الثلاثاء 19-يونيو-1990
قبل ساعات قليلة
من انتهاء المهلة التي حددها له رئيس «الكيان الصهيوني» حاييم هيرتزوغ، أعلن رئيس
تكتل «ليكود» إسحاق شامير عن تشكيله لحكومة «إسرائيلية» جديدة، مسدلًا بذلك الستار
على الأزمة السياسية التي عاشتها «إسرائيل» خلال الشهور الثلاثة الماضية، منذ سقوط
الحكومة السابقة في منتصف شهر آذار/مارس الماضي بعد التصويت عليها في الكنيست
«الإسرائيلي». وكان هيرتزوغ قد كلف في البداية رئيس تجمع «المعراخ» شمعون بيريز
بتشكيل الحكومة، ومنحه مهلتين دامتا 36 يومًا، ولكن بيريز أعلن عن إخفاقه في تشكيل
الحكومة، مما دعا هرتزوغ إلى تكليف شامير بهذه المهمة في السابع والعشرين من
نيسان/أبريل الماضي.
وبعد مشاورات
مكثفة ومتواصلة، نجح شامير في تشكيل حكومة ضيقة من الليكود وثلاثة أحزاب «متطرفة»
هي: الحزب الوطني الديني، وحزب تسوميت، وحزب هتحيا. وقد نالت الحكومة الجديدة ثقة
الكنيست بموافقة 62 عضوًا مقابل معارضة 57 عضوًا، وامتناع نائب واحد عن التصويت.
محطة
نحو الائتلاف مع المعراخ
ويرى بعض
المراقبين والمعلقين السياسيين أن الحكومة الجديدة يمكن أن تكون محطة في الطريق
نحو الائتلاف من جديد بين الليكود والمعراخ، إذ إن تشكيل شامير لحكومته كان بمثابة
رسالة وجهها شامير إلى المعراخ بقدرته على تحقيق ما أخفق بيريز في تحقيقه، لذا
فإنه ليس أمام المعراخ غير طريقين لا ثالث لهما. الأولى: البقاء في صفوف المعارضة
حتى موعد الانتخابات القادمة في نهاية عام 1992، أما الثانية: فهي الائتلاف مع
الليكود وفق صيغة تعايش جديدة، سيفرض فيها شامير - بالطبع - شروطه من موقع القوة.
معركة
داخلية
ولا شك أن نجاح
شامير في تشكيل الحكومة قد يثير معركة داخلية في أوساط تجمع المعراخ خاصة بعد أن
أعلن إسحاق رابين بأنه سيخوض المنافسة على زعامة الحزب إذا تمكن الليكود من تشكيل
الحكومة. ويبدو أن التوقعات تشير إلى أن الأجواء السلمية والعلاقات بين بيريز
ورابين في السنوات الأخيرة في طريقها إلى الانتهاء، خاصة وأن خلافًا طرأ على
الموقف السياسي من خطة بيكر بين بيريز ورابين، حيث يرى رابين أنه لا يشترط
الموافقة المسبقة من قبل الليكود على خطة بيكر للدخول في حكومة «وحدة وطنية».
