العنوان الحكم الذاتي من كامب ديفيد إلى «أوسلو- ٢»
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996
مشاهدات 51
نشر في العدد 1209
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-يوليو-1996
* الحكم الذاتي مصطلح يوناني انتشر منذ القرن الخامس قبل الميلاد وطبيعته متغيرة من حالة إلى أخرى
* منذ أن دخلت العملية السلمية إلى خريطة العالم السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية برزت أشكال متعددة للحكم الذاتي تحمي الثوابت الإسرائيلية وتضيع الحقوق الفلسطينية
كثيرة هي المنعطفات التي مرت بالقضية الفلسطينية، غير أن أكثرها انعطافًا في مسارها تلك الاتفاقية التي وقعت بين الحكومة المصرية وإسرائيل بتاريخ 1979/٣/26م، والتي تعرف باتفاقية كامب ديفيد، ولم تخل الفترة الزمنية بعد كامب ديفيد من المنعطفات والمفاجآت في بعض الأحيان، حتى جاء المنعطف الأخطر في مسار القضية عندما جلست المنظمة على نفس طاولة المفاوضات التي جلس عليها أنور السادات في كامب ديفيد، وفيما قوبلت كامب ديفيد بالإدانة الشديدة من قبل الدول العربية بشكل عام والمنظمة بشكل خاص، حيث وصفت المنظمة هذه الاتفاقية بالخيانة العظمى، ووصفت أنور السادات بالعميل الأكبر للإمبريالية الأمريكية الصهيونية، باركت الدول العربية الاتفاقية الأخطر على مسار القضية واعتبرتها بمثابة سلام الشجعان، وخطوة جريئة نحو السلام الشامل في الشرق الأوسط.
وقد دعتني الاتفاقيات المطروحة لأنماط الحكم الذاتي في فلسطين إلى تفحص هذه الاتفاقيات وتتبع مسار الثوابت الإسرائيلية والثوابت الفلسطينية ومدى التزام كل طرف بها، لأخلص إلى تمسك الطرف الإسرائيلي بجميع ثوابته ورفض التنازل عن شيء منها، مقابل ذلك تنازل الطرف الفلسطيني عن معظم ثوابته وعرض البقية الباقية منها للتفاوض.
وفيما يلي عرض مختصر وسريع لاتفاقيات الحكم الذاتي المطروحة منذ كامب ديفيد وحتى الآن مع مدخل توضيحي لماهية الحكم الذاتي وسوابقه التاريخية.
الحكم الذاتي:
كلمة الحكم الذاتي «أتونوميا» Autonomy أصلها يوناني، ومعناها حكم سياسي المجموعة من البشر في تجمع مدني واحد تسن قوانينه دون أي تدخل من عناصر خارجية، وقد انتشر هذا المصطلح في اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ثم أصبح بعد ذلك مصطلحًا سياسيًا مرادفًا للسلطة المستقلة والحرية.
أما تعريف المصطلح اليوم فهو علاقة معينة لجهة سياسية أو اجتماعية تخضع لقوة سياسية أو اجتماعية أكثر شمولية واتساعًا، على أن المجموعات الدينية والعرقية أو المجموعات الثقافية والاقتصادية تحافظ على استقلالية معينة عن السلطة المركزية للحكومة.
وهناك فرق بين حكم ذاتي إقليمي يمنح المجموعة من الناس يعيشون على أرض معينة، وبين حكم ذاتي شخصي يمنح لأصحاب معتقدات معينة غير متركزين في إقليم معين لبلد ما، ولكنهم موزعون على كل مساحة البلد ومختلفون مع باقي السكان.
إن مصطلح الأتونوميا مصطلح عام وغير محدد ويستعمل للدلالة على الحكم الذاتي المحدود، ومدى التحديد، وطبيعته متغيرة من حال لأخرى، وبشكل عام يأتي تحديد الحكم الذاتي وفقًا لمجموعة الصلاحيات الممنوحة له والصلاحيات التي بقيت خارج سلطته.
أسباب الحكم الذاتي:
هناك أسباب كثيرة تدفع بأطراف القوى السياسية لإعطاء الحكم الذاتي، ويمكن الاطلاع على تلك الأسباب من خلال المعرفة بالسوابق التاريخية له فهناك قرابة ۹۱ نموذجًا لمناطق الحكم الذاتي في العالم متشكلة في ٥٢ دولة، وهذا عدد كبير إذا ما عرفنا أن عدد دول العالم يزيد عن ١٥٠ دولة.
ففي بعض الحالات يعطى الحكم الذاتي لمنطقة معينة عندما تنتقل فيها السيادة لدولة أخرى أثناء الحرب، وأقرب مثال على ذلك مدينة «مملة» الواقعة على بحر البلطيق، ففي الحرب العالمية الأولى انتقلت السيادة علنيًا من ألمانيا إلى ليتوانيا، ومنحت هذه المدينة الحكم الذاتي بقرار من الحلفاء.
وسبب آخر لمنح الحكم الذاتي هو مركزية الحكم كأن تكون مساحة الدولة كبيرة مما يصعب على السلطة المركزية متابعة وضبط السيطرة على كل مناطق الدولة، فتعطي الحكم الذاتي لبعض المناطق، وهذا مشابه إلى حد ما للوضع في الدول الفيدرالية «الاتحادية» كما في جمهورية روسيا الاتحادية، حيث توجد شعوب تحظى بالحكم الذاتي مثل جمهوريات الشيشان والأنجوش وداغستان وأدريغا وغيرها.
وسبب ثالث لمنح الحكم الذاتي هو الوحدة بين الدول، فعندما تتحد دولتان تبقى إحداهما في وضع الحكم الذاتي مثل الوحدة بين تنجانيقا وزنجبار في إفريقيا، فقد حصلت في الستينيات على استقلالهما، وفي عام ١٩٦٤م اتحدتا فيما بينهما وسميت الدولة الموحدة تنزانيا، وتحظى زنجبار بحكم ذاتي، وهناك حالات يمنح فيها الحكم الذاتي كخطوة مرحلية للحصول على الاستقلال مثل ناميبيا.
وهناك أسباب أخرى أيضًا منها أن تطالب مجموعة من السكان في منطقة معينة بالانفصال عن الدولة التي تعيش تحت سيطرتها، ولكن هذه الدولة ترفض الانفصال، فالتسوية الممكنة في هذه الحالة هي إعطاء حكم ذاتي، ومثال ذلك الأكراد في العراق الذين طالبوا بالانفصال عن العراق وتشكيل دولة كردستانية، إلا أن المفاوضات مع السلطة في بغداد أدت إلى التوصل إلى اتفاق الجزائر لسنة ١٩٧٥م الذي يمنح بموجبه الأكراد الحكم الذاتي بدلًا عن الانفصال.
أنواع الحكم الذاتي:
تتراوح أنواع الحكم الذاتي بين مناطق لها صلاحيات واسعة -بما فيها صلاحيات التشريع- ومناطق لا يتعدى فيها الحكم الذاتي الحكم الإداري فقط، وهناك نوع آخر من الحكم الذاتي هو الحكم الذاتي الشخصي الذي تقترحه إسرائيل على الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وهذا يسري فقط على أشخاص معينين وعلى سكان معينين وهم القاطنون في المنطقة المنفذ بها الحكم الذاتي، ومثال هذا النوع من الحكم يتمثل في الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والتي تضمنها منح الأقليات التي تعيش في الدول التي نشأت بعد الحرب حكمًا ذاتيًا شخصيًا في المواضيع الداخلية المختلفة مثل التعليم والدين والخدمات الاجتماعية.
وتحافظ الدولة المركزية «الأم» التي منحت الحكم الذاتي المنطقة معينة على صلاحيتها وتأثيرها من خلال الطرق التالية:
- أحقيتها في الحسم في قضية تعيين القائمين على الحكم الذاتي.
- الحفاظ على بعض الصلاحيات بيد الدولة المركزية في أمور كثيرة منها الأمن والعلاقات الخارجية والنقل البحري والبري والجوي والاتصالات والجمارك والتجارة الخارجية وما إلى ذلك.
- حق الدولة المركزية في الاعتراض على ما تقوم به سلطة الحكم الذاتي خارج صلاحياتها.
- حق الدولة المركزية في فرض عقوبات على منطقة الحكم الذاتي في حالة تجاوز هذه السلطة للصلاحيات الممنوحة لها.
الحكم الذاتي وفق كامب ديفيد:
في جلسة وقود إسرائيل ومصر والولايات المتحدة لمحادثات الحكم الذاتي التي عقدت في ١٢/١٦/ ۱۹۸۰م بفندق ميناهاوس بالقاهرة، قدم الوفد الإسرائيلي نموذجًا لمنح الحكم الذاتي الكامل للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يوضح مدى الصلاحيات ومجالات المسئولية على المجلس الإداري حسب كامب ديفيد.
وتتحدث اتفاقية كامب ديفيد المتعلقة بالحكم الذاتي عن مرحلة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات يتم فيها نقل صلاحيات الحكم العسكري والإدارة المدنية من الإسرائيليين إلى سلطة الإدارة الذاتية التي ستنتخب بشكل ديمقراطي حر من أبناء تلك المناطق الفلسطينية، على أن تقوم كل من مصر وإسرائيل والأردن وسلطة الإدارة الذاتية المنتخبة من الضفة والقطاع بالتفاوض للتوصل إلى اتفاق حول تحديد صلاحيات ومسئوليات سلطة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع، كما ويشمل الاتفاق الترتيبات لضمان الأمن الداخلي والخارجي والنظام العام وتشكيل قوة شرطة محلية قد تضم مواطنين أردنيين.
وتبدأ الفترة الانتقالية ذات السنوات الخمس عندما تقوم سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة في أسرع وقت ممكن دون أن تتأخر عن العام الثالث بعد بداية الفترة الانتقالية، وستجري المفاوضات لتحديد الوضع النهائي للضفة والقطاع وعلاقتهما مع جيرانهما، ولإبرام معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن والممثلين المنتمين لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة.
الثوابت الإسرائيلية بشأن الحكم الذاتي في ضوء كامب ديفيد:
ثمة ثوابت إسرائيلية بشأن طبيعة الحكم الذاتي في ضوء معاهدة كامب ديفيد هي:
- سلطة الحكم الذاتي ليس لها صلاحيات كاملة وليست هي صاحبة القرار حول تقرير مدى هذه الصلاحيات.
- القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية ولن يسمح بإعادة تقسيمها ولن تكون على الإطلاق مقرًا لسلطة الحكم الذاتي.
- الاستيطان اليهودي في الضفة والقطاع قانوني وليس موضوعًا للمفاوضات، ولا تتطرق معاهدة كامب ديفيد إلى الاستيطان الذي هو حسب الرؤية الإسرائيلية جزء من الأمن والاعتقادات الأيديولوجية، والاستيطان لن يكون ضمن صلاحيات المجلس الإداري.
- الصلاحيات الممنوحة لسلطة الحكم الذاتي المجلس الإداري لا تشمل إعلان قوانين لا تدخل ضمن صلاحيات المجلس.
- لا تتحدث اتفاقية كامب ديفيد عن انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق الضفة والقطاع فتواجد القوات الإسرائيلية في الضفة والقطاع أساسي، والمواضيع الأمنية ليست موضوع بحث مشترك، فإسرائيل صاحبة القرار بشأنها، وكامب ديفيد تتحدث فقط عن قوات شرطة محلية تضبط الأمور الداخلية.
- الحكم الذاتي يجب ألا يكون مقرونًا بتحديد الحدود وتطبيق السيادة.
- لن يكون الحكم الذاتي بأية حال من الأحوال مدخلًا لقيام دولة فلسطينية.
وقد توقفت المفاوضات حول الحكم الذاتي عام ۱۹۸۲م بعد أن فشلت مصر وإسرائيل في التوصل إلى اتفاق حول نموذج الحكم الذاتي، ورغم الاختلاف بين وجهات النظر فقد تم الاتفاق على عدة نقاط أهمها ما يلي:
- الحكم الذاتي يديره مجلس منتخب.
- عدم إعطاء هذا المجلس صلاحيات ذات طابع سيادي.
- للمجلس الحق في إدخال تعديلات معينة على القوانين في حالات معينة.
أما نقاط الخلاف حول طبيعة الحكم الذاتي بين مصر وإسرائيل والتي حاولت الولايات المتحدة حلها من خلال طرح حلول وسطية فيمكن إجمالها بالنقاط الآتية:
- أعطت إسرائيل المجلس الإداري صلاحيات محدودة حكم ذاتي للسكان واقترحت أن يتشكل هذا المجلس من ١٥ شخصًا، في حين طالبت مصر أن يكون جهاز الحكم الذاتي مكونًا من ۱۰۰ عضو لهم صلاحيات واسعة حكم ذاتي موسع بما فيها صلاحية تشريع القوانين، وجاء الحل الأمريكي بأن يتكون المجلس من ٥٠ عضوًا.
