العنوان الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض (5)
الكاتب إبراهيم غانم
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 66
السبت 31-مايو-2003
الأسس الروحية والدعائم السياسية للنهضة
د. إبراهيم غانم
تبين مما سبق ذكره في الأعداد السابقة على هذه الصفحة أن مفهوم النهضة- بحكم أنه مستمد من القرآن الكريم. يتضمن التقدم المادي «التكنولوجي» أو ما كان يسمى بمصطلحات بدايات القرن العشرين بـ«التمدن»، هذا بشرط أن يكون منضبطًا بالقيم الإسلامية، وخاصة ما كان من تلك القيم ذا طابع إنساني عام، بالإضافة إلى طابعها الخاص على المستوى الفردي والاجتماعي - كالعدل والمرحمة والتعاون والأخوة الإسلامية.
لكن كيف يمكن أن يتحقق هدف النهضة عمليًا؟ ذلك لن يكون إلا بعودة المسلمين إلى الإسلام وإحياء تعاليمه ومبادئه في مختلف مجالات الحياة، ومن استقراء التاريخ نجد ما يؤكد ذلك فيوم كان المسلمون مسلمين كانوا سادة، ويوم نبذوا هذا الإسلام وشرعوا لأنفسهم وصلوا إلى ما هم فيه، وسيظلون كذلك حتى يعودوا إلى دينهم.
وتلخص العبارة السابقة ما يمكن أن نسميه «وجهة النهضة» فهي مرهونة بالعودة إلى الإسلام في صفائه الأول، لا بالتوجه ناحية «الغرب». وهذا ما نادى به معظم رواد التجديد والإصلاح الإسلامي في العصر الحديث منذ محمد بن عبد الوهاب مرورًا بالأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان، وحسن البنا، وسيد قطب وغيرهم. فقد «انطلقوا من مبدأ التوحيد النظري بين الإسلام والمدنية» (۱) «أو النهضة» أما الأسس الجوهرية التي ينبغي التعويل عليها من أجل تحقيق تلك النهضة عمليًا، فغالبًا ما نظروا إليها نظرة أحادية تؤكد أساسًا واحدًا جوهريًا باعتباره محور القضية وما عداه فروع مكملة له، فمثلًا كان هذا الأساس عند بعضهم عقيديًا مشتقًا من عقيدة التوحيد، وكان عند بعضهم الآخر سياسيًا مستلهمًا من ضرورة السلطة الوازعة، وكان عند الآخرين أمرًا قيميًا مؤسسًا على القيم الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية (۲). وقد أدرك البعض أن تعدد علل الانحطاط يستوجب تعدد الأسس التي تقوم عليها النهضة، ومن هنا تعتبر سمة الشمول في النظر والإحاطة بالجوانب المختلفة للقضية، إحدى المحددات المنهجية في التفكير بصفة عامة، وفيما يخص قضية النهضة المنشودة بصفة خاصة.
وليس من المهم الآن الدخول في تفاصيل تفنيد الاتجاهات غير الإسلامية التي جعلت الغرب قبلة لها، فقد ثبت لمعظم أصحاب تلك الاتجاهات أنفسهم خطأ توجهاتهم نحو الغرب وتذكرهم للإسلام. إن المهم هنا هو بيان التصورات الفكرية الخاصة بالأسس والدعائم التي تشكل في مجموعها شروطًا لتحقيق النهضة. ويمكن تقسيم تلك الأسس إلى روحية ومادية، وتقسيم الدعائم إلى فكرية وسياسية.
الأسس الروحية والمادية للنهضة
إن علينا أن نولي اهتمامًا كبيرًا للجوانب الروحية والمادية معًا، كأسس لازمة للنهضة، وذلك في مواجهة الأفكار التي تروجها الاتجاهات العلمانية الداعية لاقتفاء أثر الغرب في كل شيء، حتى في الفصل بين الناحيتين المادية والروحية إن الأمة تحتاج في نهضتها إلى الإيمان القوى.. المرتكز على قواعد ثابتة من روحها ونظريتها. وإلى القوة المادية التي يظهر بها هذا الإيمان فيعرب للناس عن وجوده ويبرهن للخصوم على قوته وثباته (۳).