«ضربة»
قوية للنهج السياسي
وبعيدًا عن
تأثيرات تشكيل الحكومة «الإسرائيلية» على الرأي العام «الإسرائيلي»، فإن الحكومة
الجديدة بتشكيلتها الحالية تعد ضربة قوية للنهج السائد في الساحة الفلسطينية
حاليًا، والذي بدأ مسيرته في عام 1974 ببرنامج النقاط العشر، وأخذ يتبلور شيئًا
فشيئًا حتى انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في نوفمبر 1988، حيث طرح
البيان السياسي متضمنًا تراجعات خطيرة تم خلالها التراجع عمليًا عن الميثاق الوطني
الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي كان يشكل القاسم المشترك الذي تجتمع
عليه فصائل المنظمة من جهة، والحد الأدنى لتطلعات الشعب الفلسطيني بكافة فئاته
وشرائحه وفصائله من جهة أخرى. ووصفنا للتشكيل الجديد بأنه «ضربة» ليس مبالغة منا،
بل هو الحقيقة التي ينبغي لأصحاب النهج السائد في الساحة الفلسطينية أن يعترفوا
بها دون مكابرة، فقد أجمع معظم المراقبين على أن هذه الحكومة من «أسوأ» و «أقذر»
الحكومات التي تم تشكيلها منذ إقامة الكيان الصهيوني، وتفنن البعض في إطلاق
الأوصاف والأسماء عليها، فهي حكومة «مجانين»، «متوحشين»، «حرب»، «جزارين» وغيرها
من الأسماء التي تصف رموز هذه الحكومة وصفًا حقيقيًا لا مجازيًا، بل إن البعض وصف
شامير بأنه أقل أعضاء الحكومة الجديدة سوءًا مما يعطي للقارئ انطباعًا جيدًا حول
طبيعة أعضاء الحكومة الآخرين. وسنكتفي باقتباس تصريحات صلاح خلف أحد منظري النهج
السياسي في الساحة الفلسطينية حاليًا والمدافعين عنه بحرارة، تعليقًا على تشكيل
الحكومة، حيث قال لوكالة رويتر «إن خروج شامير بهذه التشكيلة، سيكون له تأثير عكسي
وسلبي على المنطقة بشكل عام»، ووصف الحكومة قائلًا: «إنها حكومة حرب» من المتوقع
أن تزيد من عمليات قمع الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة، وأضاف «الحكومة التي جاءت
حكومة حرب من أسوأ الحكومات التي جاءت في تاريخ إسرائيل وتمثل قمة التعصب والتحجر
والتطرف».
لماذا
هي كذلك؟
والسؤال الذي
ينبغي أن تكون إجابته واضحة في ذهن القارئ هو لماذا وصفت حكومة شامير الجديدة بهذه
الأوصاف، وما الذي يميزها عن غيرها من الحكومات السابقة؟ إن الإجابة على هذا
السؤال يمكن استمدادها من شيئين اثنين: برنامج الحكومة الذي طرحته، والوزراء الذين
تم اختيارهم لتنفيذ البرنامج. فقد أكد البرنامج الحكومي في الوثيقة التي حددت
ملامحه على أن «الحق الأبدي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل ليس موضع بحث» وأن
«الاستيطان اليهودي في جميع مناطق إسرائيل هو حق لشعبنا، وهو يشكل جزءًا من أمن
إسرائيل القومي والحكومة ستعزز الاستيطان وتوسعه وتطوره».
وفي البند الخاص
بالتنمية الاقتصادية، وضعت الوثيقة على قدم المساواة مناطق «الجليل والنقب ويهودا
والسامرة، وكذلك باقي أرض إسرائيل» وأكدت الوثيقة على أن «القدس لا تدخل في إطار
الحكم الذاتي الذي تنص عليه اتفاقية كامب ديفيد».
وهكذا فإن سياسة
الحكومة الجديدة ستقوم على الركائز التالية:
• أن أرض فلسطين هي ملك وحق أبدي للشعب
اليهودي، وهذا ليس موضع نقاش أو بحث.
• استيعاب الأعداد المهاجرة من اليهود
السوفيت.
• التوسع والاستيطان جزء لا يتجزأ من أمن
«إسرائيل» القومي.
• القدس الموحدة هي عاصمة «إسرائيل» الأبدية.
• رفض جميع المشاريع السياسية المطروحة،
باستثناء مشروع شامير الذي اقترحه في أيار من العام الماضي 1989.
• تشديد القبضة الحديدية على الفلسطينيين
والعمل على قمع الانتفاضة.