- أصرت إسرائيل أن يبقى تحديد الصلاحيات بيد الحكم العسكري الإسرائيلي، فيما طالبت مصر بأن يكون المجلس الإداري مصدر الصلاحيات، بينما اقترحت الولايات المتحدة أن يكون اتفاق الحكم الذاتي هو مصدر الصلاحيات.
- أرادت إسرائيل أن تكون شريكة للمجلس الإداري في السيطرة واستخدام المصادر المائية والأراضي الحكومية، وطالبت بالسيطرة التامة على هجرة اليهود العرب في حدود الحكم الذاتي، أما مصر فطالبت بأن تكون هذه المواضيع تحت سيطرة المجلس الإداري، فيما اقترحت الولايات المتحدة بأن تكون السلطة مشتركة على استخدام المياه والهجرة وتقسيم أراضي الدولة بين سلطة الحكم الذاتي والمستوطنات ومنشآت الجيش الإسرائيلي الموجودة في المناطق.
- طالبت إسرائيل باستثناء عرب شرقي القدس من موضوع الحكم الذاتي، في حين طالبت مصر أن يكون سكان القدس الشرقية جزءًا من الحكم الذاتي، بينما اقترحت الولايات المتحدة إعطاء الحق لسكان القدس الشرقية في التصويت لمؤسسات الحكم الذاتي.
ستكون إسرائيل بموجب كامب ديفيد هي المسئولة عن أمن المناطق الضفة والقطاع. وستسحب قواتها إلى خارج المدن إلى مناطق أمنية متفق عليها، وطالبت إسرائيل بصلاحيات نشر قوات داخل المناطق حسب ما تراه فيما طالبت مصر أن يكون أي تحرك للقوات الإسرائيلية بحاجة إلى موافقة مجلس الحكم الذاتي، أما الولايات المتحدة فاقترحت أن يكون التحرك العسكري الإسرائيلي لمواجهة قوات عسكرية معادية حق مطلق الإسرائيل وهي صاحب القرار الوحيد بشأنه.
كانت إسرائيل -بقيادة حزب الليكود- متمسكة بكامب ديفيد، وأن يكون الحكم الذاتي وفق هذه الاتفاقات، وقد أوضح رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إسحاق شامير ذلك مرارًا، كما أن مبادرته التي طرحها في مايو «أيار» ۱۹۸۹م والتي نالت -آنذاك- موافقة حزب العمل «حكومة الوحدة الوطنية الثانية تتحدث عن سلطة ذاتية لها صلاحيات داخلية عدا صلاحيات الأمن الخارجية والاستيطان».
الأنماط المقترحة لإدارة الحكم الذاتي:
منذ أن دخلت العملية السلمية، إلى خريطة العالم السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية برزت هناك عدة أشكال للحكم الذاتي الفلسطيني المقترح أهمها ثلاثة اشكال هي:
- ما طرح في كامب ديفيد، ولقد ذكرنا تفاصيله ضمن الثوابت الإسرائيلية، وملخصه أن يكون حكمًا ذاتيًا يديره مجلس منتخب ليس له صلاحيات مطلقة ولا يؤدي لقيام دولة مستقلة.
- ما طالبت به مصر في كامب ديفيد، وهو الحكم الذاتي الموسع الذي يعطي للفلسطينيين صلاحيات واسعة تشمل استخدام رموز وشعارات وطنية -لكن دون أي معنى سيادي- والسيطرة على الأراضي الحكومية غير المستخدمة من قبل الجيش الإسرائيلي أو المستوطنات اليهودية، والسيطرة المشتركة مع إسرائيل على استخدام المصادر المائية وعلى الجمارك وهجرة اليهود والعرب إلى داخل حدود كامب ديفيد من حيث مدة بدء المفاوضات حول الوضع الدائم للمناطق، وانتشار القوات الإسرائيلية.
