; اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل.. الحقوق الخاصة للزوجة على زوجها (2 من 3) | مجلة المجتمع

العنوان اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل.. الحقوق الخاصة للزوجة على زوجها (2 من 3)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 23-أكتوبر-2010

مشاهدات 67

نشر في العدد 1924

نشر في الصفحة 46

السبت 23-أكتوبر-2010

توجب الشريعة الإسلامية على الزوج أن يعامل زوجته بالمعروف والإحسان الذي تعرفه ويألفه طبعها

التضييق في النفقة والإيذاء بالقول أو الفعل وعبوس الوجه عند اللقاء.. كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف

لا يجوز للزوج منع زوجته من زيارة والديها إلا في حالة ثبوت ضرر معتبر شرعا وبقدر تلافي الضرر

.. ومن حق الزوجة زيارة محارمها في مدد متباعدة لأن حقهم عليها في صلة الرحم أقل من حق والديها

للزوجة الحق في الإنفاق عليها بما يكفيها للطعام والشراب والمسكن والملبس والعلاج.. ولو كانت ذات مال

التفريط في الغيرة ينافي أخلاق الرجال ومروءتهم.. وقد يؤدي إلى خلق سيئ تبرأ الشرع منه ألا وهو «الدياثة»

من حقوق الزوجة على زوجها:

- مراعاة فطرتها واختلاف نشأتها ونظرتها لبعض الأمور

 - الاعتدال في الغيرة عليها دون إفراط ولا تفريط

- معاملتها باللين والرفق

- تهيئة المسرات البريئة لها

بعد هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية، وتصاعد موجات «التغريب»، واجتياح «العولمة» للخصوصيات الثقافية لشعوب العالم خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، شرع الغرب في اقتحام حرماتالأسرة المسلمة، وانتهاك منظومة قيمها التي حددهاالإسلام، وصاغتها المرجعية الإسلامية.. وبدأ الغزو الفكري الغربي في صياغة منظومة قيمه في مواثيقومعاهدات أخذ في عولمتها تحت ستار «الأمم المتحدة» والمنظمات التابعة لها من خلال «مؤتمرات السكان» الدولية؛ سعيا لإحلالها محل منظومة القيم الإسلامية ولاسيما في ميدان الأسرة...

 الأمر الذي فرض على المؤسسات الإسلامية صياغة بديل في هذا المجال، وقد تحقق هذا في «ميثاق الأسرة في الإسلام».

يستكمل هذا الجزء من الميثاق الحديث عن حقوق الزوجة على زوجها من حيث المعاملة بالمعروف والإحسان، وتهيئة المسرات البريئة لها ، وحق النفقة، وذلك من خلال مادتين اثنتين.

مادة (٦٩)

المعاملة بالمعروف والإحسان

«توجب الشريعة الإسلامية على الزوج أن يعامل زوجته بالمعروف 

 والإحسان، ويتحقق ذلك بما يلي: مراعاة فطرتها واختلاف نشأتها ونظرتها لبعض الأمور ومعاملتها باللين والرفق في حلم وهـوادة، وأن يهيئ لها المسرات البريئة.. عدم منعها من زيارة والديها ومحارمها إلا في حالة ثبوت ضرر معتبر شرعا وبقدر تلافي الضرر الاعتدال في الغيرة عليها دون إفراط ولا تفريط».

تبين هذه المادة ما يجب على الزوج مراعاته في معاملته لزوجته وهو المعروف والإحسان، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ (النساء : ١٩)، قال المفسرون: أي يجب عليكم أيها المـؤمـنـون أن تحـسـنــوا عـشـرة نسائكم، بأن تكون مصاحبتكم ومخالطتكم لَهُنَّ بالمعروف الذي تعرفه وتألفه طباعهن، ولا يُستنكر شرعًا ولا عرفًا ولا مروءة، فالتضييق في النفقة والإيذاء بالقول أو الفعل وكثرة عبوس الوجه وتقطيبه عند اللقاء، كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف، سرور والغرض أن يكون كل منهما مدعاة الآخر وسبب هنائه في معيشته، والمدار في المعروف على ما تعرفه المرأة من العادات المألوفة في المجتمع ولا تنكره العقول والأخلاق القويمة، وما يليق بها بحسب طبقتها في المجتمع(١).

العشرة بالمعروف شرعاً

التعامل بهذا المعنى واجب على الأزواج كما ذكر المفسرون(۲)، والأصل في الأمر الوجوب إلا إذا قام الدليل على صرفه عن هذا الوجوب، بل إن الأدلة متضافرة على هذا المعنى ومنها حديث أبي هُرَيْرَةَ رَ اللَّه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا »«حديث صحي»، رواه مسلم وابن ماجه» والاستيصاء قبول الوصية، والمعنى أوصيكم بهن خيرا فاقبلوا وصيتي فيهنَّ (۳).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخيَارُكُمْ خِيَارُكُم لنسائهم خلقا» «حديث حسن رواه أحمد والترمذي».

وعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: قَالَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهلي» «حديث حسن، رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي».

 وقد فصّلت المادة معنى المعروف والإحسان وبيانه كالآتي:

- ففي مراعاة فطرة الزوجة واختلاف قَالَتْ:

نشأتها ونظرتها لبعض الأمور:

 عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: «مَنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلكَ؟»، فَقَالَ: «أَمَّا  إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكَ تَقُولِينَ: لا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَلْت : لا ورب إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: «أَجَلٌ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ الله مَا أَهْجُرُ إِلا اسْمَك» «حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم».

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيِّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهِي تَبْكِي فَقَالَ: «مَا يُبْكِيك؟» فَقَالَتْ : قَالَتْ لي حَفْصَةُ : إِنِّي بِنْتُ يَهُودِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لابْنَةٌ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّك لَنَبِيٍّ، وَإِنَّكَ لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَقِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ»، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةٌ» «حديث حسن، رواه الترمذي».

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضَّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ»لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ» «حديث صحيح، رواه البخاري»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَة، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طلاقها»«حديث صحيح رواه مسلم».

 وفي معاملة الزوجة باللين والرفق في حلم وهوادة:

وَرَدَ عن أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجَتْ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثَيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله : «أَنفست؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي فِي الْخَمِيلَةِ. قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ مِنْ إِنَاءِ وَاحِدِ مِنْ الْجَنَابَةِ. «حديث صحيح، رواه البخاري». وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِ اللَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ «لَا يَفْرَكُ (٥) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ

الله مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» «حديث صحيح رواه أحمد ومسلم.»

وفي تهيئة المسرات البريئة لها: 

ما ورد عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فَسَتَرَني رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زَلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهُوَ» «حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي».

 وعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَان (٦) بِمَا تَقَاوَلَتْ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ »، قَالَتْ: «وَلَيْسَتَا بِمُغَفِّيَتَيْنِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْر: «أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «يَا أَبا بكر، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا » « حديث صحيح، رواه البخاري».

 وعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةً لَمْ أَحْمَل اللَّحْمَ»وَلَمَّ أَبْدُنُ، فَقَالَ للنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا»، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: «تَعَالَيٌّ حَتَّى أَسَابِقَك»، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتْ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ للنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا»، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَى حَتَّى أُسَابِقَكِ»، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ زور يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: «هذه بتلك» «حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود».

والفقرة الثانية: تشير إلى قضية التعسّف (۹) في استعمال الحق، فعلى الزوج ألا يتعسّف في استعمال سلطته وحقه فيمنع زوجته من زيارة أهلها إلا في حالة ثبوت ضرر معتبر شرعا وبقدر تلافي الضرر، فالضرر يُزال كما تُقَرِّر القاعدة الفقهية.

 وهذا التعسف في المنع مرفوض خاصة إذا كانت الزيارة واجبة للوالدين مثلا، وذلك قياماً بواجب برّ الوالدين أو لحاجتهما إلى هذه الزيارة كما لو كانا مريضين ولا يوجد من يخدمهما سوى ابنتهما «الزوجة» فتتعهدهما بين الحين والآخر، ولا يجوز للزوج أن يمنعها من ذلك إلا لِمُسَوِّغ شرعي، وإذا منعها دون هذا المسوغ مع توافر دواعي زيارتها جاز لها أن تعصيه ولا تطيعه في هذا المنع كما ذهب الأحناف والمالكية ( ١٠).

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «استفتحُونَ مصر وهي أَرْضٌ يُسَمَّى فِيها القيراط، فَاستَوْصُوا بأهلها خيرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذمة ورحمًا»، أو قال: «ذِمَّةً وصهرا» «حديث صحيح رواه مسلم» قال العلماء: الرّحم التي لَهُمْ كَوْنُ هَاجَرَ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيه السلام مِنْهم . والصهر»: كونُ مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وفي هذا الحديث اعتبار الود والاحترام والتقدير لأهل الزوجة.

وما ذكرناه ينسحب على حق الزوجة في زيارة محارمها في مُدَدِ متباعدة؛ لأن حقهم عليها في صلة الرحم أقل من حق والديها، وتتحدّد هذه المدّد على مقتضى العرف والعادة.

والفقرة الثالثة عن الاعتدال في الغيرة عليها ، تُعَدُّ أيضًا من مفردات التعامل بالإحسان ،والمعروف والاعتدال هو التوسط والتوازن في كل الأمور دون تغليب جانب على جانب آخر، وهو من العدل الذي أمر الله به في كتابه الكريم بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بالْعَدْلِ وَالإِحْسَان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ (النحل:90)، والعدل: هو وضع كل أمر في نصابه المستحق له دون زيادة أو نقصان. والإفراط في الغيرة قد يؤدي إلى سوء الظن واتهام الآخرين - وأقربهم الزوجة بما هم براء منه؛ فيحدث ما لا تحمد عقباه من الخلاف والشقاق، ويدل عليه ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللهُ، فَأَمَّا مَا يُحِبُّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَة، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ» «حديث حسن، رواه أحمد وابن ماجه، وله شاهد من حديث أبي داود والنسائي والدارمي».

 وعن عبدالله بن عَمرو بن الْعَاصِ - رضي الله عنهما - أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِم دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بنت عُمَيْسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلكَ (۱۱)، فَذَكَرَ ذَلكَ لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «لَّمَ أَرَ إِلا خَيْرًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله قَد بَرَّأَهَا مِنْ ذَلكَ»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ـلَى الْمُنْبَر فَقَالَ: «لا يَدْخُلَنَّ رَجُل بَعْدَ يومي هَذَا عَلَى مُغِيبَة (١٢) إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أو اثنان» «حديث صحيح، رواه أحمد ومسلم». وعَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيانَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنْ يَغَارُ، وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْرًا »«حديث صحيح، رواه أحمد ومسلم والترمذي». 

وأما التفريط في الغيرة فهذا ليس من أخلاق الرجال ومروءتهم؛ بل إنه قد يؤدي إلى خُلُقٍ سَيئ تبرأ الشرع منه ألا وهو الدياثة: وهو الذي لا يغار على أهله فَيُقِرُّ ما هم عليه من فسق وفجور؛ فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُول دو الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يَنْظُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلٍ إِلَيْهِم يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقَ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ المُتَرَجِّلة، والديوث» «حديث صحيح رواه أحمد والنسائي والحاكم»، وفي رواية: «ثَلاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ : مُدِّمِنُ الخَمْر وَالْعَاقِ، وَالدِّيُوثَ الذِي يُقِرٌ فِي أَهْلِه الْخُبْثُ (۱۳) »«حديث صحيح، رواه أحمد».

• مادة(۷۰)

حق النفقة

«للزوجة - ولو كانت ذات مال - الحق في الإنفاق عليها بما يكفيها للطعام والشراب والمسكن والملبس والعلاج من الأمراض بقدر استطاعته يسرا وعشرا في غير إسراف ولا تقتير على النحو الوارد تفصيلًا في الأحكام الشرعية».

 تبين هذه المادة حقًا من حقوق المرأة على الزوج وهو حق النفقة، والمراد من النفقة هنا : «ما تحتاج إليه الزوجة من طعام وكسوة ومسكن وخدمة، وكل ما يلزم لها بحسب العرف».

واتفق الفقهاء على وجوب النفقة للزوجة مسلمة كانت أو كتابية بنكاح صحيح وهي غير ناشزة (١٤) ، وقد ثبت وجوب هذا الحق بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول:

-أما القرآن :فقول الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بَمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ (النساء:٣٤)، وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُود لَهُ رِزْقَهُنَ وَكسْوَتُهُنَ بالمَعْرُوف لا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَ وَالدة بوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَّهُ بوَلَده وَعَلَى الْوَارثَ مَثَلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فصالًا عَن تَرَاضٍ مَنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة : ۲۳۳) ، وذكر الأئمة أنَّ الآية نَصّت على وجوب نفقة الزوجات حال الولادة؛ ليدلّ على أن النفقة تجب لها حال اشتغالها عن الاستمتاع بالنفاس، لئلا يتوهم متوهم أنه لا يجب لها لعدم الاستمتاع (١٥).

وكذلك قول الله تعالى في حق المطلقات : ﴿ أَسْكُنُوهُنَ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجدكُمْ وَلا تُضَارُوهُنّ لتُضَيَقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنّ أَوْلات حَمْل فَأَنفَقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ وَأَتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفِ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ (الطلاق:٦ )،

وإذا كان ذلك في حق المطلقات في أثناء العدة فحق الزوجات أوجب.

 - وأما السنة فقول رسول الله الله في  حديث جابر رضي الله في حجة الوداع: «... وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» «حديث صحيح رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه»، قال الشافعي: «وجماع المعروف: إعفاء صاحب الحق في المؤونة من طلبه وأداؤه إليه بطيب نفس لا بضرورته إلى طلبه، ولا تأديته بإظهار الكراهية لتأديته وأيهما ترك فظلم؛ لأن مطل الغنى ظلم، ومطله تأخيره الحق (١٦)».

وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نُفَقَةً عَلَى أَهْلِه وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» «حديث صحيح رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي»، وذكر العلماء أن النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه(۱۷) .

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قالت هِنْدُ امْرَأَةُ أَبي سُفْيانَ للنبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ أَبا سُفيانَ رجُلٌ شَحِيحُ ولَيْسَ يُعْطِيني ما يَكفيني وولدي إلا ما أخُذْتُ مِنه، وهو لا يعْلَمُ، قَالَ: «خُذِي ما يكفِيكِ ووَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ» «حديث صحيح رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه». - وأما الإجماع: فقد قال الحافظ في الفتح: « وانعقد الإجماع على الوجوب »(۱۸) .

 - وأما المعقول فهو أن الشرع جعل من حقوق الزوج على زوجته القرار في البيت، فهذا يقتضي أن يتحمل الزوج النفقة؛ لأنها جعلت وقتها لزوجها ولبيتها .

وقد بينت المادة أن النفقة الزوجية لها امتیاز خاص تختلف عن بقية النفقات على الأقارب وغيرهم في أنها تجب مع استغنائها بمالها، ونفقة القريب لا تجب إلا مع إعساره وحاجته، وأيضا فإن نفقة الزوجة تجب لها مع يسار الزوج وإعساره، بخلاف نفقة الأقارب فلا تجب إلا عند يسار المنفق، وأيضا فإن نفقة الزوجة تجب لها فيما مضى إذا لم ينفق عليها في مدة ماضية، ولا يجب لقريب نفقة ماضية (١٩).

ثم بينت المادة مقدار النفقة الواجبة على الزوج لزوجته بما يكفيها على قدر استطاعته يسرًا وعسرًا في غير إسراف ولا تقتير، وقد سبق آية البقرة والطلاق في النفقة فقال العلماء في تفسيرهما : «على والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره(٢٠).»

أنواع النفقة

ثم بينت المادة أنواع النفقة، فذكرت منها

- الطعام والشراب: ويدل عليه ما رواه مُعَاوِيَةُ الْقُشَيْرِيِّ رَضى الله قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقٌّ زَوْجَة أَحَدنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعَمَهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسَوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ» «حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم»، ويدل عليه أيضا حديث هند السابق.

المسكن : ويدل عليه قول الله تعالى:

﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ [ سورة الطلاق: 6] ، وإذا كان ذلك في حق المطلقات في أثناءالعدة، فحق الزوجات أوجب.

-الملبس ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكسْوَتُهُنَّ﴾

[ البقرة: 233] ، وكذا حديثا معاوية القشيري وجابر بن عبدالله السابقان.

- العلاج من الأمراض: وهو واجب أيضًا على الزوج وإن لم يأت نص صريح

يدل عليه، ولكن يُقاس على غيره من نصوص نفقة الطعام والشراب والسكنى والملبس؛ ولأنَّ الزوج مأمور بمعاشرة زوجته بالمعروف والإحسان، وليس من المعاشرة بالمعروف تركها وهي مريضة ليعالجها غيره، والقول بغير ذلك يخالف قول الله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ

يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الروم:٢١) . (٢١)

هذا، وقد فصّل الفقهاء في أنواع هذه النفقات، فليرجع إلى مظانها من المطولات .

الهوامش

 

  1. محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج4، ص ٤٥٦ .

  2. الجصاص، أحكام القرآن، ج ۲، ص ۱۰۹ ، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جه، ص ۹۷.

  3. عبد الرحمن المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج 4، ص ٣٢٦.

  4. قال الحافظ في فتح الباري (ج)، ص۱۷۸): «المراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة.

  5. يَفْرَك : أي يكره. 

  6. وفِي رِوَايَة للبخاري: «تُدَفْفَانِ»: بِفَاءَيْنِ أَي تَضْرِبَانِ بِالدُّفْ وفِي رِوَايَة المُسْلِم تُغَنِّيَانِ بِدُف»، وفِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيُّ: بدفين.

  7. يوم بعاث : يوم وقعت فيه حرب بين الأوس والخزرج.

  8. أَحْمِلْ اللَّحْمَ : أي أصبح بدينة.

  9. التعسف هو استعمال الإنسان حقه على وجه يضر بغيره.

  10. انظر : كمال الدين بن الهمام، فتح القدير، ج ۳، ص ٣٣٥، وانظر كذلك المواق التاج والإكليل لمختصر خليل، ج 4، ص ١٨٥ .

  11. أي كره دخولهم على زوجته في غيبته .

  12.  المغيبة : من غاب عنها زوجها .

  13. الخبث : الزني.

  14. النشوز : هو معصية المرأة لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له عقد النكاح، كما لو امتنعت عن فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه .

  15. المجموع شرح المهذب، جدة مكتبة الإرشاد (د.ت)، حققه وأكمله محمد نجيب المطيعي، ج ۲۰ ، ص ۱۳۲ .

  16. الأم للشافعي، ج 5، ص ۱۰۷

  17. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج۹، ص ٦٢٣ .

  18. المرجع السابق، ج ۹، ص ٦٢٥ .

  19. انظر: ابن قيم الجوزية زاد المعاد في هدي خير العباد، القاهرة المكتبة القيمة للطباعة والنشر، (١٤١٠هـ ۱۹۸۹م)، ج 4، ص ٢٤٣، وانظر: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، الأشباه والنظائر، بيروت: دار الكتب العلمية .د.ت)، ص ٥٢٦(

  20.  إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ۱، ص ۲۹۱ .

  21.  انظر: د. عبد الكريم زيدان المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم، ج ۷، ص ١٨٤

 

الرابط المختصر :