاذ البشرية من النتائج الكارثية الناجمة عن هذا الصراع؟
- أزمة الحضارة الإنسانية اليوم تُعزى إلى نزوعها للقيم المادية، وغياب مفاهيم الحق والعدل والمساواة، وإلى غياب الأمة الإسلامية عن ساحة الحضارة المعاصرة، ونحن نؤمن بأن الفكر الإسلامي المبني على أساس قيم العدل والإخاء والسلام، القائم على «الجمع بين القراءتين»؛ قراءة الوحي، وقراءة الكون، قادر على معالجة أزمة الحضارة المعاصرة، وتحقيق الإخاء الإنساني، والسلام والأمن، وذلك عندما تتوافر لهذه الحضارة أسباب الهداية الربانية، وتتحقق فيها معطيات القيم الخلقية.
< هل الدولة التي يدعو لها الإسلام مدنية أم دينية، كما يزعم العلمانيون الكارهون للطرح الإسلامي؟
- الإسلام يتحدث عن دولة مدنية، ولا يعرف الدولة العلمانية أو الدينية، ولا يستطيع أحد أن يفصل الشعب عن دينه، أو يفصل الدين عن الشعب، والحاكم في المفهوم الإسلامي يجب ألا يحتكر الحديث باسم المقدس فيستبد، وإنما مهمته أن يقيم العدل، ويحقق التنمية، ويرى الجميع أمامه سواسية.
وعلى سبيل المثال في تركيا، عندما جاء حزب العدالة والتنمية أوضح أن مهمته تحقيق النمو الاقتصادي، ونشر الحريات، ومنها حق المرأة في ارتداء الحجاب الذي كان ممنوعاً في ظل الحكم العلماني، وللأسف من عارضوا هذا التوجه هم العلمانيون، وأثبتوا بذلك أنهم - وليس الإسلاميين - من يعارضون الحريات.
مؤسسة الحكم في ظل الإسلام ينبغي للحاكم ألا يتكلم باسم المقدس فيستبد، ففي تركيا يقول الرئيس «أردوغان»: أنا مهمتي العدل والتنمية، والجميع عندي سواسية، وهي قيم الإسلام العدل والنماء، بما يؤكد أنه لا يمكن فصل الدين عن الدولة.
< ما مستقبل الإسلام في أوروبا والعالم؟
- المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي زار الولايات المتحدة الأمريكية، فرأى الناس هناك يعملون بجدية، فقال: عسى أن يكون هذا مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان تشرق الشمس من المغرب، فجديتهم لو اقترنت بدخولهم الإسلام لكان ذلك نصراً للدين، المهم أن نعرف كيف نقدم الإسلام للغرب كبديل لحضارتهم المادية، وإقناعهم بأن هذا الدين يلبي الكثير من احتياجاتهم الروحية التي حرمتهم منها حضارتهم، وهناك بشرى من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن هذا الدين سيسود العالم مشرقه ومغربه.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل