العنوان الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض (۷): تجديد التراث وتوحيد الثقافة
الكاتب إبراهيم غانم
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 53
نشر في العدد 1555
نشر في الصفحة 66
السبت 14-يونيو-2003
نواصل في هذه الحلقة «الأخيرة» ما بدأناه من حديث عن الدعائم الفكرية والسياسية للنهضة، وقد تحدثنا في الحلقة السابقة عن دعامتي العقل والعلم.. ونتحدث هنا عن العنصر الأخير ثم نتطرق إلى الدعائم السياسية للنهضة:
ونقصد بالتراث في هذا السياق ما تركه السلف من مؤلفات في شتى فروع العلم والمعرفة من تفسير القرآن وعلوم الحديث واللغة والأدب العربي والتاريخ والفقه والسياسة وغير ذلك وبالرغم من أهمية هذا التراث إلا أن ثمة حاجة إلى تهذيب كثير من الكتب الإسلامية القديمة وتصنيف كتب جديدة تستوعب خلاصة هذا التراث وتفي بحالة العصر الجديد الذي نحياه، وبذلك يمكننا أن نستفيد من التراث القديم وتقدمه في صورة عصرية.
اما توحيد الثقافة العامة للأمة فهو أمر لازم وشرط لا غنى عنه من شروط النهضة، ودعامة من دعاماتها إذ من الملاحظ أن هناك خلافًا صارخًا في التفكير والثقافة بين أبناء الأمة، فلا تكاد تلتقي وجهات النظر إذا دار بحث قضية من القضايا، أو أزمة من الأزمات وفي نظرنا أن أحد أسباب فقدان التجانس الفكري والثقافي هو الاتصال بأوروبا والنقل عنها بدون وعي وبتسليم كامل لها، وكان من نتيجة هذا النقل الأعمى أن نشأت ازدواجية في نوعية المؤسسات التربوية والتعليمية في بلادنا العربية والإسلامية منذ قرنين تقريبًا: فوجدت المدارس المدنية بجوار الأزهر فإذا بنا نرى سلسلتين من أنواع المدارس كل نوع منهما يهيمن على عقول وأفكار البعض يوجهها توجيهًا كثيرًا ما يكون بعيدًا عن توجيه القسم الآخر، وفي ذلك ما فيه من الخطر على أمة ناهضة لا سند لها إلا الوحدة، ولعل السبيل العملي لتوحيد الثقافة هو توحيد المدارس بمختلف أنواعها حول الفكرة الإسلامية بحيث يتم تحصيل العلم المادي المتقدم. المقتبس من الغرب. وفقًا للمبادئ والأسس الإسلامية التي توحد عقلية أبناء الأمة. ومعنى هذا أننا نرفض دعوة التغريبيين إلى توحيد المدارس عن طريق تقليد الغرب في سلخ مناهج التعليم عن الفكرة الدينية والعدول بها إلى العلمانية البحتة بحجة اللحاق بركب التقدم تارة، وبحجة التخلص من منابع الإرهاب تارة أخرى، وهي حجج داحضة في جميع الحالات.
ب- الدعائم السياسية للنهضة:
وهي دعائم تتخذ طابعًا عمليًّا تتفاعل فيه متغيرات الواقع مع أصول المبادئ الإسلامية وتوجيهاتها. ويمكن القول: إن تحقيق النهضة له أربع دعامات سياسية نوجزها في الآتي:
الحرية: فهي المدخل الأساسي الذي لا غنى عنه لإطلاق طاقات الأمة الإبداعية وتشجيع أبنائها على العمل والمبادرة والمشاركة بدلًا من الانعزال والانكفاء على الذات وحتى تتحقق الحرية لابد من قيادة واعية تتخذ الرسول ﷺ مثلًا أعلى لها؛ إن المثل الأعلى للقائد الذي تحتاجه النهضة يجب أن يكون رسول الله ﷺ كله لا كما اتخذ البعض أشخاصًا بعيدين عن قيم الإسلام كمصطفى كمال.
فالقائد المقتدي بالرسول الله ﷺ يقوم بدوره الحقيقي في إحياء الأمة، وتحقيق نهضتها، فهو يختط سبيل الإصلاح الاجتماعي والسياسي ويحدث في أمته ثورة فكرية علمية تدفع الإنسانية كلها، وليس أمته فقط إلى الأمام عدة مراحل؛ إن هذا القائد لابد أن يكون رجلًا سليم الفطرة طيب النفس ذكي الفؤاد خلق لغيره لا لنفسه، وأعد ليكون مصلحًا كريمًا فهو دقيق الحس دقيق الشعور ثائر العاطفة، يقظ العقل بعيد الآمال، كبير المطامح في الإصلاح طموح إلى المجد، كل همه أن يكون نافعًا لغيره أو أن يدفع الضر عمن سواه.
الوحدة: المقصود بالوحدة كدعامة سياسية هو أن تزول كل عوامل الفرقة التي تمزق شمل الأمة الإسلامية والوحدة في اعتقادنا شرط لازم للاستفادة من نعمة الأوطان التي تمتد من المحيط إلى المحيط وما بها من خيرات وموارد كثيرة، ولا غنى عن التكامل فيما بينها في سبيل تحقيق النهضة.
إن الوحدة مطلوبة على المستويات كافة سواء فيما يخص كل قطر من الأقطار الإسلامية أو فيما يخص وحدة هذه الأقطار جميعًا، وهذا ما سبق أن دعا إليه جمال الدين الأفغاني من ضرورة لم شمل البلدان الإسلامية في جامعة إسلامية، وفي ضوء تجارب الوحدة المريرة والفاشلة التي مرت بها الأمة فإن الطريق العملي لتحقيقها يجب أن يبدأ بأن تقرر كل أمة من أمم العالم الإسلامي الحقائق الدولية الجديدة فتهب لتأسيس نهضة شعارها النظام الإسلامي الاجتماعي في الداخل والتحرر من كل سلطان أجنبي في الخارج، والتعاون التام بين الأمم الإسلامية في جميع انحاء الأرض.
ولا يفهم من ذلك أننا نرفض الوحدة السياسية الكاملة، ولكننا نرى ضرورة التدرج في تحقيقها عبر مراحل تبدأ بالتوحيد الداخلي لكل قطر. ثم. تنشأ من خلال تعاونه مع بقية الأقطار روابط تؤدي إلى الوحدة الشاملة، ومن ثم تعود الرابطة السياسية في إطار الخلافة الإسلامية. ولن يكون شيء من هذا إلا بعد التحرر من السيطرة الاستعمارية بصورها التقليدية القديمة والمتجددة وبصورها الحديثة وما بعد الحديثة.
الاستقلال والتحرر من الاستعمار: ليس من المتصور إمكانية تحقيق النهضة في ظل استمرار السيطرة الاستعمارية على الشعوب الإسلامية، سواء كانت هذه السيطرة مباشرة وواضحة للعيان، أو كانت غير مباشرة ومتسربلة بمظاهر براقة إذ إن هذه السيطرة تقوم على استنزاف موارد البلاد وخيراتها، ولن يسمح الاستعمار بأي محاولة للنهضة في العالم الإسلامي، وفي اعتقادنا أن الاستقلال والتحرر من الاستعمار بكافة أشكاله هدف أساسي لابد من إنجازه باستخدام أساليب القوة في هذا المجال وهي– من وجهة نظرنا– قوة العلم وقوة الاقتصاد وقوة العتاد والسلاح وقوة الوحدة وفي هذه الحالة تصير الوحدة، أداة وهدفًا في الوقت نفسه لتحقيق النهضة الشاملة.
الحكم الإسلامي: ونقصد به إيجاد السلطة السياسية الوازعة؛ الأمر الذي طالما أكد أهميته رواد التجديد والإصلاح الإسلامي وفي رأينا أن النهضة تتطلب أن يكون نظام الحكم إسلاميًّا قرآنيًّا، وأن تكون الحكومة إسلامية صحيحة الإسلام صادقة الإيمان، مستقلة التفكير والتنفيذ، وتعلم حق العلم عظمة الكفر الذي بين يديها، وجلال النظام الإسلامي الذي ورثته وتؤمن بأن فيه شفاء شعبها وهداية الناس جميعًا، فإذا ما وجدت الحكومة التي تؤمن بالنظام الإسلامي وتطبقه وجدت بالتالي الدولة التي ستقود الأمة الإسلامية، وتضم شتات المسلمين لتحقيق وحدتهم واستعادة مجدهم.