; الحضارة الإسلامية اتجاهها ومهمتها " الأخيرة " | مجلة المجتمع

العنوان الحضارة الإسلامية اتجاهها ومهمتها " الأخيرة "

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011

مشاهدات 68

نشر في العدد 1981

نشر في الصفحة 40

الجمعة 23-ديسمبر-2011


الغرب.. واستفادته من بعض جوانب الحضارة الإسلامية


·        بمقدار مصداقية الحضارة ورقيها الإنساني تكون متانة أسسها.

·        ما يبتغيه الإنسان السوي من الحياة الدنيوية لا يتم إلا بالمنهج الإلهي المتفرد.

·        الفضائل المتوافرة في الحضارات ليست إلا ثمرة ما حفظته الفطرة مما بقى لهل من أديان.

نتناول اليوم مسألة نقل الغربيين لبعض جوانب الحضارة الإسلامية المتعلقة بثمارها المادية المدنية وإغفال المهم منها، مما يتعلق بمنابتها ومرابعها ومحاضنها، الذي به كانت، ولولاها ما وجدت. حتى هذه تجردت -ولو بمرور الزمن- من خلقياتها وإن بقيت بعض مآثرها ومظاهرها السطحية، التي باءت في نهاية المطاف بآثار معكوسة على الرغم من أنها كانت مرئية أخضعوها لرغباتهم وموروثاتهم وتقاليدهم المتنوعة المشارب، التي هي أقرب إلى الوثنيات، أو هي الوثنيات بذواتها وبأشد أغوارها وأسرارها.

لذلك كان ما تجنبته هذه الحضارة وهي تنقل ما نقلت من الحضارة الإسلامية كل ما يتعلق بالعقيدة الإسلامية، وما ينبثق عنها من التشريعات ويرتبط بها، مما أدى إلى إنحرافها في دروب ضلالية، أشاعت في مساراتها حفراً قاتلة خلقية في الفرد والأسرة والمجتمع.. وسياسية واقتصادية أوقعها فيما آلت إليه من المعاناة التي تهددها بالإنهيار المؤدي إلى الإنقراض لا محالة، عاجلاً أو أجلاً.

 

أخذت أشكالاً مرعبة لأي أحد لأنها تهدد كل مجتمع مهما أدعى من علاجات أو قبول، بل لا يخلو من تبجح يشير إلى جهل فاضح أو غش كالح أو رضى وتبرير لكل طالح.

دراسات معتمدة

أنظروا ما سجلته الدراسات المتريثة القائمة على الشهادة العينية المستندة إلى دراسات معتمدة لأهلها: بلغ الأمر حداً أن ترعى الكنائس بل وكهنتها حفلات الرقص الليلي المختلط(1)، يقوم الكهنة بعقد التزويج المثلي بين رجلين في الكنيسة.

كما بلغ الأمر ما بينته دراسة للعلاقات الجنسية في مدرسة للبنات في إحدى مدن أمريكا «دنفر ولاية كولورادو» عام ١٩٥٠م، وُجد أن ٤٨٪ من الفتيات كُن حبالى(2)!!

جوانب عدة

كان ذلك مما تم بهذا التناول في جوانب عدة منها الاجتماعي: الممارسات الخلقية والأسرية والعلاقات بين المرأة والرجل والشاذة جنسياً، حتى غدا ذلك مألوفاً.

القانوني: الذي جرّدوه من قيمه الخلقية والإنسانية، تحكمت فيه النفعية، ما أتيحت له الإمكانية والتفلت من القانون، لا يعرف حلالاً ولا حراماً إلا ما حرمه أو أحله القانون.

وما هو اليوم حلال من الممكن أن يُصبح غداً حراماً، والعكس كذلك إن أمكن متابعة الرقابة، أورث أمراضاً ما عرفت البشرية قبلاً لها مثيلاً .

المالي: القائم على أسس النفعية وإجتناء «جَني» ما يمكن من الربح بأي طريق ممكن.

من هنا شاع الربا وغداً ليس مألوفاً فحسب بل لازماً، مدعين عدم سير الحياة أو الاقتصاد إلا به فرض كل أخلاقياته الغابية بلا إستنكار، ما عداه لديهم يكون شاذا لا يُعني ولا يُسمن من جوع.

انهيار الحضارة

حتى بدؤوا اليوم يرون آثار هذا الإنحراف القاتل فيما تعانيه هذه الحضارة ومن ارتبط بها من أزمات لا تعرف كيف تقوم منها؟ تتسع آثارها لتكون مع غيرها القاضية على هذه الحضارة، فقد أدخلت من الأسباب ما كانت مثلها قاضية على الحضارات السابقة.

يُشار هنا إلى ما يمكن فهمه من أن الالتزام بشرع الله هو بذاته جعله الله حفاظاً للإنسان، مثلما تحمل المعاصي بنفسها أسباب هلاكه.

تلك قوانين وسُنن ونواميس كونية لا يمكن مقارعتها.

الأخذ بمنهج الله فهم لسننه تستقيم بها الأمور، الإعراض عنها يقود إلى تيه نكد محفوف بالأخطار.

ذلك مما يُري الله تعالى بحكمته آثار البُعد عن الله وشريعته، مهما تكبر واغتر وادعي إنه في غني عن شرع الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) (الأنعام:44-45)(3) أمر يأتي تفصيله في كتابات لاحقه غير بعيد،إن شاء الله تعالى .

ثمرة الفِطرة

يمكن القول: إن الفضائل المتوفره في الحضارات الأخرى السابقه ليست إلا ثمره ما حفظته الفطره -مهدده بالهبوط كلما ابتعدت عن هدايه الله- مما بقى لها من أديان أنزلها الله تعالى، رغم ما أصاب الفِطره تشويهاً وتزييقاً وتجفيفاً بسبب الانحراف والأهواء.

فالحضارات تتوزع في هذين الفهمين عموماً.. وإن فرضت الحضاره الإسلامية بثانيهما تميزاً وإمتيازاً وإحتجازاً، إلا أن الحضارات تتباهج وتتماوج في داخلها، حسب نوعيه المنهج وطريقته وشموله وتفصيلاته ومصدره، وإن أختلفت الموازين.

براهين وأدلّة

والنظر من النماذج في الحياه الإنسانية -خلال المسيره التاريخية- تُقدم الكثير من البراهين والإدلة الرائقة، يحميها الإنصاف ويذكرها العقل الراجح وثقوب النظر وسداد البصيرة، يتبيّن كل ما يرد من حقائق هذا البحث وأمثاله ومناواله.

بمقدار مصداقيه الحضاره ورقيها الإنساني تكون متانة أسسها ، مثلما تكون وسائلها ، تتناسب -مقدره وقوه وتميزاً- مع أهدافها صفاءً وعمقاً وشمولاً وجديةً ومع قدرة الإرتفاع بالإنسان وترغيبه طواعيه، ومده بالحرص الشديد علي كل ذلك، حتي ليصبح السعى بها وخدمتها هو مصلحته الذاتية وطبيعة في نفسه، يبذل لها في ذلك كل شيءٍ، لا يساوم بها مهما كانت الأسباب والدوافع، مع توافر هذه الرغبة حين تتوفر واضحةً. لابد من منهجيه تحقيقها.

هذا ما يراد بيانه في هذه الدراسه للحضارة الإسلامية، من حيث نوعية هذه الحضارة الفاضلة ومنهجها الكريم، الذي أنزله الله، يتبناه الإنسان ويبني حياته عليه، تزين انسانيته الغاليه -التي كرمها الله- جنبات ذلك المجتمع،يكون كل ألوان تقدم المادي والعلمي والإبداعي، ثمره تالية وطبيعية، مدام يحيا بها محافظاً على سلامة معانيها في نفسه، ياتي بالعجائب المدهشه في كافه الميادين، بأقصى إمكانيه لا تكون إلا في ظل هذا الدين، قوه لا تتحقق الا بمنهجه أو رباني المتميز الفريد.