- حكم ذاتي من جانب واحد «إسرائيل» أي فرض الحكم الذاتي دون إدارة مفاوضات مع الفلسطينيين، وكان موشيه ديان أول من اقترح مثل هذا النوع من الحكم الذاتي، وقد حاول حزب العمل عام ١٩٧٦م البدء بمراحل تنفيذه من خلال إجراء انتخابات للبلديات والمجالس القروية، إلا أن نتائج هذه الانتخابات وضعت حدا لهذه الفكرة ويتمثل هذا الاقتراح الذي كان يطرح بين الفترة والأخرى بـإخلاء إسرائيل -برضاها- أجهزة الإدارة والخدمات التي تقدمها لأماكن محدودة في المناطق، والسماح للسكان الفلسطينيين بإقامة وإدارة مؤسسات بديلة دون أية مفاوضات ولإسرائيل الحق في التدخل أو إعادة الوضع إلى سابق عهده في حالة سوء استغلال هذا الحكم الذاتي، ولقد تراجع هذا النمط من الحكم الذاتي لغياب شركاء للمفاوضات، وبقي الخياران الأوليان الحكم الذاتي بموجب كامب ديفيد، والحكم الذاتي الموسع- هما الخياران المطروحان على طاولة المفاوضات.
الحكم الذاتي في ضوء أوسلو 1:
لم تنجح المحادثات في مدريد لانسحاب المفاوض السوري ثم لتشدد الطرف الإسرائيلي غير أن مدريد كانت بوابة المحادثات السرية الفلسطينية الإسرائيلية، حيث نجح المفاوض الفلسطيني في الاستقلالية في العملية السلمية بعد أن كان جزءًا من الوفد الأردني المفاوض، فبدأت محادثات سرية في أوسلو وجنيف أسفرت عن معاهدة أوسلو ١٠، وجاءت محادثات طابا خطوة استكمالية لمشروع الحكم الذاتي «غزة- أريحا أولًا» والحقيقة أن الطرح الإسرائيلي منذ كامب ديفيد إلى أوسلو.
لم يتغير كثيرًا، بل حافظ على ثوابته بتغيير بعض العبارات، أو حتى بتقديم فقرات على حساب فقرات أخرى، لكنه واحد من حيث المضمون والمطالب، إلا أنه ظفر بمكسب عظيم من كامب ديفيد إلى أوسلو هو الاعتراف الرسمي.
لقد بدأ مشروع الحكم الذاتي «غزة- أريحا أولًا» في يناير «كانون الثاني» ۱۹۹۳م حينما تلقت المنظمة أول رد إسرائيلي على طلب سابق للمنظمة بإجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين، وقامت القاهرة بنقل الطلب والرد كما استضافت الحكومة المصرية عدة لقاءات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وكان ذلك تحت عين الإدارة الأمريكية التي قدمت اقتراحًا بنقل المفاوضات السرية بين المنظمة وإسرائيل إلى «أوسلو»، وكان منطق الإدارة الكلينتونية في ذلك أن هذا النقل يضمن استمرار إمساك أمريكا بأوراق التسوية في الشرق الأوسط، إذ إن النرويج لا تطمح بأي دور في المنطقة مقارنة ببقية الدول الأوروبية، وهو نفس المنطق الذي اعتمدته إدارة بوش في اختيار مدريد للمؤتمر الدولي.
قراءة النصوص المتداولة للاتفاقيات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الاتفاق صيغ بأسلوب بارع يضمن للطرف الصهيوني القدرة على التفلت من الالتزامات التي يتوهمها الطرف الفلسطيني، كما تناولت النصوص وبشكل محدد أسس الصراع في المنطقة على قاعدة إنهاء حالة الحرب والتخلي عن السلاح والفكر الذي يحمله لتحقيق أي أهداف أو أمان سياسية، ولعل الأخطر من ذلك إلزام المنظمة بالتخلي عن هدفها وأسلوبها الاستراتيجي في التعامل مع القضية الفلسطينية عبر تعديل الميثاق الوطني بإلغاء ما ورد فيه من مضامين عدائية الإسرائيل وإسقاط الكفاح المسلح وشطب ما يتعلق بالعمل على تحرير الدولة اليهودية.
