العنوان الحضارة الإسلامية.. بين الواقع والمأمول
الكاتب مأمون عبدالحليم وجيه
تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013
مشاهدات 86
نشر في العدد 2043
نشر في الصفحة 44
السبت 09-مارس-2013
قيمة الأمم معقودة بقيمة ما تقدمه لأبنائها من إنجازات، وما تقدمه للحضارة الإنسانية من مساهمات، وقد قامت في الشرق والغرب حضارات إنسانية عريقة سجل التاريخ آثارها وهو يحدثنا عن الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية وحضارات الشرق الأقصى القديمة، وغير ذلك من الحضارات التي قامت وكانت بلا جدال أو مراء مشاعل تنوير في أوقاتها، ثم اعتراها الهرم والضعف والمشيب، واعتورتها عوامل التعرية والفناء؛ فدالت دولتها وانطفأت مشاعلها.
وقد عانى العالم كثيرًا من عصور الجهل والتخلف والظلام؛ حيث رقد الغرب -المزهو اليوم بحضارته وإنجازاته- في ظلام ليل دامس بهيم، عانى فيه مما نعانيه اليوم من جهل وفقر ومرض وشقاق وتخلف واختلال، وكم تخبطت أوروبا في حياة بائسة تعيسة تحت نير جهالة عمياء، وحروب أهليةٍ مزقت أحشاءها عقودًا بل قرونًا من الزمان، سماها الغربيون «عصور الظلام» «dark ages»،هيمنت على الحياة فيها لغة القهر والخرافة واستعباد الضعفاء واستغلالهم وأكل حقوقهم وأموالهم بالباطل.
الإسلام نقل المجتمع العربي في فترة وجيزة من حالة الجهالة والهمجية والحروب القبلية إلى البناء والإبداع والانطلاق
في هذا المناخ العام الملبد بغيوم الجمود والجهالة والوثنية والقهر، بزغ في الشرق فجر حضارة وليدة وضع الإسلام أسسها ولبناتها، ونهض بها المسلمون الأوائل بصدق وتجرد وإخلاص فظهرت شمس الإسلام، وتغير وجه البيئة العربية بين عشية وضحاها، وانتقل المجتمع العربي في فترة وجيزة من حالة الجهالة والهمجية والهدم والخراب والنزاع والشقاق والحروب القبلية التي أكلت الأخضر واليابس، إلى حالة البناء والإبداع والانطلاق من المحلية إلى العالمية؛ حتى رفرفت أعلام الحضارة الإسلامية فوق أقصى ربوع الصين شرقًا والأندلس غربًا؛ بفضل المبادئ والأسس التي اعتمدت عليها، وأهمها: إخلاص الدين لله، والبعد عن الهرطقة والوثنية والشعوذة، والتحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فلا طاعة المخلوق في معصية الخالق.
وهذا يعني أن قوى المجتمع وطاقاته التفت حول ما يرضي الله تعالى لا ما يرضي القائد أو الزعيم، وحول مصلحة الأمة والمجتمع لا مصلحة الطائفة أو الفرد، وكذلك نهضت هذه الحضارة على مبادئ العلم والحرية والعدالة والمساواة والتعاون والمشاركة وعدم الإقصاء والحث على الاجتهاد والإنتاج والبناء، لا الإضراب عن العمل والتعطيل والتخريب، وجعل الإسلام مكارم الأخلاق مظلةً حاكمةً للفرد في حله وترحاله.
والدستور القرآني شاهد على هذه المبادئ والقواعد الكلية الحاكمة، فأول آيات القرآن تدعو للعلم قائلة: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ(2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ(3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ(4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾ (العلق: 5:1)، وقد أطلق الإسلام العنان للعلم في التفكير والإبداع بقوله: ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ﴾ (الرحمن: 33) أي: بسلطان العلم، والدعوة إلى التفكير والتأمل في الكون والمخلوقات تدلل عليها آياتٌ كثيرةٌ جعلت الفقهاء يعدون التفكير فريضة إسلامية، وأسس ديننا للحرية، وجعلها ركنًا من أركان حضارته حتى في العقيدة بنص القرآن فـ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وجعل العدل أساسًا للحكم بين الناس فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ (النساء: ٥٨)، والمساواة قاعدة حاكمة فلا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح وهكذا أطلقت الحضارة الإسلامية العقل من قيوده ومعتقلاته وحررته من الانغلاق والجمود، وجعلت الحكمة المتمثلة في ضرورة الحفاظ على مصالح العباد والبلاد موجهًا له يحفظه من الزلل والشطط والجنوح، وهذا مما يميز الحضارة الإسلامية عن غيرها من الحضارات.