مفهوم جديد

لا بد إذن من العنايه جداً -لدي دراسة الحضارة الإسلامية ظاهرها وباطنها- أن يفسح مجال واسع لنوع بناء المجتمع المسلم ومنهجه، وبيان حقيقة إرتباطه ومنابته وإستمداده الزاهر، حين تناول أية قضية تتعلق به ودراستها، لا سيما الحضارة الإسلامية، التي يجب أن تؤسس مفهوماً جديداً للحضارة، بهذه السعة والنوعية، متفردة في كل ما أحتواته وأنتجته وأقامته.

ليس الحديث عن الحضارة الإسلامية إلا حديثاً عن الإسلام، الذي حملت صفاته وأبتنيت علي قواعده وعاشت بمنهجه، هدفاً وأسلوباً وإنجازاً، أنطلقت في ضوئه تحقق ذلك كله وتصيغه، نماذج إنسانية حية فريدة قوية مبدعة، يحيها الناس وتمتلئ بها ميادين الحياة، مزدهرة مثمرة باسقة. تبقى بذلك في أي البلدان و الأوقات، ما دامت ملتزمة، كله خروم وثغور تلبست هذه الصوره وتخللتها، إنما كانت بسبب وبمقدار ضعف هذا الإلتزام أو التحلل منه.

صدق وعمق

صفة هذه الحضاره في الإسلامية إنها حملت مواصفات المنهج الذي أنشاهأ: الإسلام بمنهجه الكريم، بكل أبعاده وأعماقه، حيث هو دعوه موجهه إلى كل أهل الأرض، يدخل في دائرتها وينتسب إليها وينتظم في صفها ويعد واحداً من أهلها من يقبل -حين يقبل بها- إقراراً بتعاليمها بصدق وعمق عملي مؤثر.

على ذلك أنتظم في مجتمعها كل قوم آمن بها وأدى إلتزامته، أو أرتضى خيمتها، كل ذلك حين يتم إستيعابها الشامل  المتكامل العامل، به كان ما تم وتوافر وقام في الحياة الإسلامية ومجتمعاتها المترامية زماناً ومكاناً، المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي ضم المؤمنين به كافة، من كل الأقوام وأرتبطوا بمنهجه وقدموا الولاء له كاملاً، لا يعرفون غيره رابطة ولا ما عداه آصرة ،تعلق بمنهجه ووالوا عقيدته الربانية الفاضلة، غدا به الجميع أمة قامت متفرده بمفهوم جديد للأمة وما يزال، كلها  -بكافه قومياتها وإنتماءاتها وبلدانها ولغاتها وأجناسها ، بآماد مجمل اجيالها -تؤول إليه وحده لا تعرف غيره إنتماء به وحده تفخر وإليه تنتسب ،أبية قوية متماسكة في كل حال، رأينا في ذلك مثلاً واقعية، ما شذ  عنها أحد إلا بمقدار الشذوذ عن أساسياتها ومقوماتها.

أهداف وآمال

الحقيقه أن هذا المستوى والنوعية والأهداف والآمال وتحقيقها، لا بد أن تكون، هذا التمايز لا بد أن يحدث بل ويتوقع، أمام نظر كل من له إطلاع وعرف عن الإسلام شيئاً وأنصف نفسه وأقر بما تميله حقائق الأمور والعقل المستنير وسلامة الضمير، لايمكن أن ينجزه غير هذا المنهج الرباني،  بطبيعة الحال والمال، حيث مثل هذا الأمر له متطلبات لا يملكها غير منهج الله تعالي، أمر مطرد في كل أمور الحياة الإنسانية وحضارتها الفاضلة الكريمة المستقيمة، به يعرف ويستدل بالفهم الواضح المؤكد المحدد أما يبتغيه الإنسان السوي من الحياه الدنيويه وسعادتها المرجوه، لا يتم إلا بهذا المنهج الإلهي المنفرد ، لا يقاربه أبداً، أمر منتظر ومعهود، فضلاً عن الغايات الحقة التي تتجاوز ماديات الدنيا إلى ما وراءها، ثم ما تقود إليه من السعادة الأخروية الدائمة.

إنصاف غربي

كم من أُناس من غير المسلمين أنصفوا ذلك -بأي مقدار له- في دراستهم رغم إنهم لم ينتموا إليه، وأن تفاتوا  -في الجانب التي تحدثوا عنه وحده- حين أطلعوا عليه، وقادهم إليه مقدار تعلقهم وخروجهم من تأثير أثقال تلح على حاملها.

 

حقائق هذه الحضارة الإسلامية قدمت من الأدلة ما كانت قوتها راجحة للتميز والإعتراف مع نظرة أعانت عليها، الأمثلة كثيرة من هؤلاء ومنهم من قاده ذلك إلى الإسلام، إعتباراً وإنبهاراً وإقراراً، مُتَحَملاً ومضحياً بالنفيس.

الشواهد كثيرة جداً في كل الأجيال لكافة المواقع والشرائح المتنوعة، من أمثال: ما جرى في معركة أُحد «السبت ١٥ شوال ٣هـ /٦٢٥م»، حيث فوجئ المسلمون أن يجدوا بين شهدائها من عرفوهم مباعدين للإسلام، مثل مخيريق أحد علماء وأغنياء يهود، خرج إليها صبحها مؤمناً واستشهد فيها، بذلك قال فيه رسول الله ﷺ «مُخَيْرِيق خَيْرٌ يَهود»(4).

مثله أحد المشركين: أصَيْرِم بني عبد الأَشْهَل عمرو بن ثابت بن وقش، الذي قيل عنه: إنه دخل الجنة ولم يركع لله ركعة، فحين سئل عنه رسول الله ﷺ، قال : «إنه لمن أهل الجنة»(5).

تكرر هذا قبيل معركة اليرموك «5 رجب ١٥ هـ / ٦٣٦م» في الشام مع الروم، حين حَضَرَ أَحَدٌ كبار قادة الروم كان يقود المقدمة: جرجة بن توذرا(6) من أرمينية الذي خرج من معسكرهم والمعركة على الأبواب، جاء إلى محلة المسلمين يسأل عن خالد بن الوليد (٢١هـ / ٦٤٢م) (7)، بعد مناقشة وأسئلة أعلن جرجة إسلامه وانحاز إلى معسكر المسلمين وقاتل معهم واستشهد في المعركة (8).

هؤلاء الروم هم الذين قالوا في وصف المسلمين عندما رأوا بعض أحوالهم، قال واصفهم لهرقل قيصرهم: إنهم فرسان بالنهار رهبان بالليل(9).

 

 

ثبات المواصفات

هذا يؤسس أمرا مهما ذا جانبين كريمين، أولهما: أن الحق دوما يذكر لأهله معرفة بحقوقهم لإعطاء كل ذي حق حقه. ثانيهما: أن مستوى وقوة وثبات المواصفات للمجتمع المسلم يفاجئ بعلو مقامه ورفعته، يدع الآخرين

-حين يجبهون به- يعترفون لهم بروعة ما هم عليه من تميز وتفرد وقوة ما عليه المسلمون.

أمر طبيعي مشهود، عرفه الناس خلال تاريخ الحياة الإسلامية الكريمة وسموها وحضارتها الرائعة الرحيمة، بسماتها الدائمة السمحة ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).

 

الهوامش

(1) الإسلام ومشكلات الحضارة الشهيد سيد قطب، ٧٨ - ٨٤ - ٠٨٥

(۲) السلام العالمي والإسلام الشهيد سيد قطب ٧٤.

(۳) في ظلال القرآن الشهيد سيد قطب 2/ 1088 - ۱۰۹۲ مبلسون: غدوا في حيرة، وقد ذهبت حجتهم.

(٤) السيرة النبوية ٤٤٣، ٦٧٢، البداية والنهاية، 4/210.

(٥) السيرة النبوية ٦٧٣، البداية والنهاية،  4/210 - ٢١١

(6) البداية والنهاية 7/86 –٨٧، ٩٥ – ٠٩٦

(۷) عنه أنظروا: سير أعلام النبلاء، 1/366 -  ٣٨٤ البداية والنهاية، 7/235 – ٢٤٢، الأعلام، 2/300.

(۸) البداية والنهاية 7/95 – ٩٦.

(۹) البداية والنهاية 7/154.

 

 

الرابط المختصر :