ويشمل الجانب الروحي كأساس للنهضة مجموعة من الأخلاقيات والفضائل النفسية كلها ترتبط وتصدر عن «الإيمان بالله» هذا الإيمان الذي يقتضي الإيمان بعظمة الرسالة الإسلامية والاعتزاز باعتناقها، والأمل في تأييد الله لأهلها.
ولهذا فإن من المهم تبديد مشاعر اليأس لدى المسلمين وترسيخ الأمل في نفوسهم والعبر التي أشار إليها القرآن والتي نبهت إليها السنة وكذلك عبر التاريخ وسنن الاجتماع، كلها تؤكد ما ذكرنا فالقرآن يضع اليأس في مرتبة الكفر، وكذلك يقرن القنوط بالضلال قال﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: 56) وإن القرآن ليقرره ناموسًا كونيًا لا يتبدل ونظامًا ربانيًا لا يتغير أن الأيام دول بين الناس وأن القوي «الغرب الآن» لن يستمر على قوته أبد الدهر، والضعيف «أمة المسلمين» الآن لن يدوم عليه ضعفه مدى الحياة ولكنها أدوار وأطوار تعترض الأمم والشعوب كما تعترض الأحاد من الأفراد.
ومن الأخلاق المرتبطة بالجانب الروحي والتي يجب أن يتحلى بها إنسان النهضة الإسلامية المنشودة «خلق الصبر»، وهو أول اللبنات القوية في بناء الأمم الناهضة، وذلك هو السر في أن الله فرضه على المؤمنين وأمرهم به «فلا نهوض إلا بعزيمة ولا نصر إلا مع الصبر» (٤). إن تلك الأخلاق وغيرها من الفضائل لن تأتي من «الغرب». صاحب المدنية الحديثة إذ إنه مفتقر إليها أصلًا. وإنما مصدرها الوحيد بالنسبة لشعوب الأمة العربية والإسلامية هو «الإسلام»
وإذا كنا نرى ضرورة قيام النهضة على أسس تجمع بين الروح والمادة، فإن أنصار «التغريب» مازالوا مصرين على آرائهم في ضرورة تقليد الغرب «وإلقاء قنبلة الاستسلام للأوروبي» (٥)- حسب وصف علي شريعتي . هذا في الوقت نفسه الذي سبق أن انتقد فيه كبار مفكري الغرب حضارتهم ويضجون بالشكوى من المأساة الروحية التي تعيشها المجتمعات الغربية
علينا أيضًا ألا نغفل الجانب المادي كأساس للنهضة، وأن نؤكد أهمية ارتباطه بالعوامل الروحية ومنظومة الأخلاق الفاضلة التي حض عليها الإسلام، وإذا كان كثير من الناس يظن أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب لينهض ويسابق الأمم التي سلبته حقه، فإن ذلك صحيح ومهم، ولكن أهم منه وألزم القوة الروحية من الخلق الفاضل والنفس النبيلة، والإيمان بالحقوق ومعرفتها، والإرادة الماضية في سبيل الواجب، والوفاء الذي تنبتي عليه الثقة والوحدة وعنهما تكون القوة إن العالم الإسلامي لو آمن بحقه وغير من نفسه واعتنى بقوة الروح وعني بتقويم الأخلاق لأتته وسائل القوة المادية من كل جانب وعند صحائف التاريخ الخبر اليقين.
إن التراث الروحي لأمتنا من شأنه إذا قدم بشكل صحيح أن يقيل حضارة الغرب الحديثة من عثراتها الروحية، بل إن الغرب نفسه مضطر إن عاجلًا أو أجلًا إلى الاقتباس من «روحانية الشرق»..
الهوامش
- انظر: فهمي جدعان أسس التقدم . ص ۱۸۱
- التفاصيل المتعلقة بذلك في المرجع السابق ص ١٨٥-٠٥٤١
- حسن البنا، من وظائف الأمة الناهضة، جريدة الإخوان المسلمين - ٢٦ ربيع الأول ١٣٥٥هـ .١٦ يونيه ١٩٣٦.
- حسن البناء إلى الأمة الناهضة جريدة الإخوان المسلمين ١٣ ذو القعدة ١٣٥٥ ٢٦ يناير ١٩٣٧.
- انظر علي شريعتي العودة إلى الذات ص ٦٠
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل