العنوان الحكم الاشتراكي في فرَنسَا مرحلة جديدة أم خدعة انتخابية؟
الكاتب أبو بكر كربنتا
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
مشاهدات 54
نشر في العدد 682
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
- وصول الاشتراكيين إلى السلطة:
بعد معركة انتخابية اتسمت بالندية والمرارة وكثافة الناخبين نجح اليسار الفرنسي بزعامة رئيس الحزب الاشتراكي الفرنسي فرانسوا ميتران في انتخابات مايو «۱۹۸۱» ليصبح أول رئيس دولة يساري في فرنسا منذ «۲۳» سنةً، كان الحكم فيها بيد اليمين بدءًا بالجنرال ديغول عام «۱۹٥۸» وانتهاء بهزيمة جيسكار دیستان في «۱۰» مايو «۱۹۸۱». وكان من أهم أسباب فوز الاشتراكي ميتران على زعيم اليمين الوسط ديستان أن الشعب الفرنسي كان يرغب في التغيير والخروج من روتين الحكم اليميني الذي دام ربع قرن تقريبًا. كذلك كانت هنالك أسباب أخرى مباشرة ساهمت كثيرًا في سقوط دیستان شخصيًّا منها: تدهور الحالة الاقتصادية في فرنسا قبل انتهاء فترة رئاسته بسنتين، وعلاقاته المشبوهة مع الإمبراطور بوكاسا إمبراطور أفريقيا الوسطى سابقا، وكذلك علاقاته مع الاتحاد السوفيتي بعد غزوه لأفغانستان. كما أن أصوات اللوبي اليهودي في فرنسا انصبت بكاملها في كفة ميتران المعروف في الأوساط السياسية بصداقته مع إسرائيل، والتي توجها ميتران بزيارة الكيان الصهيوني بعد وصوله إلى قصر الإليزيه بفترة قصيرة؛ ليكون أول رئيس جمهورية في فرنسا يزور فلسطين المحتلة.
وصول الاشتراكيين للسلطة في فرنسا كان صدمة قوية للغرب؛ لأنه وقع في وقت كان الاتجاه العام يسير نحو اليمين في كل من بريطانيا والولايات المتحدة؛ لإعطاء الغرب فرصة لإصلاح شئونه الداخلية ومقاومة الاتحاد السوفيتي وحلفائه، بعد أن عرضت أحداث بولندا النظام الشيوعي الذي يتزعمه الاتحاد السوفيتي لخطر كبير. وقد أعرب السوفييت عن ارتياحهم بفوز ميتران، وعبروا عن ذلك بقولهم: إن اختيار الفرنسيين لميتران كان معبرًا عن رغبة الشعب الفرنسي في التغيير، وأعرب السوفييت عن أملهم في تدعيم التعاون السوفيتي الفرنسي في ظل الحكم الاشتراكي.
أما العالم العربي والإسلامي فقد أبدى حذرًا شديدًا تجاه وصول الرئيس ميتران إلى السلطة بناء على رصيده التاريخي المثقل بعلاقاته الطيبة مع اليهود من ناحية والتعديلات التشريعية التي نسبت إليه في بداية حكمه، والتي كانت تدعو إلى إلغاء الأمر الصادر من الحكومات الفرنسية السابقة، والذي كان يفرض على المؤسسات والشركات الفرنسية التقيد بأحكام المقاطعة العربية من ناحية أخرى.
- تحالف اشتراكي- شيوعي فاشل:
أول ما وصل فرانسوا ميتران إلى السلطة كلف ببير موروا المعروف باعتداله بتشكيل أول حكومة اشتراكية فرنسية من ٢٤ وزيرًا و١٨وزيرًا مفوضًا، وكانت حكومة انتقالية لم يحصل فيها الشيوعيون على أي حقيبة وزارية. وقدمت الحكومة الجديدة بتوصية من الرئيس ميتران نفسه برنامج عمل طموحًا شمل على النقاط التالية:
- إنشاء «١٥» ألف وظيفة في القطاع العام مع ٦٠ ألف وظيفة لتحسين نوعية الحياة، وتخفيض الأعباء الاجتماعية للقوى العاملة، وخفض سن التقاعد إلى ٦٠ سنةً، وخفض ساعات العمل إلى ٣٥ ساعةً في الأسبوع، ورفع الأجور مع تخفيض الفروقات بينها ورفع سقف الإعفاء من الضرائب لذوي الدخل المحدود، وفرض ضريبة ثراء على من يملك ما يزيد على «۳» ملايين فرنك فرنسي.
- إصلاح قطاع الإقراض وإعانات الإسكان وحقوق المستأجرين وبناء ١٠٠ ألف مسكن جديد.
- تقديم معونات للمزارعين وتخصيص مساحات ريفية لهم.
- إكمال بناء محطات الطاقة، وبناء محطات جديدة، وتأميم ۱۱ مجموعةً صناعيةً وجميع المصارف المالية.
- تعديل مدة رئاسة الجمهورية إلى خمس سنوات قابلة للتجديد أو إبقائها على سبع سنوات لكن غير قابلة للتجديد.
- إصلاح نظام الخدمة الوطنية والاحتفاظ بالقوة الضاربة النووية لفرنسا.
- توسيع السوق الأوروبية المشتركة، ودعم اتفاقية كامب ديفيد، والسعي لإيجاد طريق ثالث أوروبي لحل مشكلة الشرق الأوسط.
إن تحقيق هذه الآمال التي وردت في برنامج الحكومة الاشتراكية كان يحتاج إلى كون هذه الحكومة قوية وصاحب كلمة مسموعة في الجمعية الوطنية «البرلمان»، لكن الأمر بالنسبة لميتران وحكومته كان عكس ذلك تمامًا؛ حيث كانت الأغلبية البرلمانية في ذلك الوقت لا تزال في أيدي الأحزاب اليمينية، وكان مستحيلًا على ميتران أن يحكم البلاد ويقودها إلى طموحاته الجديدة، دون إحداث تغيير داخل البرلمان يؤدي إلى حصول اليسار «اشتراكيين وشيوعيين» على أغلبية تمكنه من حكم البلاد بصورة حقيقية، من هنا أقدم الرئيس ميتران السياسي المحنك على حل البرلمان استنادًا إلى المادة الثانية عشرة من الدستور الفرنسي، التي تنص على حق رئيس الجمهورية في حل البرلمان بعد استشارة رئيس الوزراء. وبعد قرار حل البرلمان - كما ذكرنا - دعا الرئيس ميتران إلى إجراء انتخابات تشريعية بهدف الفوز بأغلبية برلمانية في شهر يونيو ۱۹۸۱، الأمر الذي تتطلب منه أن يدخل في تحالف مع الحزب الشيوعي الفرنسي بزعامة جورج مارشيه أدى إلى فوز اليسار في الانتخابات بأغلبية برلمانية. وكان ثمن هذا التحالف هو دخول أربعة وزراء شيوعيين في حكومة بيير موروا الجديدة التي شكلت في أواخر يونيو ۱۹۸۱.. وقد زادت مشاركة الشيوعيين في حكومة ميتران من قلق الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية، وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا أعلنت فيه أن الروابط مع فرنسا لن تستمر على ما كانت عليه، طالما بقي الوزراء الشيوعيون في حكومة ميتران، فيما رحبت موسكو بدخول الشيوعيين في الحكومة. لكن التحالف فشل بين طريق اليسار بسبب السياسة التقشفية التي انتهجتها حكومة موروا ورفضها الحزب الشيوعي الذي قال زعيمه: إن الطبقات الشعبية هي لتي ستدفع الثمن.
- مرحلة جديدة أم خدعة انتخابية؟
رغم كل الضمانات البرلمانية التي تحققت لحكومة بيير موروا الائتلافية اليسارية؛ فإنها فشلت في تحقيق الوعود البراقة التي شملها برنامجها، بل استمرت الحالة الاقتصادية في التدهور، وتدنت قيمة الفرنك الفرنسي في الأسواق الدولية إلى الحضيض. واضطرت الحكومة إلى إعلان برنامج للتقشف وفرضت ضرائب جديدة، وأقدمت على تسريحات عمالية جماعية لتحديث قطاع الصناعة، فازداد الشعب استياء من الحكم اليساري، وعبر عن ذلك الاستياء بهبوط شعبية الحزبين الاشتراكي والشيوعي في انتخابات محلية جرت في العام الماضي. فيما ازدادت شوكة المعارضة اليمينية قوة، كما ارتفعت شعبيتها ارتفاعًا ملحوظًا. ورفضت الأوساط العمالية التعديلات التي أجراها ميتران على بعض القوانين، ومنها مشروع قانون التعليم الذي لقي معارضة شديدة من جماعات ضغط في المدارس الخاصة، التي اعتبرت مشروع القانون تعديًا على الحريات وتدخلًا في شئون قطاع التعليم الخاص، ونزل في شوارع باريس ما يزيد على مليون متظاهر ضد المشروع؛ مما دفع بالرئيس ميتران إلى سحب القانون، لكن رئيس الوزراء ببير موروا تمسك بالقانون ورفض سحبه، وكذلك وزير التعليم الذي قدم استقالته في الحال، ومن بعده اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى تقديم استقالته للرئيس ميتران الذي قبل الاستقالة على الفور، وكلف لوران فابيوس وزیر الصناعة في الوزارة المستقيلة بتشكيل الحكومة الجديدة. وهو من أصل يهودي، من أسرة كانت تمارس تجارة التحف، وقد وصفه المراقبون بالواقعية والميل إلى الاشتراكية الديمقراطية المتفتحة على الغرب الرأسمالي. كما أن فابيوس يعتبر أصغر رئيس وزراء في فرنسا منذ قرن من الزمن. هذا وقد خلت الحكومة الجديدة من الحلفاء الشيوعيين الذين صرح زعيمهم جورج مارشيه بأن حزبه لن يشترك في حكومة فابيوس؛ لأنها لن تتخلى عن سياسة التقشف التي بدأها سلفه. وقد امتنع الشيوعيون عن التصويت لدى عرض فابيوس حكومته على الجمعية الوطنية لكسب ثقتها، وقد نالت الحكومة الجديدة ثقة الجمعية الوطنية على الرغم من امتناع النواب الشيوعيين عن التصويت وعددهم ٤٦ نائبًا.
بسبب هذا الطلاق بين الاشتراكيين والشيوعيين يرى بعض المحللين أن الحكومة الاشتراكية الجديدة قد تقدم على مرحلة جديدة، تمكن الرئيس ميتران وحزبه من مراجعة حساباتهم وترتيب أوراقهم قبل الانتخابات التشريعية التي سوف تشهدها فرنسا في شهر مارس عام ۱۹۸٦، فبعد الفشل الذي مني به الحزب الاشتراكي الفرنسي في انتخابات البرلمان الأوروبي، التي جرت في الشهر الماضي لا يمكنه تحمل هزيمة مماثلة في الانتخابات التشريعية الفرنسية القادمة، التي لو حدثت فإن ميتران سيبقى بدون أغلبية برلمانية، الأمر الذي سيشجع المعارضة من الأحزاب المحافظة على عرقلة مشاريع الحكومة الاشتراكية، وقد يدفع ذلك ميتران إلى الاستقالة والدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ويكون ذلك نهاية مؤكدة للحزب الاشتراكي؛ بل لليسار الفرنسي عامة. وهذا ما دفع المراقبين إلى اعتبار اختيار ميتران للشاب التكنوقراطي فابيوس لتشكيل الحكومة الجديدة خدعة سياسية أقدم عليها ميتران المعروف بحنكته السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
أما موقف الحكومة الجديدة من القضايا العربية، وعلى رأسها قضية الشرق الأوسط وحرب الخليج، فلا يمكن أن يكون أكثر جدية من موقف سلفها، وخاصة إذا عرفنا أن رئيس الوزراء الجديد هو أحد أركان اللوبي اليهودي الذين ساهموا بشكل ملحوظ في وصول الحزب الاشتراكي إلى السلطة؛ انتقامًا من حكومة دیستان التي كانت تبدي تعاطفًا مع أغلب القضايا العربية.