وبنظرة إلى
الوزراء الذين تم تكليفهم بالوزارات الحساسة والعامة، نجد أنهم يمثلون قمة التشدد
والتطرف إزاء الفلسطينيين ويقفون موقفًا معارضًا وبشدة ضد المشاريع السلمية
المطروحة على الساحة، حتى إن بعضهم يعارض خطة شامير.
وسيعمل هؤلاء
على تنفيذ السياسة «الإسرائيلية» بمنتهى الحماس و «الإخلاص» وهؤلاء الوزراء هم:
• أرييل شارون، وتم تكليفه بأن يكون وزيرًا
للإسكان، وهو الذي سيقوم بالعمل على استيعاب اليهود السوفيت القادمين من الاتحاد
السوفياتي وممارسة سياسة تعزيز الاستيطان وتوسيعه، إذ إنه يرى أن بناء المستوطنات
هو دعم لأمن «إسرائيل».
• موشي أرينز، وتم تكليفه بأن يكون وزيرًا
للدفاع، ومن المتوقع أن يمارس أرينز سياسة القمع والاضطهاد ضد الفلسطينيين بشكل
أعنف مما كان عليه الأمر سابقًا، بل إنه قد يلجأ لأسلوب الطرد الجماعي.
• ديفيد ليفي، وتم تكليفه بأن يكون وزيرًا
للخارجية، وقد أعلن قبل تسلمه لمهامه بأنه سيسعى لتنفيذ خطة شامير، ولكنه أكد
قائلًا: «سأحرص على ضمان مصالح إسرائيل».
• إسحاق موداعي، وتم تكليفه بأن يكون وزيرًا
للمالية، وسيعمل على توفير الدعم المالي من الولايات المتحدة الأمريكية لـ
«إسرائيل» ويعد موداعي من الرموز المتشددة.
ويلاحظ أن
الوزراء المذكورين هم من الليكود ويشكلون مع شامير قيادته الرئيسية، وأن الوزارات
المتبقية فتوزعت على الأحزاب الأخرى المشاركة والتي تشترك مع الليكود في القواسم
الرئيسية والأساسية.
التوقعات
المستقبلية
وهكذا فإن تشكيل
الحكومة الجديدة معناه القضاء على المشاريع السلمية المطروحة، مما يشير إلى أن
الوصول إلى تسوية سياسية وفق البرنامج الذي حددته المنظمة في المجلس الوطني التاسع
عشر «الجزائر» بات مستحيلًا إلا إذا تراجعت المنظمة عن برنامجها، وقدمت تنازلات
جديدة، ولا يتوقع أن تفعل الإدارة الأمريكية برئاسة جورج بوش شيئًا جديدًا، خاصة
وأن بوش أكد في تصريحات له عقب تشكيل الحكومة «الإسرائيلية» بأن «تشكيل حكومة في
إسرائيل مسألة داخلية تخص الإسرائيليين وحدهم»، وقال: «فلتفعل إسرائيل ما تريد
بحكومتها وسأتعاون مع من يختارهم هذا البلد حكومة له». ويرجح أن تلجأ الإدارة
الأمريكية وفقًا لتشكيل الحكومة «الإسرائيلية» الجديدة إلى صياغة وتفصيل مشروع
سياسي جديد وطرحه في الساحة عن طريقها مباشرة أو عن طرق أخرى غيرها، بحيث يتفق
المشروع مع الخطوط الأساسية للحكومة «الإسرائيلية» الجديدة، حتى يتيح الفرصة
أمامها لمواصلة المناورة السياسية، لأنه ليس من مصلحة «إسرائيل» الآن الإبقاء على
الفراغ السياسي في الساحة الفلسطينية، مما قد ينذر بأشياء غير «مستحبة» لأمريكا
وإسرائيل خاصة وأن ذلك سيعني زيادة أسهم الحركات الإسلامية -وفي طليعتها حركة حماس
- التي تقود الآن المعارضة الشعبية الحقيقية للنهج السياسي الحالي.