; الحكم الذاتي من كامب ديفيد إلى «أوسلو- 2» (2 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان الحكم الذاتي من كامب ديفيد إلى «أوسلو- 2» (2 من 2)

الكاتب سمير شطارة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996

مشاهدات 70

نشر في العدد 1210

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 30-يوليو-1996

  • لقد سارت العملية وفق هوى الإسرائيليين منذ مخاضها وحتى ولادتها لحكم ذاتي مشوه.

الشعب الفلسطيني كغيره من الشعوب يريد السلام ويطالب بتحقيقه، ولقد أعلن ذلك مرارًا، غير أن الشعب لا يملك مقومات التفاوض والحوار للوصول إلى هذا الطلب، ولوجود ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني متمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، قامت المنظمة منذ وقت مبكر للقضية بقيادة الشعب، وعلى ذلك فلم تكن قرارتها دائمًا تعبيرًا عن الموقف الحقيقي للشعب الفلسطيني، إلا أنها تعبر بشكل واضح عن ثوابت الموقف الفلسطيني «المنظمة» بعيدًا عن الصياغة السياسية الرسمية الشعبية، ولقد ظهر استعداد المنظمة بوضوح للتعامل بمرونة مع الواقع العربي والدولي.

إن الموقف السياسي لمنظمة التحرير- كغيرها من الأطراف العربية- قد مر عبر التاريخ السياسي للصراع العربي الإسرائيلي بمراحل متعددة ومنعطفات سياسية مختلفة التأثير على مسار الصراع، ولعل من أخطر هذه المنعطفات في مسار المنظمة كان الخروج الفلسطيني من بيروت إثر الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982م، الأمر الذي كان له أثر كبير في إعادة صياغة إستراتيجية المنظمة وزاد من نفوذ «المعتدلين!!» في صفوف القيادة الفلسطينية، ما أدى إلى تفشِّي طريقة التفكير بصوت مرتفع داخل صفوف المنظمة مطالبة بالتفكير الجاد بالنظر إلى الأمور بواقعية وتبني الخط السياسي كإستراتيجية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرض والحصول على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.

ولقد ساهم تسارع الأحداث على الساحتين العربية والفلسطينية في بلورة الموقف الفلسطيني الجديد، فكانت الانتفاضة سندًا قويًّا لأولئك المعتدلين لاستثمارها سياسيًّا، وعزز هذا الأمر قرار الأردن بفك الارتباط السياسي والإداري مع الضفة الغربية عام 1988م مما أوجد فراغًا سياسيًّا، إضافة إلى حملات الترغيب المقدمة من الدول الصديقة والشقيقة فضلًا عن الضغوطات الداخلية والخارجية.. فكان هذا كله البوتقة التي تشكل في داخلها الموقف السياسي الجديد للمنظمة للصراع وإستراتيجيتها في التحرير وإدارة هذا الصراع، فكانت قرارات الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني المنعقد في الجزائر عام 1988م وما تبعها من مواقف كخطاب ياسر عرفات في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في جنيف ومؤتمره الصحفي بعد الجمعية، تعبر بشكل واضح عن موقف سياسي جديد بثوابت جديدة.

وبعد هذه التطوافة يظهر لدينا أن هناك مراحل مرت بالموقف الفلسطيني، حيث إن الثوابت ما عادت ثوابت وأصبحت لكل مرحلة ثوابت، وتشكلت إستراتيجيات جديدة.. ويمكننا تقسيم المراحل التي مرت بها الثوابت الفلسطينية إلى ثلاث مراحل:

الأولى: وتتمثل في مطالبة المنظمة باسترداد ما تم اغتصابه واستعادة جميع الحقوق السياسية والاجتماعية والإنسانية وإعادة جميع الأراضي المحتلة، ولقد جاء الميثاق الوطني عام 1968م صريحًا بمطالبته بجميع الحقوق وإلا فسوف يكون البديل الوحيد هو «الكفاح المسلح»، وبذلك يكون هو البديل الإستراتيجي وليس التكتيكي لاسترداد جميع حقوقه الإنسانية والسياسية، كما اعتبرت المنظمة معاهدة كامب ديفيد آنذاك خيانة عظمى ومؤامرة على القضية ومجرياتها.

الثانية: بدت هذه المرحلة واضحة تقريبا عام 1982م عند انسحاب المنظمة من لبنان وامتطاء أصحاب الميول السياسي أمثال ياسر عرفات، وبسام أبو شريف، ونبيل شعث، وياسر عبدربه وغيرهم في تغيير الثوابت العسكرية إلى ثوابت سياسية، مستثمرين بعض المستجدات مثل الانتفاضة لصالح العملية السلمية.

الثالثة: وكانت ببداية العملية السلمية، حيث بدأ المفاوضون الفلسطينيون بتقديم حزمات كبيرة من التنازلات، وهذه المرحلة هي الأكثر ميوعة وتفريطًا في مسار القضية الفلسطينية، حيث شهد عاما 95، 96 أسوأ مرحلة من مراحل القضية من حيث التنازلات، فقد جرى الاعتراف الرسمي بالكيان الصهيوني، ثم إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني وهو الأخطر حيث شطب نضال وكفاح أكثر من 25 عامًا، وشطبت بذلك الحدود وأكثر الحقوق الفلسطينية.

الحكم الذاتي في ضوء فوز نتنياهو 

بعد فوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية، بدت في أذهان كثير من الناس صورة قاتمة لوضع العملية السلمية ولمستقبل الحكم الذاتي الفلسطيني، ولكن قد يخطئ من يظن ذلك، فكلا القطبين «بيريز- نتنياهو» قد خدم سير العملية السلمية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فكلاهما وجه لعملة واحدة، ومما يدلل بوضوح على هذا المنطق تلك المناظرة التليفزيونية التي أقامها التليفزيون الإسرائيلي قبل يوم واحد فقط من الانتخابات، فلم يستطع نتنياهو إحراج بيريز بأي شيء مناف للعقيدة اليهودية مثلًا أو لطبيعة النظرة السياسية، فالطرح الذي طرحه نتنياهو قريب جدًّا من طرح بيريز، ولم يختلفا إلا من حيث تكتيك سير العملية السلمية.

فالمتتبع لسير العملية السلمية منذ مخاضها إلى أن ولدت حكمًا ذاتيًا مشوهًا يرى بوضوح أن مسارها سار وفق ما أراده الإسرائيليون، فلقد تفرس ميدان السلام رابين- بيريز، ومن الطبيعي أن يبدأ المفاوضات حزب العمل الأكثر ليونة عند البعض، ثم لتنتهي الكرة في ملعب الليكود في وقت مناسب حيث اقتراب الحل النهائي لصياغة الحكم الذاتي، ولكي لا تقدم الحكومة الإسرائيلية المزيد من التنازلات مررت العملية السلمية ببراعة إلى ملعب الليكود الذي جاء ليحسم الوضع النهائي للحكم الذاتي، ففي أول يوم يعلن فيه رسميًّا فوز نتنياهو حدد طبيعة المرحلة القادمة للحكم الذاتي والعملية السلمية، فلا تراجع عن العملية السلمية في مقابل عدم الانسحاب من الخليل، ثم لن يكون الحكم الذاتي بوابة لدولة مستقلة، كما أنه لا تنازل عن القدس الموحدة التي هي عاصمة أبدية لإسرائيل، ولا انسحاب من الجولان التي تمثل لإسرائيل منطقة أمنية حساسة، إضافة إلى تعهده بالمزيد من عمليات الاستيطان وتعزيزها ورفض تفكيك أية مستوطنة، فالحكم الذاتي سوف يبقى بمواصفات تحددها إسرائيل، والسلطة الفلسطينية لن تملك إلا تقديم حزمة جديدة من التنازلات.

م

المضمون

وفق معاهد كامب ديفيد

الجانب الفلسطيني

الجانب المصري

الجانبي الإسرائيلي

 

وفق معاهدة «غزة أريحا أولا»

الجانب الفلسطيني

الجانب الإسرائيلي

 

موقف نتنياهو بعد فوزه بالانتخابات

1

طبيعة الحكم الذاتي

رفض معاهد كامب ديفيد واعبتارها خيانة عظمى للقضية الفلسطينية

اتفق الجانبان المصري والإسرائيلي على طبيعة الحكم الذاتي: يديره مجلس منتخب ليس له صلاحيات ذات طابع سيادي.

سياسي له سلطات تشريعية منتخبة وتنفيذية وقضائية

إداري وظيفي فقط

إداري وظيفي فقط

2

نطاق السلطة

حكم ذاتي موسع

حكم ذاتي للسكان فقط

السكان وكل شئون حياتهم والأرض والموارد الطبيعية والفضاء الهوائي والمياه  

السكان وليس الأرض

السكان وليس الأرض

3

القدس

اعتبارها أرض محتلة ولا بد من الانسحاب منها 

عاصمة أبدية لـ «إسرائيل»

اعتبار القدس الشرقية فقط أرض محتلة ولا بد أن تنسحب «إسرائيل» منها

عاصمة أبدية موحدة لـ «إسرائيل»

عاصمة أبدية موحدة لـ «إسرائيل»

4

وضع   قوات الاحتلال

تنحسب على حدود قرار 242 الضفة الغربية وقطاع غزة

لا تنسحب للمحافظة على أمن المستوطنات

تنحسب على مراحل لنقاط إعادة الانتشار على طوال حدود الأراضي الفلسطينية

تبقى على وضعها

لا انسحاب من الخليل

5

الاستيطان

ليس مشروع في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ويجب وقفه

حق للإسرائيليين 

غير مشروع ويجب وقفه 

حق للإسرائيل

زيادة الاستيطان

 

6

الدفاع الخارجي

يمكن للحكم الذاتي طلب مساعدة

مهمة «إسرائيل» 

يمكن للسلطة الفلسطينية طلب مساعدة قوات الأمم المتحدة

مهمة «إسرائيل» 

مهمة «إسرائيل»

7

الشئون الخارجية

يحق للحكم الذاتي عقد اتفاقات دون تدخل «إسرائيل»

القرار بيد «إسرائيل»

يحق للسلطة الفلسطينية عقد اتفاقات بدون تدخل «إسرائيل»

مهمة «إسرائيل»

مهمة «إسرائيل»

8

المستوطنات القائمة

تتوقف

السعي لزيادتها والحفاظ على أمنها

لا تتوسع 

تبقى تابعة لـ«إسرائيل»

توسيع المستوطنات

9

الأمن الداخلي

تحرك القوات الإسرائيلية يحتاج لموافقة الحكم الذاتي

لـ«إسرائيل» الحق في التحرك العسكري وهي صاحبة القرار

إنشاء قوة شرطة تابعة لسلطة الحكم الذاتي

تنسق «إسرائيل» مع قوات شرطة محلية

مهمة الجيش الإسرائيل

10

فلسطينو الشتات

عودة النازحين عام 1967م

لا اعتراف بحقوقهم

الموافقة على طلبات «لم الشمل» القائمة وعودة النازحين منذ 1967/6/5

لا اعتراف بحقوقهم

لا اعتراف بحقوقهم

وبنظرة عامة يمكننا إجمال الحقائق التالية حول تطبيق الحكم الذاتي الناجمة عن معاهدات الصلح من كامب ديفيد إلى «أوسلو- 2» وهي:

1-الاستيطان: تأتي فكرة الاستيطان من الحلم الإسرائيلي الكبير، ولكي يتحقق حلم «أرض إسرائيل الكبرى» بدأت المستوطنات في الانتشار متوزعة في أنحاء فلسطين كلها، ولقد لعبت المستوطنات دورًا عسكريًّا في الاعتداءات والمعارك ضد أبناء الشعب الفلسطيني قبل وخلال حرب عام 1948م، ولذلك حرص الكيان الصهيوني على عدم إدراج بند المستوطنات في المفاوضات وتأجيلها إلى المفاوضات النهائية، كما أن الاستيطان هو حجر الزواية في ترسيخ أقدام إسرائيل في فلسطين، والتخلي عنه يعتبر بداية النهاية للكيان الصهيوني.

2-الوجود العسكري: ستستمر إسرائيل في التواجد العسكري في المناطق المحتلة ويجمع قادة إسرائيل على أنه لا يمكن الانسحاب إلى حدود عام 1967م، وأن غور الأردن الحدودي يعد شريطًا حيويًّا لأمن إسرائيل، ولا يعتبر انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة بالسكان إلى نقاط إعادة الانتشار تحريرًا لأي من الأراضي المحتلة، فالسيادة ستكون لإسرائيل على هذه الأراضي، فقد أصرت إسرائيل على حقها في ملاحقة كل من ينتهك أمنها أو أمن المستوطنات القائمة، ولقد دخلت القوات الإسرائيلية إلى غزة مرارًا لاعتقال بعض أعضاء «حماس» في الآونة الأخيرة، كما ستقوم إسرائيل بتحمل المسئولية الأمنية تجاه المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة والطرق المؤدية إلى هذه المستوطنات.

3-المياه: شكلت قضية المياه عاملًا ثابتًا في الإستراتيجية الإسرائيلية على الصعيدين العقدي والسياسي، فقد أدرجتها الحكومات الإسرائيلية بعد ذلك في مجمل مؤتمراتها ولقاءاتها.

4-القدس: التقت كافة الاتجاهات السياسية الإسرائيلية على أن القدس هي العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل، وهذا ثابت من الثوابت الإسرائيلية ما فتئوا يؤكدون على التمسك به وعدم إمكانية تغييره تحت أي ظرف من الظروف.

خلاصة

ما من شك أن الحكم الذاتي قد يكون مطمحًا لبعض الشعوب الخاضعة للاحتلال أملًا في أن يوصل هذا الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة يمارسوا فيها جميع حقوقهم الإنسانية والاجتماعية بعيدًا عن الظلم الحاصل من الاحتلال، أما ما حدث في صورة الحكم الذاتي الفلسطيني إنما هو مسخ حقيقي لأية قيمة عظيمة من قيم الحكم الذاتي.

ويدرك الكيان الصهيوني أنه لا يمكن إنهاء حالة الصراع العربي- الصهيوني دون إيجاد حل للقضية الفلسطينية إلا أنه قد وضع لهذا الحل شروطًا أهمها:

- ألا يكون الحكم الذاتي على حساب الثوابت الصهيونية المتضمنة رفض الانسحاب وإقامة دولة فلسطينية مستقلة والتفاوض حول القدس.

-أن يمثل مرحلة في الإستراتيجية الصهيونية التي تقوم على التوسع في الأرض العربية والنفوذ على الإنسان والموارد العربية.

- أن يحظى هذا الحل بقبول فلسطيني، بل أن يصبح جزءًا من البرنامج السياسي الفلسطيني، وأن يحظى بالمباركة العربية.

فقد طرح الكيان الصهيوني فكرة الحكم الذاتي منذ عدة عقود كحل للقضية الفلسطينية، فكان مشروع إيجال ألون بعد حرب يونيو «حزيران» 1967م، وتتابعت بعدها المضامين المختلفة لهذه الفكرة حتى كان آخرها مشروع شامير عام 1989م الذي يعتبر الآن التصور الصهيوني لحل القضية الفلسطينية، وهو الأكثر ظلمًا للشعب الفلسطيني من مشروع الحكم الذاتي الوارد في اتفاقيات كامب ديفيد.

الرابط المختصر :