فرقة وشتات
بلغت أوج مجدها في العصرين الأموي والعباسي وانتفع العالم بها.. ثم غفل عنها أهلها وانشغل رعاتها بفتن الحياة ولهوها فأفل نجمها
بلغت الحضارة الإسلامية الغراء أوج مجدها ونضجها وازدهارها في العصرين الأموي والعباسي، وانتفع العالم بها واستضاء بأنوارها وعلومها، ثم غفل عنها أهلها وانشغل رعاتها بفين الحياة ولهوها وأطماعها، فدبت الشيخوخة في عظامها، وتصلبت شرايينها وضعف نبضها، وبدأ نجمها في الأفول واكتملت المأساة بغروب شمسها بما قدمته أيدينا من فرقة وشتات وصراع، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف وتخلف وضياع وشقاق، ما زلنا نجني حتى اليوم آثاره المدمرة في سورية والعراق والصومال ومالي، وفي مواطن كثيرة في عالمنا الإسلامي.
وعندما خفتت نجومنا ظهرت في الغرب أنوار حضارة جديدة، هي أنوار حضارة عصر الصناعة والعلم، حيث انتقلت الصناعة عندهم من عصر الفحم وطاقة البخار إلى عصر الطاقة الكهربائية والنووية والمحركات العملاقة، وانتقلت المعرفة من عصر الخرافة والهلوسة والهرطقة إلى عصر الابتكار والإبداع في الطب والهندسة وعلوم الحاسب وغزو الفضاء، بل وفي المعارف الإنسانية أيضًا، واكتفى المسلمون بمقعد المشاهدة والرضا بالتبعية والاستجداء، وتحويل بلدانهم إلى أسواق استهلاكية للمنتجات الغربية، بدلًا من المساهمة والمشاركة الفاعلة في بناء هذه الحضارة وإبداعاتها.
«الربيع العربي» أعاد الأمل في استعادة الأمجاد.. إلا أن التجربة أمامها كثير من التحديات التي تحتاج إلى جهد ومثابرة وحسن إدارة
في هذه الأجواء الحالكة، ظهرت بوادر الأمل في استعادة أمجاد الحضارة الإسلامية الغاربة بفضل تلك التحولات الكبيرة التي هبت بها رياح «الربيع العربي» في المنطقة العربية، إلا أن التجربة لم تكلل بعد بالنجاح المأمول، ومازال أمامها كثير من العقبات والمشكلات التي تحتاج إلى جهد ومثابرة وحسن إدارة للملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بطريقة حصيفة واعية، تترك الفتوى فيها لأهل العلم والخبرة والعالمين ببواطن الأمور أملًا في اجتياز العقبات، وتفويت الفرصة على خفافيش الظلام التي نهضت من كل حدب وصوب لخنق الأمل الوليد؛ حرصًا على مصالحهم وامتيازاتهم الشخصية، ورغبة في تحقيق أوهام وأضغاث أحلام كامنة تغري بعض الخفافيش بالتحرك وإيقاد نار الفتنة لإيقاف الفجر المنبلج وللحيلولة دون ظهور ما قدمته أيديهم من فساد وإجرام في حق الوطن والمواطنين، ومن ثم يصلون الليل بالنهار في محاولات مضنية مستميتة لشق عصا المجتمع، وإشعال حرائق الفتنة والشقاق، وتعطيل الإنتاج وتخريب المؤسسات لوقف عجلة البناء وإعاقة التقدم والانطلاق.. ورحم الله القائل:
متى يبلغ البنيانُ يَوماً تَمامَه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم!
لكنني على ثقة أن غرس النهضة سينمو فتيًا قويًا، وأن شجرة الحضارة الإسلامية ستضرب مرة ثانية بجذورها في الأرض وبفروعها في السماء، وستغرد طيورها بالعلم والمعرفة في سماء هذا العالم؛ ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).