; الحكومة الخفية.. وموجبات حجب «الجزيرة» المتآمرة! | مجلة المجتمع

العنوان الحكومة الخفية.. وموجبات حجب «الجزيرة» المتآمرة!

الكاتب عطية الويشي

تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012

مشاهدات 51

نشر في العدد 1985

نشر في الصفحة 40

الجمعة 20-يناير-2012

 قرار حكومة مصر الخفية بإغلاق مكتب قناة الجزيرة مصر، ترك صدى مريحًا لتلك الصدور التي تغلي ضد الجزيرة، والبلد الذي تبث منه

 القرار يعكس طريقة الحكومة الخفية لرد جميل الجزيرة التي كانت بمثابة الخلاص من النفق المظلم الذي عاشت فيه نصف قرن

سأبني الفرضية الرئيسة لهذه المقالة على أهمية النظر إلى شبكة الجزيرة، باعتبارها قناة - وإن كانت فضائية - لكنها تبت من الأرض لا من السماء! فهي ليست وحيًا يوحى، ومنتسبوها ليسوا من الملائكة! فقولهم من قول البشر وقد ينطقون عن الهوى، ومن ثم يؤخذ منهم ويرد!

ولعلنا نعترف غاية ما أو نتفق من حيث المبدأ أن من وراء خروجنا في كنا نطمح إليه مظاهرات الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١م أن تتغير حكومة أو تتعدل مادة أو بضعة مواد في الدستور المصري؛ فتستقيم بعدها مسيرة الأداء السياسي وتتقدم خطوة إلى الأمام على طريق الانعتاق من نفق الفساد الذي أظلم مصر والمنطقة من حولها .. لكننا لاحظنا مدًا متناميًا وتناديًا جماهيريًا حثيثًا، قد تبلور شيئًا فشيئًا حتى انتهى إلى زخم ثوري هائل، ما لبث أن ارتفع سقف مطالبة إلى ما عايناه وعايشناه جميعا من حلم.

تغطية الحدث

وكان طبيعيًا أن تهرع وسائل الإعلام إلى تغطية هذا الحدث الفريد، بما يعكسه من أهمية كبرى وتداعيات إقليمية ودولية قد تتغير معها وجوه الحياة في محيطنا العربي والإسلامي بصورة غير مسبوقة في التاريخ.. لكن أداء وسائل الإعلام العربية لم يكن في المستوى الأخلاقي ولا الحضاري لهذا الحدث التاريخي الفاصل؛ إذ كان متفاوتاً بين الضعف وقلة الإنصاف والتعامي والتآمر باستثناء «الجزيرة» التي تماهت مع مشاعر الجماهير وهمومهم، واتسقت مع روح الحدث الثوري واستغرقت في تفاصيله بصورة وإن كانت فائقة التميز لكنها كانت مثيرة لعديد من علامات الاستفهام!

ولقد تكثفت هذه الاستفهامات بصورة لم يجد لها البعض إجابة - باستثناء غمز من هنا ولمز من هناك - حتى جاء قرار حكومة مصر الخفية بإغلاق مكتب الجزيرة مباشر مصر»، وأعقبته مداهمات بوليسية تحت عنوان «شرطة المصنفات الفنية، والتي تركت آثار حقد وعلامات انتقام بغيض غير مبرر قانونيًا ولا أخلاقيًأ ولا حضاريًأ، ولكن قرار الحجب والإغلاق والمداهمات كان قد ترك صدى مريحًا لتلك الصدور التي كانت تغلي وتفري حقدًا على «الجزيرة» وإدارتها والبلد الذي تبث منه!

رد الجميل

ويأتي هذه القرار ليعكس طريقة الحكومة الخفية في رد الجميل لـ «الجزيرة» التي انبثت عبر أثيرها روح الثورة، وتبلور في فضائها أمل الخلاص والانعتاق من النفق المظلم والمستنقع الآسن الذي انتقعنا فيه نصف قرن ونيف، فهدى الله إلينا «الجزيرة» وهدانا إليها بعد انقطاع سبل النجاة.. فيما لم يزل الإعلام الرسمي وغير الرسمي واجهة كتيبة للحكومة الخفية التي تسير بمصر إلى الضياع، متبعة سياسة الأرض المحروقة!

وها هي «الجزيرة» - مرة أخرى - تكشف عن واحدة من أهم وأخطر الحقائق التي تكمن خلف المشهد المصري، ها هي ترصد الكائنات «الأميبية» التقليدية والبؤر السرطانية، وتفرز أعداء الثورة وأدعياءها ولصوصها، وفلول الثورة المضادة من الحرامية الذين مردوا على الحرام والإجرام وضيعوا على أنفسهم فرصة التوبة والتطهر مما اقترفوه في حق الشعب والأمة من خطايا وآثام.

ولذلك، فإن المرء يبدي كثيرًا من الشكوك تجاه نوايا أصحاب قرار حجب قناة الجزيرة مباشر مصر» أو التشويش على بنها، وهي واحدة من أغزر روافد المعرفة ومنافذ الفكر الناضج وأكثرها واقعية في الطرح واقترابًا من الحقائق.

من الحاقد؟

ومما لا شك فيه أن قرار إغلاق «الجزيرة مصر» بإيعاز آلة من آلات التحريض القانوني التي تعمل في الخفاء خلف ستار لم يرفع بعد، إنما يكشف عن أننا لم نرتق بعد إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية، ولم تبلغ بعد سن الرشد الحضاري، فليس من الأمانة أن نعبث بمشاعر الناس ونسعى إلى سرطنة قناعاتهم وضمائرهم، وتشتيت أفكارهم ورؤاهم عن الأدواء والعلل الحقيقية الكامنة في دواخلنا وفي قراراتنا ومواقفنا الحقيقية.

ويبدو أن مَن لا يروقهم أداء «الجزيرة» قد وجدوها فرصة ذهبية لتصفية ضغائن وأحقاد تغلي بها صدورهم تجاه محطة فضائية قد عدلت - لا أقول قلبت - كل الموازين وخسرت كل المقامرين وبورت بضاعة المتاجرين بتاريخنا وحضارتنا وحاضرنا ومستقبلنا وهذا يدعونا إلى أن نتساءل بكل براءة: من له المصلحة في إيقاف بث قناة «الجزيرة مصر» والتشويش على بنها بوجه عام ؟! مَنْ أخطأ حتى يستوجب الحجب والإبعاد ؟

حيثيات مهمة

قبل الإجابة عن هذا السؤال، أجد من المهم أن نضع بين يدي القارئ بعض الحيثيات المهمة لتفسير ما يمكن تسميته مجازا بخطايا «الجزيرة» وموقفها اللافت من ثورة مصر وشعبها :

أولاً: «الجزيرة» تفترض في مصر أمومة الدنيا، وهو افتراض نابع من الإيمان بضرورة يقظتها ونهوضها إلى ممارسة مهام وصلاحيات ومسؤوليات القوامة الحضارية وهي مهام وصلاحيات ومسؤوليات أصيلة لم يصنعها زعيم أو دعي أثيم، وإنما صنعتها الأهلية الحضارية لمصر، ما استحَقَّتْ بِهِ بِرُّ كـ الشعوب المحترمة التي تعرف للناس أقدارها من هذه الزاوية فحسب نظرت «الجزيرة» إلى مصر فنهضت بواجب البنوة!

ثانيًا: إلى الذين يتكلمون بلغة المصالح - أي مصلحة لـ «الجزيرة» أو لدولة قطر حكومة وشعبًا في مصر مهوى العروبة والإسلام؟ بطبيعة الحال ليس ثمة مطامع لبلد وإن كان محدودًا بمقاييس التاريخ والجغرافيا، ولكنه تماهى مع العظمة والعبقرية وتجاوز بعطائه كافة المعايير التقليدية لتقييم الشعوب فاستأثر باحترام وتقدير كل من كان ذا قلب.

تساؤلات منطقية

 بصفة عامة، هل «الجزيرة» التي عبأت الشعوب الثائرة ظلمًا، وأسبغت عليها القهر، ولاحقتها في راحتها وأمنها وأموالها وأعراضها حتى كانت سببًا في الانتفاض والثوران والفوران؟

 هل «الجزيرة» هي التي أوحت بالكذب والافتراء والغش والخداع والتضليل والإمعان في تغييب وتزييف الوعي الحضاري للشعوب العربية؟ .

 مَنْ أولى بالحجب والملاحقة.. قناة «الجزيرة»، أم مَنْ أمعنوا في تضليلنا ومارسوا مزايداتهم الخسيسة على الإرادة الشعبية في كل من مصر وسورية وغيرهما من البلاد الواقعة تحت الظلم والطغيان؟

 ففي تمثيلية مفضوحة من جانب إعلام حكومة مصر الخفية للنَّيْل من كرامة الشعب معيدا إنتاج القوادة السياسية بأحط معانيها مصوّرًا فخامة المشير بـ«بذلة مدنية» مُبْتَذَلَة قائدًا ملهمًا ويسوعًا وملفوظة لتقديمه مخلصًا للشعب من همومِهِ وآلامه .. ما هذا الدجل السخيف ؟!

 إلى مَنْ نلتفت بالملامة؟ أنلتفت لتصريحات وزير الإعلام المصري المخلوع «أسامة هيكل»، التي بررت إغلاق مكتب «الجزيرة» بحجج واهية عرجاء، ومقولات لا تستحق الرد لتفاهتها وعدم مسؤوليتها، أم نلتفت إلى مجلس عسكري معاق سياسيًا ولا يبلغ به مكر الساسة إلى ارتكاب جريمة في مستوى إغلاق «الجزيرة»، أم نلتفت بالملامة والعتاب إلى رئيس وزراء لا يفطن إلى ملاعيب من حوله من الثعابين..

 أم نلتفت للمسؤولين السوريين الذين يصفون «الجزيرة» بإشعال الفتن في البلدان الآمنة المطمئنة، ويروجون لأكذوبة تفيد بأن الشعب السوري مستهدف من قناة «الجزيرة»؟! ولماذا الآن «الجزيرة» تستهدف الشعوب الثائرة تحديدًا ؟! .

 وهل يمكن الاعتقاد بأن مواطنًا شريفًا في هذا البلد لن يسمح لنفسه بالإيمان للنبوة الكاذبة التي يروج لها إعلام الثورة المضادة أو بتمرير أغراض حكومة مصر الخفية التي نشتم خبيث رائحتها من مكان بعيد ؟! .

 وهل وعي هذا الشعب يمكن أن يبتلع الطعم الإعلامي فيتغاضى عما يرمي إليه من إيصال رسائل من شأنها الإمعان في افتراض غفلة الشعب وغبائه وعاطفته غير المنضبطة؟ وهل يمكن أن يصدق هذا الإعلام في نفيه أي رغبة للمجلس العسكري في السلطة خلال الفترة القادمة - في محاولة لا تعدو كونها تبريرا أقبح الخطيئة قبيحة - هي الوصول بالشعب إلى حالة من الفوضى والبلبلة والتخبط الذي يحول دون بلوغه مرافئ الأمان والاستقرار الأمر الذي يدفعه للقبول بالأمر الواقع الذي يجهز في مطبخ الإعلام المسيس؟!.

 وهل يُعقل في بلد كمصر أن تظل وسائل الدجل والتضليل والدعارة السياسية والفكرية المشبوهة محظية بالحماية والدعم والرعاية.. في حين تضحى منابر الفكر الحر الشريف والمهنية المسؤولة عرضة للاحتيال والاغتيال الظلوم!

 من أولى بالحجب إذا .. «الجزيرة» أم أولئك المقامرين المتاجرين بالشعوب في أخرج ظروف حياتها ومراحل تاريخها وأشدها حساسية ؟!

هؤلاء بطبيعة الحال، هم أولى بالحجب والإبعاد عن الحياة العامة بما كانوا يعملون صيانة لأمن مصر القومي، وتأمينا الجانب المنطقة من غدرهم وشرهم وسين مكرهم وفساد نواياهم، حتى كان عصرهم شاهدًا عليهم بما ارتكبوه من الجرائم الاجتماعية في حق مصر والمصريين على مدار ثلاثين عامًا، هي مدة حكم «مبارك»، وكان أكبر وأهم هذه الجرائم هو تخلي الدولة في عصره عن دورها الاجتماعي تجاه مواطنيها، وهي الجريمة الأم التي أفرزت العديد من الجرائم الأخرى التي تبدأ بالإفقار المتعمد للشعب والنهب المنظم لثرواته، ولا تنتهي عند حرمانه من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، بعد حرمانه من حقوقه السياسية والقانونية...

وهو ما مثل على حد تعبير فرغلي هارون: «التربة الخصبة التي نمت فيها بذور الغضب المصري، لتثمر في ٢٥ يناير ٢٠١١م ثورة أطاحت بـ«مبارك» وبعض قليل نظامه».... وها هو ذيل الحية لم يزل يلعب فأصاب «الجزيرة» بالأذى الذي لم يثنها ولن يثنيها عن مواصلة رسالتها!

لعل الخطيئة القاتلة لشبكة «الجزيرة» أنها تتمثل الشموخ والطلاقة في أزمنة الحصار والانكسار، وتستعصي على الاصطياد في الماء العكر، وكانت فضائية «الجزيرة» تنقل قضيتنا وقضية كل حرٍّ إلى العالم، وترفع لذوي الضمائر الحية قضية مآسي شعوب استغرقت في مستنقعات الظلم والقمع وويلات الاضطهاد عقوداً متطاولة وها هي تتمنع على محاولات الإغراق في خضم طوفان إعلامي موبوء بقراصنة القيم ومحترفي الدجل والتمييع والتلبيس على الشعوب بوحي إبليس اللعين!

وكَمْ كُنَّا نَتَوَقع من الذين يُوَجْهُونَ سهام نقدهم الجارح ومعاول نقضهم الفادح إلى «الجزيرة» أن يكون نقدًا بناء، لا نقضًا هدامًا، وإن من أبسط القواعد المنهجية للنقد والانتقاد أن نقترح البديل المناسب، وأن نبني مكان ما نهدم.. فلم يكن متوقعًا أن يُقابل جميل العمر» الذي أسدته «الجزيرة» لشعب مصر وكافة الشعوب الحرة بهذا القدر من الجحود والنكران وهي التي كانت صوت الشعب الصادح في صدى واقع احتوشته الضباع الخسيسة بالتفافاتها اللئيمة وقوادتها الإعلامية ودخلها المكشوف فهي المنبر الذي عجز كارهوها والمتطيرون بها أن يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا!

إن أي محاولة مستقبلاً لاستدراك الأمر لن تلفتنا عن تلك النفوس الحاقدة المضادة المصلحة الشعب، ولن تثنينا عن تعقب تلك الأيادي الغادرة التي تتحين أي فرصة لاغتيال ثورتنا المباركة بمناوراتها الإعلامية المكشوفة.

والمسألة هنا لا تتعلق بالنظر في إمكانية البت من على قمر آخر أو نقل البث من مصر إلى بلد البث الأصلي، بل إن قضيتنا كمصريين وعرب تكمن في تساؤلنا : لماذا إيقاف البث من مصر بالذات؟ ولماذا التشويش ومحاولة الحجب؟ ولصالح من؟! وهل نحن بصدد ملعوب كبير يقوم فيه المجلس العسكري» بدور «العسكر» فيما يقوم الإعلام بدور «الحرامية»؟!

إن الاستفهامات التي تضج بها روح هذه المقال لابد لها من إجابة وحلول لإشكالياتها الملغزة، ولا سيما في أصداء تعثر المد الثوري والذي بدا فاقدًا وعيه بذاته الحضارية الحقيقية، غير مُمسك بزمام القدرة على استرداده زخمه من جديد، وربما تُنسى قضية «الجزيرة» مثلما نسيت قضايا كثيرة في خضم هذا التدافع الثوري، ذلك التدافع ما كنا نتمنى ألا ينتهي مفعوله قبل أن يبلغ المصريون وبقية الشعوب العربية الثائرة مرافئ الحرية كرامًا آمنين

الرابط المختصر :