ويحمل الاتفاق معنى خطيرًا يتمثل بتغيير معادلات الصراع الأساسية في المنطقة والقائمة على وحدة الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية في مواجهة العدو اليهودي المشترك وأبرز ما في هذا التغيير هو نقل الصراع إلى داخل الشعب الفلسطيني والأمة العربية، لتصبح المعركة مع العدو أو مصارعته -حتى السياسية والفكرية- أمرًا ثانويًا أمام الأخطار الداخلية المتوهمة من القوى المناهضة في الأمة وبالذات من قبل التيارات الإسلامية.
إن مثل هذا الواقع الجديد يعني أن فئة من الأمة قد أصبحت حليفًا حقيقيًا للعدو ومدافعًا عن أمنه واستقراره وسلامة جنوده ومواطنيه، وبذلك يكون العدو قد نجح ببراعة في أن يكون لاعبًا رئيسيًا في المنطقة بل وفي الساحات التي كانت بالأمس مصدر خطر كبير عليه.
الحكم الذاتي وفق اتفاق طابا « أوسلو- ٢»:
بعد مماطلة استمرت ١٤ شهرًا أفرج الجانب الإسرائيلي عن الشق الثاني من اتفاق أوسلو، وتم توصل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى اتفاق طابا الذي وقع في البيت الأبيض يوم 1995/٩/28م، وقد جاء في ديباجة هذا الاتفاق الذي يعتبر استكمالًا لعملية السلام التي بدأت في مدريد عام ۱۹۹۱م بأن غاية المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية هي حل دائم يقوم على أساس قراري مجلس الأمن رقم ٢٤٢ و ۳۳۸ وأن المفاوضات بشأن الوضع النهائي سوف تستأنف بعد الانتخابات الإسرائيلية، والقضايا التي سوف تطرح في الحل النهائي هي القدس اللاجئون عودة النازحين الاستيطان الحدود الترتيبات الأمنية النهائية المياه الخليل، وأهم بنود هذا الاتفاق كما يلي:
- السلطة سوف تنقل إسرائيل الصلاحيات والمسئوليات من الحكم العسكري والإدارة المدنية إلى مجلس الحكم الذاتي المنتخب وهذه الصلاحيات محددة ومبينة في هذا الاتفاق.
- هيكلية المجلس يتألف المجلس الفلسطيني من ۸۲ عضوًا مضافا إليهم رئيس السلطة التنفيذية ويشكل المجلس الفلسطيني سلطة الحكم الذاتي ويملك المجلس السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أن هذا المجلس سينتخب من قبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وسيكون تنظيم هذا المجلس وهيكليته وكيفية عمله متسقة مع هذا الاتفاق ومع القانون الأساسي لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، كما سيكون المجلس مسئولًا بمقتضى سلطاته التنفيذية عن المكاتب والدوائر المنقولة إليه، ويجوز له ضمن إطار ولايته أن يشكل وزارات وهيئات تابعة له.
- صلاحيات المجلس ومسئولياته سيكون للمجلس ضمن إطار ولايته صلاحيات تشريعية وتنفيذية، وتمتد الصلاحية التنفيذية للمجلس الفلسطيني لتشمل صلاحية صوغ السياسات الفلسطينية ومباشرتها والإشراف على تنفيذها وإصدار الشهادات والرخص والوثائق ولن يكون للمجلس صلاحيات ومسئوليات في مجال العلاقات الخارجية، ذلك المجال الذي يضم إقامة سفارات وقنصليات أو سوى ذلك من أنواع البعثات والمراكز الأجنبية في الخارج أو السماح بإقامتها في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو تعيين اعتماد الموظفين وممارسة الوظائف الدبلوماسية.
- إعادة الانتشار والترتيبات الأمنية وتشمل المرحلة الأولى من إعادة انتشار القوات العسكرية الإسرائيلية في المناطق الآهلة في الضفة الغربية والمدن والبلدات والقرى ومخيمات اللاجئين كما يبدأ المزيد من إعادة انتشار القوات العسكرية الإسرائيلية في مناطق عسكرية محدودة بعد تولية المجلس، وتطبق بالتدريج على نحو متزامن مع تولي الشرطة الفلسطينية مهمات النظام العام والأمن الداخلي، كما أن إسرائيل سوف تستمر في تولي مهمة الأمن الخارجي إضافة إلى مهمة أمن الإسرائيليين العام من أجل الحفاظ على أمنهم الداخلي والنظام العام.
(*) باحث وأكاديمي متخصص في الشؤون الفلسطينية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل